العدد : ١٥٤٤٥ - الاثنين ٠٦ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٥ ذو القعدة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٤٥ - الاثنين ٠٦ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٥ ذو القعدة ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

جائحة كورونا باعتبارها فرصة لإعــــــــادة بـــنـــــاء نـــظـــــم الإدارة

بقلم: د. هدى المدحوب

الثلاثاء ٠٢ يونيو ٢٠٢٠ - 02:00

يُواجه العالم اليوم تحديات لا مثيل لها بسبب جائحة كورونا التي تفرض نفسها على كل مناحي الحياة، إذ بسبب هذه الجائحة رفعت معظم الدول مستوى الخطر لديها إلى أعلى المستويات مُصنفةً نفسها على أنها في حالة حرب. غير أن من أكثر الحقائق المغيبة عن ذهن عامة الناس هي عدم إدراكهم لمدى تأثير هذه الجائحة مستقبلاً، والذي سيكون أعمق من أي أزمة أخرى مرت على البشرية في تاريخنا الحديث. فعلى سبيل المثال لا الحصر تُشير النتائج الأولية إلى أن الجائحة تسببت في ارتفاع البطالة في الولايات المتحدة إلى أكثر من 36 مليون شخص وذلك خلال ثمانية أسابيع فقط، قفز خلالها معدل البطالة في شهر أبريل الفائت إلى حدود 15%. هذه النسبة هي الأعلى من نوعها منذ الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن المنصرم متجاوزةً بذلك معدلات الأزمة المالية التي شهدناها في بداية الألفية الجديدة عام 2008م. والأسوأ من ذلك أن هذه النسبة مرشحة للارتفاع إلى 25% و30% كلما طال أمد الأزمة بحسب بعض التقارير الاقتصادية، ولتكون بذلك الأسوأ تاريخيًا حتى من الكساد الكبير نفسه. كل ذلك سينعكس على معدلات النمو الاقتصادي التي يمكن أن تنكمش في بعض الدول الغربية حتى 15%.

ليس الغرض من هذه المقدمة أن نطرح صورة قاتمة للموضوع بقدر ما هو توصيف واقعي للأزمة نريد من خلاله أن نبيّن حجم التحدي الذي تواجهه البشرية جمعاء. نحن أمام لحظة تحول تاريخية ومن الواجب علينا أن نستعد للمرحلة القادمة، فإن العالم بعد جائحة كورونا لن يكون هو العالم نفسه قبل الجائحة. نحاول في هذا المقال أن نوضح الملامح العامة للتغيير الذي سنشهده في المستقبل المنظور والذي ستتسبب جائحة كورونا في صياغة بنائه من جديد. 

مع تواصل تفشي الفيروس في العالم فإن أكثر ما أظهرته هذه الجائحة هو النقص الحاد في الخبرات اللازمة لإدارة هذا النوع من الأزمات. ففي حين تكافح دول العالم في كبح جماح الجائحة وإيقافها، بدت الدول المتقدمة منها بالخصوص وعلى غير المتوقع أسوأ حالاً من غيرها في إدارة الأزمة (تتقدمها الولايات المتحدة بعدد إصابات بلغ ثلث العدد الإجمالي لعدد الإصابات في العالم). ففي حين تبدو بعض دول العالم الناشئة أكثر نجاحًا في إدارة الأزمة أظهرت الدول المتقدمة إخفاقًا في احتواء الجائحة والتعرف على بؤر انتشار المرض. ويمكن أن يُعزى هذا الإخفاق إلى التلكؤ والتباطؤ في تفعيل سياسات الرصد والتباعد الاجتماعي. وأساس ذلك أن إدارة الأزمة تتطلب تمديد أمدها إلى حين التوصل إلى لقاح ناجح في حين أن البنية الاقتصادية والسياسية في هذه الدول تقوم على سياسة الانفتاح والتواصل والتكامل ذات الرتم السريع. لقد وجدت هذه الدول نفسها أمام تعارض بين مصلحتين الأولى أن تحافظ على أرواح مواطنيها والثانية أن تستمر في دفع العجلة الاقتصادية للتقليل من التكاليف التي ستتحملها الدولة. ولا يخفى على أحد أنه في جوهر هذا التعارض يكمن سؤال أخلاقي يدعو إلى التوازن بين الاقتصاد وحياة الشعوب. 

إن أهم ما ستشهده البشرية من تغيير في المستقبل سيكون إعادة لبناء النظم الإدارية بحيث سنرى دورًا أكبر للنظم القائمة على محاكاة التواصل الاجتماعي وطرق تحليلها. ونخص بالذكر هنا التقنيات المعروفة علميًا بـ«Social Network Analysis» التي ذاع صيتها خلال العقد المنصرم. ففي دراسة عن تأثير فيروس كورونا أعدها المركز البحثي نتكس لاب «NetxLab» المختص بهذا النوع من العلوم الفريدة ومقره البحرين، يمكن إيجاز الملامح الرئيسية للتغيير كما يلي:

1- الترويج لنمط الإدارة الذاتي التنظيم (Self-organising systems): ستشهد المرحلة القادمة تراجعًا في النظم الإدارية ذات الطابع المركزي في اتخاذ القرارات لصالح الأنموذج الشبكي الذي من خلاله تتشكل فرق عمل محددة وذات طابع مرحلي/مؤقت بعيدًا عن الهياكل التقليدية ذات التخطيط العمودي (المختصرة بالعلاقة الثنائية بين الرئيس والمرؤوس). ومن خلال هذا التغيير سنشهد انتقالاً أكبر نحو تعزيز المسؤولية الشخصية وذلك بتمكين الموظفين من اتخاذ القرارات دون الرجوع للهياكل التنظيمية التقليدية، وهو بذلك يعد تحولاً عن النموذج الحالي القائم على تعويم المسؤولية من خلال تشكيل اللجان مثلاً.

2- تراجع أكبر في سياسات العولمة: لربما هذه الظاهرة بدأت في البروز منذ قرابة الخمس سنوات السابقة خصوصًا مع قدوم ترامب إلى سدة الحكم وانسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، إلا أنها ستشهدُ زخمًا أكبر في الأيام القادمة مع ظهور أوسع للأحزاب الشعبوية على الساحة السياسية. وعليه ستتأثر النُظم الحاكمة للتجارة الدولية وطرق تنقل البشر بين دول العالم.

3- توطين الموارد والإمكانيات: أبرز مثال في هذا المجال هو توطين الوظائف. ستسعى الدول لتقليل اعتمادها على العمالة الأجنبية لكونها أكثر كلفة خلال أوقات الأزمات. ولربما الخطوات التي أعلنتها كل من دولة الكويت وسلطنة عمان مؤخرًا بإحلال العمالة الوطنية محل العمالة الأجنبية يصبُّ في هذا المضمار.

4- إعادة تموضع سلاسل الإمداد (Supply Chains): ونقصد بذلك ظهور دول جديدة تنافس الصين في مكانتها الاقتصادية كمصنع العالم الأكبر والأوحد. وهي بذلك تُنذرُ بإعادة تشكيل مراكز القوى والسيطرة على سلاسل التزويد والإمداد الدولية. فعلى المستوى الإقليمي لدول الخليج فإن الهند ومصر والمغرب هي أكثر الدول المرشحة لاحتضان الاستثمارات الجديدة في سلاسل الإمداد لما تملكه هذه الدول من طاقة بشرية كبيرة وقرب جغرافي للأسواق الاستهلاكية. إن من ضمن أكثر المجالات التي ستتأثر في هذا الشأن هي الصناعات التحويلية وقطاع التكنولوجيا والإنشاءات. 

5- تبنٍ أكبر للسياسات القائمة على السيناريوهات والفرضيات المتعددة: إذ سنشهد تراجعًا في الاعتماد على البيانات ذات التقديرات العالية الدقة التي غالبًا ما ترجح تحقق نتيجة واحدة من ضمن عدة احتمالات، وسيُستعاضُ عن هذا المنهج بالتخطيط المبني على الاستراتيجيات المتعددة بحيث يكون لكل منها نتيجة مختلفة. 

6- التعافي الاقتصادي المتذبذب: مع إطالة أمد الأزمة وتوقع تفشي المرض على هيئة موجات جديدة فمن المتوقع أن تنتهج الدول سياسات إغلاق/فتح بشكل دوري إذ يتم مثلاً فتح المحال التجارية لفترة ثم إغلاقها لفترة أخرى وهكذا دواليك بناءً على الارتفاع والانخفاض في عدد الإصابات وذلك بغرض تحقيق التوازن بين الحاجة للحفاظ على الأرواح والحاجة إلى استمرار العجلة الاقتصادية. وسينعكس ذلك على الأداء الاقتصادي ليحمل طابعًا متذبذبًا يتبع في حركته بندول الساعة من حيث النمو والانكماش. وهذا النموذج في التعافي سيكون فريدًا من نوعه إذ سيزيد الحيرة في أسواق رأس المال مما سيؤدي إلى زيادة كلفة الاستثمار ومعدل الاستدانة بشكل عام. 

7- تعزيز الاقتصاد المعرفي على حساب الاقتصاد الريعي: حيث ستلعب التقنيات والعلوم الحديثة في إعادة توزيع ثروات الأمم، وهو تحولٌ قد يضر بمصالح الدول التي تقوم اقتصاداتها على الثروات الطبيعية كالنفط والغاز.

ختامًا فلعله من نافلة القول التأكيد على ضرورة البدء في وضع خطط استراتيجية لكيفية إدارة هذه الأزمة. فمما لا ريب فيه أن فيروس كورونا سيكون وسمًا تُعرِفُنا به الأجيال القادمة في سجلها التاريخي وذلك التعريف سيكون منوطًا بمدى نجاحنا أو فشلنا في إدارة هذه الأزمة.

‭{‬ أستاذ مساعد في قسم العمارة 

والتصميم الداخلي بجامعة البحرين

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news