العدد : ١٥٤٤٣ - السبت ٠٤ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٣ ذو القعدة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٤٣ - السبت ٠٤ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٣ ذو القعدة ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

في الذكرى التاسعة والثلاثين لتأسيس مجلس التعاون: المواجهة الجماعية للتحديات ضرورة استراتيجية

بقلم: د. أشرف محمد كشك {

الاثنين ٠١ يونيو ٢٠٢٠ - 02:00

«إن مجلس التعاون لدول الخليج العربية وهو على مشارف العقد الخامس من مسيرته المباركة ليواجه تحديات غير مسبوقة في نوعيتها وتشعبها تتطلب اليوم أكثر من أي وقت مضى التفكير الجماعي والتعاون المشترك لمواجهتها والتعامل مع تداعياتها....». عبارات جاءت ضمن كلمة متلفزة للدكتور نايف بن فلاح الحجرف الأمين العام الجديد لمجلس التعاون لدول الخليج العربية في الخامس والعشرين من مايو 2020 بمناسبة الذكرى التاسعة والثلاثين لتأسيس المجلس.

تصريحات اكتسبت أهمية بالغة مضمونًا وتوقيتًا، إذ تحل ذكرى تأسيس المجلس هذا العام وسط تحديات هائلة سواء باحتدام الأزمات الإقليمية أو أزمة كورونا التي سوف تمتد آثارها على الدول كافة لفترة غير معروف مداها، الأمر الذي يجعل من الحديث عن المواجهة الجماعية للتحديات ضرورة استراتيجية.

لقد أنشئ مجلس التعاون بموجب ميثاق مكون من 22 مادة تم إقراره من جانب الدول الست في الخامس والعشرين من مايو عام 1981, وبما يتماشى مع مضمون المادة التاسعة من ميثاق جامعة العربية التي منحت مجموعة من دولها الأعضاء حق إقامة تنظيمات إقليمية، حيث أن الجامعة ذاتها أسست وفقًا للفصل الثامن من ميثاق الأمم المتحدة الذي أتاح للدول تأسيس منظمات إقليمية تتكامل مع المنظمة في سبيل تحقيق الأمن والسلم الدوليين.

وخلال مسيرة المجلس الممتدة نجد أنه قد أدار العديد من الأزمات، إذ أن التأسيس ذاته يعد استجابة واعية من النخب الخليجية آنذاك لمواجهة تهديد أزمات أمنية لم تكن أقل خطورة من مثيلتها الراهنة، فقد تأسس بعد عام من اندلاع الحرب العراقية - الإيرانية التي دارت رحاها لثماني سنوات، والثورة الإيرانية التي استهدفت تصدير شعاراتها لدول الخليج العربي.

لقد واجه المجلس - كغيره من تنظيمات الأمن الإقليمي - عواصف وأنواء بيد أنه تعامل معها بما يصون المصالح الاستراتيجية لدوله، ابتداءً بالغزو العراقي لدولة الكويت عام 1990 ومرورًا بالغزو الأمريكي للعراق عام 2003 وانتهاء بأزمة الأحداث في البحرين عام 2011م، تلك الأزمات التي أثبت المجلس خلالها وبما لا يدع مجالاً لأدنى شك أن أمن دول الخليج العربي كل لا يتجزأ، بل إن بقاء المجلس في حد ذاته في ظل انهيار تنظيمات إقليمية (مجلس التعاون العربي)، وتجميد أعمال أخرى (اتحاد المغرب العربي) يعد دليلاً دامغًا على قناعة قادة دول الخليج الراسخة بحتمية وجود كيان خليجي موحد يعكس الهوية الخليجية من ناحية وليكون مظلة تعكس طموحات شعوبه من ناحية ثانية. لم يكن مجلس التعاون جامدًا بل تطور إبان عقود خلت – لا يتسع هذا المقال لرصد تلك المسيرة- ولكن بوجه عام كانت هناك ثلاثة مؤشرات لافتة أولها: تعزيز المشاركة الشعبية في أعمال المجلس من خلال مقترح المغفور له الراحل سمو الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح عام 1996 بإنشاء هيئة استشارية مكونة من 30 عضوًا من دول المجلس، بواقع خمسة أعضاء من كل دولة تكون عضويتهم لمدة ثلاث سنوات، وقد تم إقرار المقترح عام 1998 وتتمثل مهام الهيئة في تقديم مرئياتها حول الموضوعات التي تحال إليها من المجلس الأعلى وقد تمكنت الهيئة من إعداد دراسات رصينة وتوصيات عملية كان لها أثر كبير في قرارات المجلس الأعلى، وثانيها: مقترح المغفور له الراحل الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود عام 2011 بانتقال المجلس من حالة «التعاون» إلى «حالة الاتحاد» وهو مقترح لايزال قابلاً للبحث والتطوير، وثالثها: المشروعات الخليجية المشتركة وهي كثيرة في المجالات العسكرية والأمنية والاقتصادية كافة.

إن تجربة مجلس التعاون كإحدى تجارب الأمن الإقليمي تعد ثرية للغاية ولا يجب تحليلها من منظور تغلب عليه العاطفة، بل يتعين تقييم تلك المنظومة من منظور علمي سواء من حيث النشأة أو كيفية التعامل مع الأزمات أخذًا في الاعتبار ثلاثة أمور أساسية, الأمر الأول أن كافة التنظيمات بما فيها الأمم المتحدة المنظمة الأم ليست حكومة لها سلطة فوقية على دولها الأعضاء، أما الأمر الثاني فهو أن التدرج سمة طبيعية لتطور تنظيمات الأمن الإقليمي وتجربة الاتحاد الأوروبي خير دليل على ذلك، فمن الجماعة الأوروبية للفحم والصلب عام 1952 إلى 27 دولة عضوا في الوقت الراهن بعد انسحاب بريطانيا، وحتى في حالة وجود تباينات واختلافات في الرؤى فإن ذلك لم يطل بنية تلك التنظيمات أو أهدافها ومقاصدها، ويتمثل الأمر الثالث: في أن تحليل هذه التنظيمات من منظور مؤسسي فحسب سيكون أمرًا يعتريه القصور لأن تلك التنظيمات تعمل ضمن بيئتين إقليمية وعالمية بقدر ما بهما من فرص لتعزيز أدوارها بقدر ما تفرضه من تحديات.

ولعل متابعة وتحليل أزمة كورونا وتحدياتها يعكس كيف كان التنسيق الجماعي الخليجي نموذجًا يحتذى به حيث تواصلت الاجتماعات الوزارية ودون الوزارية في العديد من القطاعات بهدف التنسيق والاتفاق على أسس موحدة لمواجهة تلك الأزمة وكان أبرزها إقرار وزراء التجارة والصناعة بدول المجلس مقترح دولة الكويت بإنشاء شبكة أمن غذائي خليجي متكاملة استجابة لتداعيات تلك الأزمة، وذلك في الوقت الذي طالت فيه سهام النقد منظومة الاتحاد الأوروبي أعرق تجارب الأمن الإقليمي في تعاملها مع أزمة كورونا والتي وضعت مبدأ التضامن وهو جوهر ذلك الاتحاد على محك اختبار حقيقي.

ومع التسليم بما سبق فإن التحديات الراهنة والمستقبلية تملي على دول المجلس حتمية استمرار العمل الجماعي وفي تصوري أن هناك آليات ثلاثة لذلك، الأولى: تطوير مركز مجلس التعاون لإدارة حالات الطوارئ ليشمل الأزمات بكافة أنواعها بما فيها أزمات إقليمية متوقعة بشأن تهديدات الملاحة في الممرات الحيوية في منطقة الخليج العربي، بمعنى آخر توسيع مفهوم الأزمات والكوارث بما يتطلبه ذلك من تطوير لعمل ذلك المركز، والثانية: التفكير في إصدار مفهوم استراتيجي لدول المجلس على غرار ذلك الذي يصدره حلف الناتو كل عشر سنوات وهو بمثابة مراجعة شاملة للتهديدات الأمنية التي تواجه الدول الأعضاء وآليات مواجهتها ويتكامل مع الميثاق المنشئ للحلف ولا يتناقض معه، ويمكن أن تصدر دول المجلس مفهومًا مماثلاً كل خمس سنوات، والثالثة: أن يتجاوز عمل الأكاديمية الخليجية للدراسات الأمنية الإطار الأكاديمي بحيث تنهض بمهام استشارية في المجال الاستراتيجي وكذلك مهام تدريبية وذلك على غرار كلية الدفاع التابعة لحلف الناتو بروما والتي شارك كاتب هذه السطور كموجه أكاديمي في أعمالها على مدى عشر سنوات ضمن تمرين إدارة الأزمات الذي تعقده الكلية مرتين سنويًا.

إن بقاء وتطوير مجلس التعاون يعد ضرورة استراتيجية ليس كإطار للعمل الجماعي الخليجي فحسب بل لتحقيق توازن القوى الإقليمي والذي يعد متطلبًا أساسيًا لتحقيق أمن الخليج العربي. 

‭{‬ مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية بمركز 

البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة «دراسات»

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news