العدد : ١٥٤٤٣ - السبت ٠٤ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٣ ذو القعدة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٤٣ - السبت ٠٤ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٣ ذو القعدة ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

مجلس التعاون الخليجي من أزمة الخليج إلى جائحة كورونا

بقلم: د. أسعد حمود السعدون

الاثنين ٠١ يونيو ٢٠٢٠ - 02:00

في الخامس والعشرين من شهر مايو 1981م وفي ظل أجواء حرب الخليج الاولى بين العراق وايران، وما كانت تمثله من تهديد خطير لدول الخليج العربي وشواطئه، تم في أبوظبي عاصمة دولة الإمارات العربية المتحدة إعلان اتفاق قادة (المملكة العربية السعودية ودولة الكويت ومملكة البحرين والإمارات العربية المتحدة ودولة قطر وسلطنة عمان) على إنشاء مجلس التعاون لدول الخليج العربية لما يجمعهم من روابط وثيقة وسمات مشتركة، وأنظمة متشابهة، وإيماناً منهم بمصيرهم المشترك وما يجمع شعوبهم من روابط الأخوة والقربى، وما يميزهم من تجانس جغرافي وتاريخي، وإيمان بالمصير المشترك ووحدة التوجه. وقد هدف المجلس، وفقا لما نصت عليه المادة الرابعة من نظامه الاساسي إلى «تحقيق التنسيق والتكامل والترابط بين الدول الأعضاء في جميع الميادين وصولا الى وحدتها، وتعميق وتوثيق الروابط والصلات وأوجه التعاون القائمة بين شعوبها في مختلف المجالات ووضع أنظمة متماثلة في مختلف الميادين بما في ذلك الشؤون الاقتصادية والمالية والشؤون التجارية والجمارك والمواصلات والشؤون التعليمية والثقافية والشؤون الاجتماعية والصحية والشؤون الاعلامية والسياحية والشؤون التشريعية والادارية، ودفع عجلة التقدم العلمي والتقني في مجالات الصناعـة والتعدين والزراعـة والثروات المائيــة والحيوانية وإنشاء مراكز بحوث علمية وإقامة مشــاريع مشــتركة وتشـــجيع تعاون القطاع الخاص بما يعود بالخير على شعوبها». ولتحقيق هذا الهدف سعى المجلس خلال سنواته التسع والثلاثين الى توظيف حزمة المقومات الجيوستراتيجية والاقتصادية التي تتمتع بها دوله مجتمعة للتصدي لمختلف التحديات السياسية والأمنية والاقتصادية، والتعاون المشترك لإنجاز عملية تنموية مستدامة ترتقي بمكانتها وامكانياتها وتخط لشعبها موقعا مميزا على الخارطة الدولية، وبالشكل الذي منحه مكانة مؤثرة في البيئة الخليجية والمحيط العربي والاقليمي والعالمي، وظل متناميا متواصلا في عطائه على الرغم من كل ما قيل أو يقال عنه من هذا الطرف أو ذاك، وبالرغم من ان الطموحات كانت أكبر مما تحقق، وعلى الرغم من كل الخروقات والتجاوزات على مبادئه وأهدافه التي واجهته في مجالات متعددة من بعض أعضائه، وبالرغم من ان اغلب قراراته استرشادية ومتروك تنفيذها لإرادة دوله ولا تمتلك أمانته العامة سلطة آمرة لتنفيذها، فإنه تمكن من تحقيق العديد من الانجازات في المجال الاقتصادي، من أبرزها الاتفاقية الاقتصادية الموحدة في عام 1981، ومنطقة التجارة الحرة عام 1983، الاستراتيجية الموحدة للتنمية الصناعية عام 1985، وفي عام 1998 أقر الصيغة المعدلة لها. وكذلك الاتفاقية الاقتصادية والاستراتيجية الزراعية الموحدة عام 1996، وإعلان الاتحاد الجمركي لدول المجلس في الأول من يناير 2003، والسياسة التجارية الموحدة لدول مجلس التعاون عام 2005، وإقرار وثيقة السوق الخليجية المشتركة عام 2008، والمجلس النقدي الخليجي عام 2009، ودشن قادة المجلس استراتيجية التنمية الشـاملة المطورة بعيدة المدى لدول مجلس التعاون (2010 - 2025)، وبرنامج التنمية الخليجي لتمويل مشاريع التنمية في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية عام 2011. بالإضافة الى توحيد العديد من القوانين والأنظمة والإجـراءات في المجالات الاقتصادية، حيث أقرّ المجلس الأعلى نحو أربعين قانوناً موحداً، بعضها ملزم ومعظمها استرشادي، وتنسيق المواقف على الساحة الاقتصادية الدولية، والتفاوض الجماعي والحوار الاقتصادي مع الدول والمجموعات الاقتصادية كالاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة واليابان والصين وغيرها. كما اتخذ المجلس العديد من القرارات الاقتصادية والاجتماعية والسكانية والبيئية التي تصب في اتجاه تحقيق المواطنة الاقتصادية الكاملة. 

وفي المجال الأمني والعسكري أسس المجلس قوة درع الجزيرة عام 1982، وأقر الاستراتيجية الأمنية الشاملة لدول المجلس في 15 فبراير 1987، وصادق عليها المجلس الأعلى في دورته الثامنة في الرياض، ثم تم تحديثها وتطويرها عامي 2008 و2015. وأقر اتفاقية الدفاع الخليجي المشترك عام 2000، وفي عام 2004 وقع قادة المجلس اتفاقية «دول مجلس التعاون لمكافحة الإرهاب». ثم قام بتعزيز قوة الدرع القتالية عام 2005، وفي عام 2009 تم اقرار الاستراتيجية الدفاعية لمجلس التعاون. وفي عام 2013 تم إنشاء القيادة العسكرية الموحدة لدول المجلس. وفي 4 فبراير 2016 تم افتتاح المركز البحري الموحد لدول المجلس ومقره مملكة البحرين.. بالإضافة الى العديد من الانجازات في مجالات التعليم والصحة والمواصلات وغيرها من المجالات. ويعد المجال السياسي المجال الاضعف للتعاون والالتزام الفعلي بالقرارات والمصالح الجماعية لدول المجلس، ولا سيما في سياساتها الخارجية، إذ غالبا ما تتصادم سياسات بعض اعضاء المجلس. 

وفي ظل تداعيات جائحة كورونا وعلى الرغم من عقد عدة اجتماعات عن بعد، على المستوى الوزاري فإن المراقب يلاحظ غياب التنسيق والتعاون والتخطيط المشترك لمواجهتها، مما دعا عبيد حميد الطاير وزير الدولة للشؤون المالية الاماراتي على هامش اجتماع للجنة التعاون المالي والاقتصادي بدول مجلس التعاون، عقد في 22 أبريل 2020 عن بعد، الى ضرورة التباحث والتنسيق بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية لاتخاذ القرارات والإجراءات اللازمة وتفعيلها لاحتواء الآثار المالية والاقتصادية لانتشار الوباء على دول المجلس، وخاصة أنها تعرضت جميعا لثلاث صدمات، صدمة انخفاض أسعار النفط، وصدمة الإنفاق على متطلبات مواجهة فيروس كورونا، وما فرضته على الحكومات من حزم مالية بلغت نحو (122) مليار دولار، وصدمة إغلاق اقتصاداتها.. فضلا عن تعرض أمنها الاقتصادي بشكل عام وأمنها الغذائي بشكل خاص لمخاطر كبيرة.. كما أن مرحلة ما بعد كورونا تتطلب المزيد من التعاون والتنسيق والتكامل بين دول المجلس لاحتواء آثارها وترصين اقتصاداتها الوطنية، علاوة على مراجعة شاملة لنظمها الصحية، وسياساتها الاقتصادية ولا سيما في مجال العمالة الوافدة، وأولويات الاستثمار، وشبكات الأمان الاقتصادي للمواطنين. وفي الختام لا بد من التأكيد على أهمية سعي قادة دول مجلس التعاون الخليجي الى ترصين تجربته وتعزيز دوره الخليجي وتجاوز نقاط الضعف في قسم من منجزاته، وآليات تنفيذها، والارتقاء بها، وكانت دعوة المغفور له بإذن الله الملك عبدالله بن عبدالعزيز في قمة المجلس بتاريخ 19 ديسمبر 2011 لتحويل المجلس من التعاون الى الاتحاد أعظم إنجاز يمكن ان تشهده دول المجلس لو كتب له التحقق.. إذ ينجم عن الاتحاد الخليجي بناء اقتصاد خليجي متين مستند على سياسة اقتصادية موحدة، وتحشيد الامكانات المالية والاقتصادية لأعضائه وتحقيق الاستغلال الأمثل للموارد المتاحة، وتوفير مقومات الاستثمار بتوسيع دائرة السوق وتوحيد المزايا والحوافز الخاصة به، والمواجهة الموحدة للمشكلات والأزمات الاقتصادية كمشكلة تضخم العمالة الاجنبية، وتفاقم البطالة، والانكشاف الخارجي، وغياب الأمن الغذائي، والاعتماد المفرط على الريع النفطي، وغيرها.. فضلا عما يؤدي اليه الاتحاد الخليجي في الجانب الأمني والعسكري من قوة ومنعة عبر التخصص وتوزيع المسؤوليات الأمنية والعسكرية بين أعضائه وفقا للخصائص التعبوية واللوجستية لكل منها، وبما يسهم في زيادة الكفاءة وتقليص التكاليف وتخفيف الضغط على الموارد المالية. وفي مرحلة ما بعد جائحة كورونا سيبقى حلم الاتحاد الخليجي هو الخيار الأكثر جدوى لتجاوز تداعيات الجائحة وتحقيق الأمن الاقتصادي والعسكري والأمني والمجتمعي لدول وشعوب مجلس التعاون الخليجي. 

‭{‬ أكاديمي وخبير اقتصادي

 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news