العدد : ١٥٤٤٦ - الثلاثاء ٠٧ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٦ ذو القعدة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٤٦ - الثلاثاء ٠٧ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٦ ذو القعدة ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

التاريخ الأمريكي يعيد نفسه

بقلم: مكي حسن

السبت ٣٠ مايو ٢٠٢٠ - 02:00

كان مشهد وضع ركبة شرطي ابيض على رقبة مواطن اسود مبطوحا على الأرض مروعا من الناحيتين الإنسانية والمهنية في حضور ثلاثة أفراد شرطة بيض غير مكترثين لما يحصل، المواطن الأسود يصرخ من ضغط ركبة الشرطي الأبيض على رقبته ومن شدة ثقل جسم الشرطي على رأسه، وهو يشعر بالألم الكبير وضيق التنفس التدريجي مما ادى إلى وفاته مساء اليوم التالي (الثلاثاء الماضي) من دون ان يحرك رجال الشرطة الثلاثة الباقون ساكنا.

وقبل الولوج في الحكم على الحادث، نتساءل: ما هي ملابسات الحادث؟ متى وكيف وقع؟ وما هي دوافع هذا السلوك المتجاوز للأعراف الدولية ولحقوق الإنسان والتعايش بين مختلف التوجهات القومية والدينية والاثنية وغيرها المنصوص عليها في دستور الولايات المتحدة؟ ولو افترضنا ان المقبوض عليه هو رجل ابيض، هل سيقوم الشرطي ومن معه بنفس الموقف؟

أليس هذا الحادث الفظ يثبت صحة ما نشاهده على الشاشة الأمريكية (أفلام هوليود) حول جرائم القتل والاغتصاب وسرقات المصارف وعصابات المافيا والمخدرات والتجسس الفضائي وتجنيد عملاء للحصول على معلومات عن امن واقتصاديات دول العالم؟ بل تبدي الإدارات الأمريكية بغض النظر عمن يتربع على البيت الأبيض (الجمهوريون أم الديمقراطيون) استعدادها على الدوام لإسقاط أنظمة تحت دعاوى انها لا تتفق مع توجهاتها واستبدالها بأنظمة موالية لها عن طريق الغزو العسكري مثلما حصل في فيتنام (في ستينيات القرن الماضي) وفشلت لاحقا في التدخل في كوبا، ثم تلته بتدخل في أفغانستان سنة 2001 ثم العراق 2003.

أليس مثل هذا الحادث يسحب الثقة من النظام المسؤول عن تنفيذ القانون في أمريكا، ويثير توجسا وتخوفا من شراسة أجهزة الشرطة في التعامل معهم في حال حصول تجاوزات طالما يعاملون مواطنيهم بهذا النهج العنيف كما هو واضح للعيان في الصور المنشورة عن هذا الحادث في الصحافة والإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي؟ 

هذه الأسئلة أيقظتني من النوم ليلة الحدث حينما شاهدته على الشاشة المرئية، كنت متضامنا -ولا أزال- مع المواطن الضحية حالي حال الآلاف من المواطنين الأمريكان الذين خرجوا لاستنكار هذا الحادث من جهة، وإدانة غطرسة الشرطة المحلية من جهة أخرى، وأكثر ما آلمني ان الشرطي يدوس ويدهس بركبته ويضع ثقله على رقبة الضحية. 

وللإجابة عن بعض الأسئلة، نود ان نوضح وبحسب المعلومات المنشورة على الإنترنت وفي الصحافة ان المواطن الضحية هو (جورج فلويد) ويبلغ من العمر 46 عاما ويعمل في مطعم في مدينة مينابوليس ويبحث عن عمل جديد حسبما ذكره صاحب المطعم الذي يعمل فيه، وقد ظهرت صورته مبطوحا تحت سيارة الشرطة ومكبلا بـ(الهافكري) وهو يستغيث (إني لا استطيع التنفس)، والحقيقة المرة ان الفيديو المتداول لم يبين اسباب طلب الشرطة من هذا الرجل الترجل من سيارته.

المهم ان التحريات مازالت جارية للوصول إلى الحقيقة ودوافع هذه الجريمة، إلا انه مهما حصل لحظتها، فلا احد يعتقد ان الأمر يستدعي القبض على هذا المواطن الذي هو من اصول إفريقية من دون رحمة وبما افقده حياته تجاوزا للقوانين في أمريكا. 

وفي اعتقادي ان من يريد ان يتعمق في معرفة سبب قتل هذا المواطن الأمريكي الاسود يجب أن يأخذ القضية على محمل الجد وأن يضعها في خانة التعدي على حقوق الانسان وعدم المساواة بين المواطنين، ومتى توغل اكثر في القضية سيرى إلى أي مدى بلغت عنصرية بعض المواطنين البيض ضد القادمين من دول عدة خاصة الإفريقية وأمريكا اللاتينية. 

ولقدوم المواطنين السود وهجرتهم من القارة الإفريقية إلى أراضي القارة الأمريكية حكاية تاريخية وواقعية تتمحور حول (تجارة الرق والعبيد) التي مارسها البرتغاليون والأسبان والإنجليز وغيرهم من قوى الاستعمار قبل 300 عام أو أكثر، أحضروهم إلى الولايات المتحدة ليعملوا في الزراعة والحراسة والخدمة المنزلية من دون حقوق عمالية أو إنسانية بل كانوا يضربونهم ولا يتردد صاحب المزرعة أو المنزل في ان يطلق الرصاص على الرجل الذي يبدي عصيانا أو تهاونا في القيام بواجباته اليومية مقابل مبالغ زهيدة جدا بل لا يتردد رب المنزل في اغتصاب المرأة التي تعمل لديه.

 ولم يتم تحرير العبيد بحسب المفهوم الأمريكي إلا ابان الثورة الأمريكية بقيادة أبراهام لينكولن (ابتدأت من 1766 وانتهت 1776) حيث كان لديه 100 من الرجال السود، جندهم في الجيش حينها، وأبلوا بلاءا جيدا، ومن ثم اتخذ قراره التاريخي بتحريرهم جزاء إخلاصهم ووطنيتهم في الدفاع عن أمريكا ضد إنجلترا وحماسهم أيضا في المشاركة في حروب توحيد الشمال والجنوب الأمريكيين في حرب ضروس دامت 10 سنوات، وعلينا ان نتصور بلدا بهذا التاريخ الدموي، اجتث مواطنوه الأصليون (الهنود الحمر) واحتله المستعمرون الأوروبيون الجدد.. والتاريخ يعيد نفسه.. أليس كذلك؟ 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news