العدد : ١٥٤٤٥ - الاثنين ٠٦ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٥ ذو القعدة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٤٥ - الاثنين ٠٦ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٥ ذو القعدة ١٤٤١هـ

مقالات

هاجس خفض الرواتب

بقلم: د. جعفر الصائغ

الجمعة ٢٩ مايو ٢٠٢٠ - 02:00

يتناول البعض بين الحين والآخر من خلال وسائل التواصل الاجتماعي أخبارا تتعلق بخفض الرواتب والمعاشات الحكومية. وعلى الرغم من أن الحكومة لم تعلن لا من قريب ولا من بعيد نيتها اتخاذ مثل هذه الإجراء الخطير، فإن الكثير من الناس استبقوا الأحداث وأصبحوا على قناعة تامة بأن الإشاعة هي عين الحقيقة، وخاصة أن دولا إقليمية أعلنت خططها بخفض بعض العلاوات من رواتب موظفيها. فهل يمكن أن تقدم الدولة على اتخاذ مثل هذا القرار القاسي في ظل هذا الوضع الاقتصادي الصعب؟

لا شك ان الوضع الاقتصادي العالمي والإقليمي والمحلي بسبب وباء كورونا وتدهور أسعار النفط يمر بأزمة اقتصادية خانقة لم يشهدها العالم من قبل. وينذر استمرار تفشي هذا الوباء وإجراءات الحجر الصحي وغلق الاقتصاد وتوقف الإنتاج باستمرار انخفاض الطلب العالمي على السلع والخدمات، وخاصة النفط، وبالتالي ضعف فرص تعافي النشاط الاقتصادي في الأمد القريب.

الدول التي تتبع سياسة تقشفية صارمة، نتيجة تدهور إيراداتها وارتفاع في العجز والمديونية، تبدأ عادة وبشكل تدريجي بخفض نفقاتها الرأسمالية والدعم المالي ومع استمرار تدهور الإيرادات العامة قد تنتهي بخفض الرواتب والمعاشات. ولذا تبقى الرواتب الجرح الأخير والأخطر من نوعه الذي يمكن ان تلجأ إليه أي دولة من خلال سياستها التقشفية. وقبل ذلك عادة تأخذ الدول إجراءات لتخفيف الصدمة مثل وقف التعيينات والترقيات وعلاوة المواصلات وتقنين بدلات السفر ووقف التوظيف، وهذا ما تفعله كثير من الدول. فعلى سبيل المثال اتخذت سلطنة عمان مؤخراً قرارا بخفض رواتب الموظفين الحكوميين الجدد بنسبة 23% (الجدد وليس كل الموظفين). وبعد فترة أعلنت خفض رواتب حاملي الدكتوراه بنسبة 23% وحاملي درجة البكالوريوس بنسبة 14%. ومع استمرار تدهور الوضع المالي قد تضم السلطنة فئات أخرى من الموظفين لتقليص رواتبهم.

ورغم ان خفض الرواتب والمعاشات من أسهل الإجراءات التقشفية على الحكومات وأخطرها، فإن الحكومات لا تلجأ إلى مثل هذا الخيار إلا عندما تكون على حافة الإفلاس، حيث يكون وضعها المالي صعبا للغاية والمديونية في ارتفاع مستمر. ذلك ليس فقط لعدم إثقال كاهل المواطن وخفض قوته الشرائية. وإنما حالة الركود الاقتصادي التي يمر بها الاقتصاد لا تسمح بذلك، فالركود يحتاج إلى سياسة مالية ونقدية توسعية أي زيادة ضخ السيولة في الاقتصاد بدلا من سحبها وخفض حتى الضرائب والرسوم. فالرواتب تلعب دورا جوهرياً في الاستهلاك العام وتنشيط الحركة الاقتصادية، فمن خلالها تعمل الأسواق وتنشط المحلات التجارية وجميع المؤسسات الصغيرة مثل محلات الخضار والنجارة والبرادات وورش الحدادة وغيرها. وبالتالي، فإن طلب الموظفين على السلع والخدمات (أي مصروفاتهم) يمثل دخولا لعدد كبير من أصحاب المحلات التجارية، فعندما تتوقف أو تنخفض هذه المصروفات تنخفض إيرادات أصحاب المؤسسات الصغيرة التي تمثل 93% من من إجمالي عدد الشركات المحلية في البحرين. وبذلك، فإن تقليص الرواتب يعني زيادة الركود وتفاقم الوضع الاقتصادي، حيث سيعيش المواطن في ظروف مادية صعبة ستجعل أحواله أكثر سوءا.

لقد بدا واضحاً، أنه ولسبب قساوة خفض الرواتب على المواطن، فإن تقليصها لا يعني بالضرورة خفض راتب الموظف، فقد يعني خفض عدد موظفي الحكومة، وزيادة عدد موظفي القطاع الخاص، وهذا ما نتوقعه خلال السنوات القادمة؛ أي استمرار انخفاض عدد موظفي القطاع العام. الأرقام الرسمية تكشف لنا عن تراجع عدد الموظفين في القطاع العام بنسبة 28.9% خلال الأعوام الثلاثة الماضية ليصل إلى 47 ألفا و475 موظفا، مقارنة بـ66 ألفًا و698 موظفا خلال عام 2016.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news