العدد : ١٥٤٤٥ - الاثنين ٠٦ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٥ ذو القعدة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٤٥ - الاثنين ٠٦ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٥ ذو القعدة ١٤٤١هـ

الاسلامي

الإنسان في القرآن/6

الجمعة ٢٩ مايو ٢٠٢٠ - 02:00

بقلم: عاطف الصبيحي

بعد ثلاث آيات من قوله تعالى «والذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون» تأتي الآية 277 من سورة البقرة لتنص على: «إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون» في هذه الآية خصوصية وتفرُد عما سبقها من آيات تناولت العطاء والإنفاق، وهذا شأن قرآني بليغ بديع حيث في كل تكرار نجد جديداً ينبغي التقاطه وفقهه، والعمل بمقتضاه، لما فيه خير المُتلقي عن الله.

ما بين الآية 274 والآية 277 كان محور الآيات حول الربا الآفة الاقتصادية، التي أهلكت الحرث والنسل، وتخلل آيات الربا أبشع عبارات التحريم والاستنكار، وكما يقول الشيخ المرحوم الشعراوي، إنه بعد هذه الأجواء المُكفهرة والوعيد والتهديد، جاءت الآية 277 على النقيض تماماً من سابقاتها، تلطفاً بالمؤمنين فجاء الخطاب بصيغة «إنّ الذين آمنوا» تقرير بأن المؤمنين عاملون للصالحات، وجاءت بصيغة «عملوا الصالحات» لتدل على العمومية وقابلية التطور والتوسع فيها على امتداد الزمن بحسب تطور الحياة بمختلف جوانبها، ولم يقل «وفعلوا الصالحات» لأن الفعل محدد، والعمل أشمل، لذا لم يسأل العرب الرسول الكريم عن الفعل المحدد الذي يقربهم إلى الله زُلفى، والإنفاق يقع تحت مظلة الأعمال الصالحة.

«وأقاموا الصلاة» وأميل بقوة للتميز بين إقامة الصلاة وأداء الصلاة، وهما متكاملان، فأداء الصلاة بشكلها الطقسي من موجبات الإيمان بالله، وإقامة الصلاة من خلال الصِلة التي تبقى قائمة بين العباد ما بين كل صلاة والصلاة التي تليها، فنخرج من الصلاة الشعائرية إلى صلاة أُخرى نتحسس فيها أحوال خلق الله، مرطبين خواطرهم بما آتنا الله.

«وآتوا الزكاة» تخصيص مقصود لذاته، فالزكاة داخلة ضمن الأعمال الصالحة، ولكن إفرادها من الأهمية بمكان حيث تسليط الضوء عليها كفرض من فروض الله، علاوة على أبواب البذل التي شرّعها الله سبحانه وتعالى لخدمة الإنسان، فرضاً كانت أول نافلة، حتى أن الحق سبحانه وتعالى واجهنا بحقيقة غيبية عظيمة الشأن والأثر، ففي الآية 10 من سورة المنافقين «وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول ربِّ لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصَّدَّق وأكن من الصالحين» ولفقيه اللغة الأُستاذ الدكتور فاضل السامرائي قول بليغ حيث يقول: في كلمة «فأصَّدَّق» فيها تضعيفين –شدّتين- بينما «أتصدَّق» فيها تضعيف واحد، والمبالغة تدل على التكثير، وهذا هو الأمل الذي يحدو من يحضره الموت وهو على قصور من أمر الصدقة، فيطلب من ربه التأخير ليبالغ في الصدقة، وفي وقت قريب، لأنّ الدلالات الزمنية التي تحملها كلمة «أتصدق» تشي بالفترة الطويلة، وذلك بخلاف «أصَّدَّق» التي توحي بالسرعة، فهكذا يكون طلب الإنسان السرعة والمبالغة والتكثير من الصدقة، أظن أنها آية مُحملة بدلالات وجدانية إنسانية قطعت جهيزة كل خطيب. فهلّا اتعظنا وأخرجنا أنفسنا من دائرة الحسرة التي تتضمنها الآية السابقة.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news