العدد : ١٥٤٤٦ - الثلاثاء ٠٧ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٦ ذو القعدة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٤٦ - الثلاثاء ٠٧ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٦ ذو القعدة ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

أي نظام عالمي بعد جائحة كورونا؟

بقلم: ميل جورتوف {

الجمعة ٢٩ مايو ٢٠٢٠ - 02:00

عقب سقوط جدار برلين، وما تبعه من نهاية للحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفيتي والتدخل العسكري الأمريكي في الخليج إثر هجوم صدام حسين على الكويت سنة 1991 أعلن الرئيس جورج بوش الابن عن ميلاد نظام عالمي جديد. 

دفع ذلك الكلام الذي لم يكن يخلو من صلف الامبراطورية بالأكاديمي فرانسيس فوكوياما إلى التنظير لما اعتبره «نهاية التاريخ». أما الصحفي اليميني المتعصب للمحافظين الجدد شارلز كراوثهامر فاتجه إلى الحديث عما أسماه «اللحظة الأحادية القطب». توافق كل هؤلاء الذين يؤمنون بالاستثناء الأمريكي على القول بأن الولايات المتحدة الأمريكية قد أصبحت، للمرة الأولى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية سنة 1945، تجمع ما بين القوة العسكرية والمثل والقيم الكونية التي تمكنها من السيطرة المطلقة على العالم وتطهيره من القوى غير الليبرالية، وفرض هيمنتها وتفوقها. لقد أدرك الجميع مدى خطورة تلك الأفكار والنظريات الاستشرافية بعد عشرة أعوام، أي عقب هجمات 11 سبتمبر 2001 بعشرة أعوام. 

لقد كثر الحديث هذه الأيام عن الشكل الذي سيكون عليه النظام العالمي الجديد. صحيح أن بعض التصورات تخلو من التشاؤم غير أن أغلبها تنطلق من الأحداث الراهنة، الناجمة عن تفشي جائحة كورونا وتستكشف المستقبل القريب الذي لن يخلو بحسب رأي البعض، من فوضى. 

ستكون الولايات المتحدة الأمريكية نقطة الانطلاق لأي حديث عن النظام العالمي المستقبلي، الذي قد يولد من رحم الأوضاع الراهنة. كانت الولايات المتحدة الأمريكية قوة عظمى منهكة، لكنها في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب ازدادت انسحابا من الساحة العالمية وتنصلا من القوانين والمؤسسات الدولية. 

فقد الاتحاد الأوروبي بريطانيا وهو سيسعى للتكيف مع فترة ما بعد البريكست وما بعد كوفيد-19 أيضا، فيما تواصل الصين صعودها في اتجاه الهيمنة على العالم. أما روسيا بقيادة الرئيس فلاديمير بوتين فهي ستظل تسعى لاستعادة قوتها التليدة التي كانت تمتاز بها في عهد القياصرة. 

سيخرج العالم الحالي مثخنا بجراح معركته الضارية ضد جائحة كورونا التي كشفت لنا تهافت العلاقات بين الدول، حيث تراجع التعاون وازداد التنافس من أجل الحصول على المعدات اللازمة للوقاية من الفيروس. 

قد يقول المتفائلون إن العالم سيعود إلى وضعه الطبيعي بعد انقشاع هذه الجائحة وأن التحديات ستتحول إلى فرص للقيادات الليبرالية في الولايات المتحدة الأمريكية وأن الشراكات وعلاقات التعاون الدولية ستنتعش وتستعيد عنفوانها من جديد، وأن مسألة التغيرات المناخية ستتصدر الأجندات السياسية من أجل الحفاظ على البيئة وتحسين جودة الهواء – كل ذلك بفضل جائحة كورونا. 

من المؤكد أن تعيد الدول والحكومات النظر في سياساتها وتضغط على نفقاتها وتعبئ مواردها من أجل استعادة زخم النمو الاقتصادي ومواجهة التحديات الناجمة عن أزمة تفاقم البطالة وحالات إفلاس الشركات والمؤسسات وتراجع الأنشطة التجارية وتضرر مختلف القطاعات. أما بقية القضايا الأخرى، مثل حماية البيئة وسيادة القانون والنهوض بحقوق الإنسان في العالم فهي ستوضع على الرف إلى حين.

ستتأجل النقاشات الدولية بشأن مسألتين حساستين تهددان العالم هما الأسلحة النووية والتغيرات المناخية. هذا يعني أن بعض الدول قد تتمكن من امتلاك الأسلحة النووية، كما أن العالم قد يفشل فشلا ذريعا حتى من الاقتراب من تحقيق الهدف الذي وضعته قمة باريس للمناخ والمتمثل في تقليص الاحتباس الحراري بنسبة درجتين مئويتين. 

قد يشهد عالم ما بعد كوفيد-19 تفاقم معضلة اللاجئين في مختلف مناطق الكرة الأرضية فيما سيزداد منسوب العنصرية وكراهية الأجانب والدعوات التي سترتفع أكثر من أي وقت مضى من أجل سد الحدود في وجه اللاجئين والمهاجرين لاعتبارات اقتصادية. ستزداد الأصوات التي تحمل المهاجرين والأقليات الدينية والإثنية المسؤولية عن حالة الانهيار والتفكك الاقتصادي وتفاقم مصاعب الأنظمة الصحية العامة. 

سيظل الخوف من تفشي الجوائح والكوارث الطبيعية الجديدة يؤثر إلى حد كبير في رسم سياسات الدول والحكومات ما بعد كوفيد-19، لكن بدرجات متفاوتة جدا. فالدول الفقيرة والفئات الاجتماعية الفقيرة هي التي ستظل تحمل العبء الأكبر. أما الدول الغنية، فإنها قد تفوت فرصة وضع إطار للتعاون من أجل مواجهة تفشي الأمراض والأوبئة والكوارث الطبيعية جماعيا، بقطع النظر عن الخطاب السياسي الذي سيصدر عن هذه الدول الغنية وهو يمتلئ بالنوايا الحسنة التي لا تتجسد على أرض الواقع. 

ستواصل الدول الغنية بطبيعة الحال الهيمنة على العلاقات الدولية غير أن سلم القوى قد يتغير. فالصين ستعزز موقفها في عالم ما بعد كورونا أكثر من أي بلد آخر، كما أنها ستستغل النظام العالمي الجديد، الذي سيولد من رحم كوفيد-19، من أجل تعزيز وتوسيع نطاق طموحاتها الخارجية. قد تزعم الصين أنها تطمح الى قيادة «عالم جديد أكثر انسجاما» فيما ستجد الولايات المتحدة الأمريكية نفسها تواجه مشاكل جسيمة تتعلق بنظامها السياسي الذي يعاني من الاستقطاب الحزبي الحاد وتفاقم البطالة والتوترات الاجتماعية والعرقية التي تتغذى من الأزمات.

من الواضح أنها كلما طالت أزمة كورونا تفاقمت الأضرار الاقتصادية وازدادت التحديات داخل البلدات واحتمالات حدوث فوضى في النظام العالمي وحتى انهياره، كما راح البعض يحذرون. ستواجه الحكومة في فترة ما بعد كوفيد-19 تحديات صعبة من أجل إنعاش الاقتصاد واستعادة زخم النمو وسط عالم تغيرت فيه معادلات كثيرة، فيما خرجت العلاقات الدولية مثخنة بالجراح جراء هذه الجائحة. 

كتب جيل ليبور، أستاذ التاريخ في جامعة هارفارد، مقالا في ذا نيويوركر يذكرنا فيه بالأزمة الحادة التي واجهتها الديمقراطية الليبرالية الغربية في فترة الثلاثينيات من القرن العشرين، حيث كان العالم يعيش على وقع آثار أزمة 1929 المالية والاقتصادية الخانقة. تساءل الكثير من المحللين السياسيين آنذاك عما إذا كان صعود الفاشية سيؤذن بنهاية الديمقراطية. أما الرئيس الأمريكي فرانكلين دي روزفلت، فقد أخذ بزمام القيادة وخطب يقول في حفل تنصيبه رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية «الشيء الوحيد الذي يخيفنا هو الخوف نفسه». 

ما الذي سيتطلبه الأمر من أجل إنقاذ الديمقراطية وتحقيق قدر من العدالة الاجتماعية وحماية البيئة في عالم ما بعد كوفيد -19؟

يتعين على الدول والحكومات الاهتمام بالبعد الاجتماعي وتنمية قيم العمل والتعاون والشراكة الاجتماعية وإضفاء مقاربة أمنية على السياسة الخارجية، لكن ما هي الحكومات التي ستقود البلدان في هذا الاتجاه، ومن هم الأفراد المؤثرين على الساحة العالمية والمؤسسات الدولية التي ستدعم مثل هذا التوجه بأفكار محفزة وملهمة. لقد فشل ما يسمى المجتمع الدولي في التوافق على حلول لمشكلة التغيرات المناخية. فمن أين سيأتي التفاؤل في عالم ما بعد كوفيد-19؟

‭{‬ أستاذ العلوم السياسية في جامعة بورتلاند الأمريكية

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news