العدد : ١٥٤٤٩ - الجمعة ١٠ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٩ ذو القعدة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٤٩ - الجمعة ١٠ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٩ ذو القعدة ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

كورونا والطريق إلى عالم الثراء (2)

بقلم: د. أسعد حمود السعدون {

الخميس ٢٨ مايو ٢٠٢٠ - 02:00

في ظل عالم ديناميكي سمته التغيير والتطور يمتلك فيه المبدعون القدرة على التكيف باستمرار مع مختلف التغيرات والاضطرابات التي تواجه المجتمع الإنساني, والبحث عن حلول مبتكرة للتعامل مع معطياتها ومواجهة تداعياتها, بينما تستغرق المجتمعات الراكدة وقتا طويلا للإفاقة من صدمات التغيير والاضطراب, لذا فإنها تفقد القدرة على المبادرة والإبداع ومواكبة المستجدات. وهذا ما يحصل اليوم مع الاضطراب الواسع الذي نجم عن جائحة كورونا, فقد استنهضت الجائحة في المجتمعات الديناميكية جميع المبدعين كل في مجاله وتخصصه للتصدي لآثارها السلبية وامتصاص فورتها والشروع في الهجوم على مكمن قوتها, وتحويلها من جائحة إلى منحة, وفرصة للإبداع والسير في طريق الثراء, فبالنسبة إلى العاملين والباحثين في الحقل الصحي مثلت الجائحة فرصة لإعادة تقييم النظم الصحية واكتشاف نقاط الخلل ومراكز القوة فيها, ومن ثم معالجة ضعفها وتعزيز مراكز القوة, وتوسيع مجالات البحث العلمي في المجال الصحي ليس لمواجهة فيروس كورونا فحسب, بل التحسب لمختلف الفيروسات والأوبئة والأمراض المستعصية وغيرها, فمثلا شارك نحو (40) دولة في مطلع شهر مايو 2020م في قمة على الإنترنت استضافها الاتحاد الأوروبي في جمع مبلغ (8) مليارات دولار أمريكي لغرض تفعيل البحوث العلمية في مجال تطوير لقاح ضد فيروس كورونا، وتمويل البحوث المتعلقة بتشخيص وعلاج المصابين. كما مثلت جائحة كورونا فرصة لانطلاق المبدعين بتخصصات الهندسة والفيزياء الطبية لتطوير الأجهزة والمعدات الطبية الضرورية للعلاج كأجهزة إنعاش القلب, واستخدام الروبوتات في الخدمات الصحية, وأتاحت المجال أمام نمو وزيادة أهمية تخصصات طبية جديدة, كتلك المتعلقة بكشف وتشخيص ومعالجة الفيروسات والأوبئة، كما أسهمت في إظهار العديد من البحوث والدراسات الطبية والصيدلانية والسريرية الحديثة التي تتناول جوانب مختلفة من فيروس كورونا.

ولم يقتصر تعاظم الثروة العلمية في المجال الصحي فحسب بل امتد إلى مجالات أخرى عديدة، أهمها القطاع الاقتصادي, فقد كان أكثر القطاعات تأثرا بتداعياتها ولا سيما تلك الناجمة عن الإغلاق الجزئي أو الكلي, والتباعد الاجتماعي, وانخفاض الطلب الكلي, والبطالة, وانخفاض أسعار النفط, مما قاد إلى ركود اقتصادي عالمي غير مسبوق, فتبارى المبدعون في اقتراح الوصفات والحزم المالية والاقتصادية للتخفيف من تداعياتها, وصاغ المفكرون الاقتصاديون سيناريوهات عديدة لما يمكن أن يحدث في المديين القصير والمتوسط, وقدموا توصيات لتعامل الحكومات مع أسوأ وأفضل الاحتمالات, ونشط آخرون في مجال المزيد من التسويق للتجارة الإلكترونية التي كانت البديل لإغلاق الاقتصاد وتوقف الإمداد والتجارة والشحن, وراهنوا على أهمية الخدمات اللوجستية الرقمية, والتكنولوجيا المالية, وتقنية المعلومات والاتصالات, بحيث حققت هذه القطاعات أرباحا طائلة في فترة قصيرة, وأصبحت مجالا رحبا للثراء والكسب السريع, فيما ذهب مجموعة من الاقتصاديين إلى مناقشة الفكر الاقتصادي لمرحلة ما بعد كورونا, وما البديل للنظرية النيوكلاسيكية المعاصرة؟ وهل ستنهار العولمة أم سيعاد صياغتها بشكل جديد؟ وغيرها من النقاشات التي أثرت الفكر الاقتصادي, والأمر نفسه في مجال علوم الإدارة والسياسة والقانون, والتربية, والبيئة, فكل في مجال تخصصه يحاول وضع سيناريوهات لمعالجة تداعيات الجائحة وتجاوز أخطارها وصياغة استراتيجيات جديدة لمواجهة الطوارئ وإدارة الأزمات, وعدّ الأوبئة والأمراض من أخطر أنواع الأزمات التي تواجه الإنسانية. ونجح المبدعون في مجال البرمجيات الإلكترونية, وبناء المنصات الخاصة بالتعليم عن بعد, والإدارة والعمل عن بعد, وتقديم الخدمات الصحية عن بُعد. فقد فتحت جائحة كورونا المجال واسعا لرواد الأعمال والباحثين عن الثراء للتكيف والابتكار وتعلم مهارات جديدة وفهم احتياجات العملاء, حيث تكاد تجزم العديد من الدراسات الحديثة أن أغلب الأعمال والاستراتيجيات والخدمات والعمليات الاقتصادية ستتعرض للتغيير في مرحلة ما بعد جائحة كورونا, حيث سيتم إعادة تعريف الأعمال وأنماطها ومتطلباتها، وكيفية الاستفادة من الشبكات والذكاء الاصطناعي والسحابة الإلكترونية والتحليل التنبئي, وسلاسل الإمداد الافتراضية وغيرها من التقنيات الرقمية, وهذه فرص للعمل والاستثمار وجمع الثروة. كما انبرى العديد من الباحثين المبدعين في المجال الشرعي ممن يمتلكون ثراء مميزا في تخصصاتهم وقدراتهم على المقاربة والاستنتاج والتعميم, وبهدف تفعيل القضايا الروحية والمعنوية لدى المسلمين وتعزيز ثروتهم الإيمانية وتحويلها إلى سلاح فاعل يقوي قدراتهم على الصمود والمواجهة لجائحة كورونا, عبر دراسة وتحليل الأبعاد الشرعية للجائحة وآثارها على التزامات وأخلاقيات المسلم, ومنهم من تطرق إلى بحث الأوبئة والتعامل معها في القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة, وسبل الوقاية منها, وآخرون بحثوا في الأحكام الفقهية المتعلقة بوباء كورونا في مجال العبادات (الطهارة، الصلاة، الزكاة، الصوم، الحج والعمرة، وغيرها), فيما بحث آخرون في مجال الأحكام الفقهية المتعلقة بوباء كورونا في المعاملات، (الإجارة، الوصية، الهبة، العقود والالتزامات, وغيرها), وبحث غيرهم في مجال آثار جائحة كورونا في الأحوال الشخصية (النكاح، الطلاق، النفقات). كما تناول باحثون آخرون في مجال العقيدة تحقيق التوحيد في زمن الأوبئة (التوكل، الصبر، الدعاء، الإيمان بالقدر). 

وعلى صعيد الإعلام بأنواعه ومجالاته المتعددة, أظهرت جائحة كورونا جيلا جديدا من الكتاب والمحللين والمتابعين لتداعيات الجائحة, وأظهرت مدربين وفرصا لتقديم دورات, واستشارات عبر شبكات الإنترنت, الأمر الذي فتح أبوابا جديدة لجمع الثروة والثراء حتى يمكن القول إن جائحة كورونا مثلما هي وباء وخطر غير مسبوق, فإنها طريق للثراء لم يكن مسبوقا من قبل.

‭{‬ أكاديمي وخبير اقتصادي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news