العدد : ١٥٤٤٦ - الثلاثاء ٠٧ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٦ ذو القعدة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٤٦ - الثلاثاء ٠٧ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٦ ذو القعدة ١٤٤١هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

سيروا تصِحّو

دعونا نتوجه اليوم إلى الموقع الإلكتروني لجامعة بتسبيرغ الأمريكية لنرى كيف أخضع الأطباء مئات الناس الذين تتفاوت أعمارهم ما بين 55 و85 سنة لاختبارات لفترات زمنية محددة، فكان نصفهم يكلفون بالسير على أقدامهم يوميا لمدد تتراوح ما بين 25 و40 دقيقة لثلاث مرات أسبوعيا، بينما كان أفراد النصف الآخر يقضون الوقت ممددين على الكنبات والأسِرّة، يتفرجون على المسلسلات التركية والمكسيكية (هذه شطحة جعفرية). كان كل ما هو مطلوب من الفئة الأخيرة هو الاسترخاء التام طوال نفس المدد التي كان فيها أفراد المجموعة الأولى يمارسون المشي، ثم تم إخضاع أفراد المجموعتين لفحص لحجم الدماغ واتضح ان الجزء الذي يخص الذاكرة في أمخاخ من مارسوا المشي كبر وتمدد بنسبة 2%، بينما انكمش ذلك الجزء في أمخاخ التنابلة جماعة المسلسلات التركية. يعني اتضح أن المشي ينعش الذاكرة بينما عدم المشي يؤدي إلى انكماش خلايا المخ التي تتولى تخزين المعلومات (الذاكرة)، وعلى ذمة أولئك العلماء - تنكمش الذاكرة بنسبة 1.4% سنويا بوجه عام بعد سن الخامسة والخمسين.

ورغم أنني لم أبلغ الـ55 بعد ولا أعتزم بلوغها في المستقبل القريب، لأنني مرتاح جدا في سن الـ49 الذي ظللت «رابطا ومرابطا» فيه منذ «أسابيع»، فإن النتيجة التي توصل اليها العلماء الأمريكان تعني أنني فقدت نحو 98.3% من ذاكرتي، لأنني متأكد من انني لم أقطع أكثر من تسعة كيلومترات سيرا على الأقدام طوال العشرين سنة الأخيرة، بل لا أعتقد أنني ومنذ ان أتيت إلى منطقة الخليج قبل أكثر من 30 سنة مشيت على قدمي أكثر من 8 كيلومترات، والجزء الأكبر من تلك الكيلومترات، قطعته في يوم واحد، وكان ذلك في مدينة أبو ظبي، عندما نظمت منظمة (اليونسيف) سباقا للجري في كورنيش المدينة عام 1985, وكان الآلاف يشاركون فيه، بشراء (تي شيرت) بمبلغ معين لاستخدام الأموال لإغاثة الطفولة في عدة أماكن في العالم، وارتديت التي شيرت واصطحبت ولدي وكان عمره وقتها نحو 8 سنوات، وكنت أعتزم السير لنصف المسافة بالخطوة المعتادة، كما الآلاف غيري، ولكن بعض الشباب العازمين على الفوز بالسباق شقوا صفوفنا مندفعين إلى الأمام فأفلت ولدي من يدي وجرى معهم... كان عدد المشاركين في السباق نحو عشرة آلاف شخص، ووجدت نفسي مضطرا للجري للحاق بولدي وسط غابة السيقان وأنا أصيح: يا...... وكلما اقتربت منه زاد من سرعته وهو يحسب انني «أسابقه»، ولحسن حظي وجدت شخصا يعرفني «حق المعرفة»، قبل أن أسلم الروح، وطلبت منه اعتقال الولد وتسليمه لي في نقطة معينة، وجلست على الرصيف، وقلبي يكاد يقفز من فمي.. وعدت به ولم أغادر البيت لأسبوع لأنني أصبت بالتهاب في الصدر والعين والحنجرة والكلى والكبد حتى الغدد الصماء عندي صارت «ناطقة وتصرخ».

والشاهد هو أن إيقاع وتخطيط الحياة في الخليج لا يسمح بالمشي، وشوارع مدن الخليج مخططة على أساس أن الجميع يستخدمون السيارات للتنقل، وبالتالي لا مجال لممارسة رياضة المشي إلا في مناطق مخصصة مثل الكورنيش على البحر، بينما الشوارع عندنا في السودان مخططة بحيث لا تصلح لا للسيارات ولا للبشر، ويفسر هذا لماذا ظل الإنسان العربي ضعيف الذاكرة، وبالتالي لماذا بقي القذافي في الحكم 42 سنة وعلي صالح 32 سنة وظل السوريون يعيشون في ظل قانون الطوارئ لأكثر من نصف قرن، ثم جاء في تلك البلدان ومصر وتونس، جيل جديد لم يجد فرص العمل فصار يمارس الرياضة الإجبارية بالتسكع في الأسواق، ولم تتعرض ذاكرته للانكماش فهب وثار فصاروا شعوبا من الثوار بينما أُريد لهم أن يكونوا من «الثيران».

على كل حال فإنني وكعميل للأمريكان في أمور الصحة والتكنولوجيا وبعد ان أحسست بعد الانحباس الإجباري في عصر الكورونا على لزوم البيت طوال الأشهر الثلاثة الماضية أخذت نتائج دراسة تلك الجامعة الأمريكية بجدية ونفضت الغبار عن جهاز السير الكهربائي (تريد ميل) الذي ظل يعلوه الصدأ في بيتي واستخدامه يوميا لنصف ساعة على الأقل وأحس سلفا انه حدث «أبغريد» لذاكرتي بدليل انني عرفت اننا ما زلنا في شهر مايو من عام 2020.

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news