العدد : ١٥٤٥٢ - الاثنين ١٣ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٢ ذو القعدة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٥٢ - الاثنين ١٣ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٢ ذو القعدة ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

هل الفرق بيننا وبينهم نقطة؟

بقلم: د. زكريا خنجي

الأحد ٢٤ مايو ٢٠٢٠ - 02:00

منذ فترة ليست بالقصيرة كان العرب من المحيط إلى الخليج يتداولون فقرة تستهزئ بالعرب عبر وسائل التواصل الحديثة، ولقد وردت إليّ تلك الفقرة من العديد من الإخوة في الوطن العربي، وهي بعنوان (الفرق بيننا وبينهم نقطة).

تقول الفقرة:

‭}‬  هم الغرب، ونحن العرب، والفرق بيننا نقطة.

‭}‬ هم يتفاهمون بالحوار ونحن بالخوار، والفرق بيننا نقطة.

‭}‬ هم يعيشون مع بعضهم بعضا في حالة من التحالف ونحن في تخالف، والفرق بيننا نقطة.

‭}‬ عندهم المواطن 100% مزبوط وعندنا 100% مربوط، والفرق بيننا نقطة.

‭}‬ عندهم المواطن وصل إلى الحصانة وعندنا مازال في الحضانة، والفرق بيننا نقطة.

‭}‬ المستقبل لأبنائهم غناء ولأبنائنا عناء، والفرق بيننا نقطة.

‭}‬ هم يصنعون الدبابة ونحن نخاف من الذبابة، والفرق بيننا نقطة.

‭}‬ هم يتفاخرون بالمعرفة ونحن نتفاخر بالمغرفة، والفرق بيننا نقطة.

‭}‬ هم يعتبرون أنفسهم شعب الله المختار، ونحن مازلنا شعب الله المحتار، والفرق بيننا نقطة.

وينتهي النص عند ذلك، ربما يزيد بعض العرب بعض الفقرات والجمل من هنا وهناك إلا أن النص العام عادة ما يكون بهذه الصورة، ولكن يبقى السؤال المهم: هل هذه حقيقة؟

في الحقيقة، ان هذا الكلام واقعي تمامًا ولا نختلف معه قيد أنملة، فالعرب يعيشون على هامش الحضارة الإنسانية الحديثة، فهم شعوب مستهلكة وتنتظر العطايا من الغرب والشرق، وربما هذا واضح جدًا في جائحة كورونا، فنحن لا نبحث عن علاج ولا نعرف نبحث عن علاج، فنحن بانتظار العلاج أن يأتينا من الشرق والغرب، وهذا واقع، للأسف.

وحتى عندما يطرح مفكرو العرب بعض الأفكار الإبداعية المستقبلية فلا ينظر إليهم ولا لأفكارهم أبدًا، لأن بعض السلطات  تحاول أن تقلل من شأن المفكرين، وعادة تنظر إليهم على أنهم مشاغبون وأنهم يحاولون أن يشوهوا كل العمل الجيد الذي تقوم به السلطات التنفيذية، ولكن عندما يأتي خبير من الشرق أو الغرب ويطرح نفس الفكرة أو حتى أقل منها، فإن الدنيا تقوم ولا تقعد لأن الخبير قال، لماذا؟

ولكن، اليوم يجب أن نعيد النظر في كل ذلك، فجائحة كورونا مستمرة لتكشف لنا الكثير من الحقائق، فالفرق بيننا وبينهم ليس نقطة وإنما حقيقة بل حقائق يجب أن نستوعبها جيدًا.

نعم، هناك فرق بيننا وبينهم، وهوة واسعة بيننا وبينهم وهي هوة التكنولوجيا فقط، وليس أكثر من ذلك، فهم أفضل من الناحية التقنية وهذه حقيقة لا ننكرها، ولكن الحقيقة الأخرى تقول إن الهوة الأخلاقية والإنسانية التي تفصل بيننا وبينهم كبيرة، فنحن -من ناحية المبدأ- المطلوب منا أن نتعامل مع بعضنا بعضا بأخلاقنا السمحة التي نزلت على سيد البشر صلى الله عليه وسلم، ولكننا على أرض الواقع لا نتعامل مع بعضنا بعضا بهذه النوعية السامية من الأخلاق، لأننا نكذب على بعضنا ونسرق ونعمل الكثير من المخالفات الأخلاقية والسلوكية من غير أن تهتز لنا فيها شعرة، إلا أن وجود مرجعية أخلاقية تقوّمنا أمر مطلوب على الأقل، فإنه بين فترة وأخرى يمكن أن يصحو فينا الوازع الأخلاقي، وفي المقابل فإن الغرب ليس لديه مرجعية أخلاقية وإنما أخلاقه تنبع من قيم المجتمع، فكلما تغير المجتمع تغيرت أخلاقه، فقد كانت العلاقات الجنسية تحدث أحيانا في الشوارع ذات يوم، ولم يتمكن أن يردعهم أحد لأنه اعتبر ذلك حرية شخصية، ولكن فيروسا صغيرا جدًا يسمى (الإيدز) هز المجتمع الغربي بكل كيانه حتى اضطر أن يرتدع بطريقة أو بأخرى، وبالأمس كانت العلاقات الشاذة محرمة حتى في الغرب، ولكن اليوم أصبحت الأفلام والمسلسلات الغربية تحث على هذه النوعية من العلاقات، فالمجتمع يعتبرها حرية شخصية؛ لذلك تُحمى من القانون، وهذا فرق بيننا وبينهم، وليست النقطة.

وأصبح هذا الفرق أكثر وضوحًا بين الغرب والعرب مع اجتياح فيروس كورونا (كوفيد-19) الكرة الأرضية، فهم يتعاملون مع شعوبهم وكأنهم قطيع من الحيوانات، لذلك بدأنا نسمع منذ أيام بمصطلح (مناعة القطيع)، ونحن حكوماتنا مازالت تصر على توصيات منظمة الصحة العالمية في (التباعد الاجتماعي)، فما الفرق بين هذا وذاك؟

ببساطة تقومُ سياسة (مناعة القطيع) على مبدأ السماح للناس بارتياد الأماكن العامة والتفاعل فيما بينهم، من دون إغلاق المحلات التجارية أو المتنزهات والشواطئ، أي أن السلطات تسمحُ بانتشار العدوى على نطاق معين، والهدف من هذه الاستراتيجية هو أن يصاب الناس ويتعافون حتى يكتسبوا مناعة ذاتية، على نحو تلقائي وقد يستغرق ذلك سنة أو أقل أو عشر سنوات أو أكثر فإن ذلك ليس مهمًا، وقد يموت العشرات أو الآلاف من البشر، فإن ذلك أيضًا ليس مهمًا، ولكن المهم أن البقية الباقية من البشر سيكتسبون المناعة المطلوبة آجلاً أو عاجلاً، عندئذ يمكن لمن نجا من المرض وأصبحت لديه مناعة أن يتعايش مع المرض والوباء بطريقة أو بأخرى. وللأسف، فإن الموضوع لا ينتهي عند هذا الحد وإنما بموازاة مع ذلك، تقوم السلطات باتخاذ إجراءات لحماية الفئات الأهم مثل الشخصيات المهمة والسياسيين وما شابه ذلك.

ولكن وفي المقابل، قال المدير التنفيذي لبرنامج الطوارئ الصحية لمنظمة الصحة العالمية، الدكتور مايك رايان، إن مفهوم مناعة القطيع «خطير»، وأوضح رايان، خلال مؤتمر صحفي: «هذه الفكرة القائلة ان البلدان التي كانت لديها إجراءات متساهلة ولم تفعل أي شيء ستصل فجأة بشكل سحري إلى بعض مناعة القطيع، وماذا إذا فقدنا عددا كبيرا من الناس ونحن نسير في هذا الطريق؟ هذا تصور خطير وخطير حقًا».

وأضاف رايان: إن مصطلح (مناعة القطيع) مأخوذ من علم الأوبئة البيطرية، حيث «يهتم الناس بالصحة العامة للقطيع، ولا يهم الحيوانات الفردية هذا المعنى، البشر ليسوا قطعانا». وقال رايان: إن العالم بحاجة إلى توخي الحذر عند استخدام المصطلح، لأنه «يمكن أن يؤدي إلى عملية حسابية وحشية للغاية لا تضع الناس والحياة والمعاناة في مركز تلك المعادلة».

وفكرة أو بالأحرى فلسفة مناعة القطيع، يمكن أن تُعد جزءا أصيلا من الفكر الغربي، ولقد جسده الكاتب (داون براون) في روايته (الجحيم Inferno) وكذلك العديد من الروايات والأفلام الهوليودية التي تركز على أنه يجب نشر وباء بين البشر، أو القضاء على جزء من البشر حتى تعيش البقية الباقية في خير وعافية، والسبب كما تسرد تلك الروايات أن عدد البشر يتضاعف بصورة هندسية يصعب التحكم فيها، بمعنى أن هذا العدد من البشر سيقضي على جميع الموارد الموجود على الكرة الأرضية خلال سنوات قليلة، فلن يبقى من الموارد الطبيعية شيء، لذلك سيموت الناس جوعًا أو عطشًا أو بردًا ذات يوم، لذلك تتساءل الفلسفة الغربية أنه أليس من الأفضل أن ندع جزءا من البشر يموت –بأيدي بشرية متحكمة قادرة– بدلاً من موتهم بصورة عشوائية، وعندما يتم القضاء على جزء من البشر بطريقة منظمة ومتحكم فيها، يمكننا أن نتحكم في الموارد المتبقية بصورة أفضل؟

بالإضافة إلى ذلك، فإن الفكر الغربي يسيطر عليه فلسفة إن الإنسان آثم منذ لحظة ميلاده، فهو يحمل إثم قابيل بن آدم الذي قتل أخاه هابيل، لذلك فإن البشر كلهم آثمون وينبغي أن يُقتلوا لأنهم مجرمون ويحملون ذنب جدهم الأكبر قابيل، وأن موت سيدنا عيسى عليه السلام نوع من أنواع التكفير عن ذنوب البشر لتلك الجريمة البشعة.

وعلى هذا الإساس يتعامل الغرب مع كل الأمراض والأوبئة، وكذلك البشر على الرغم من كل تلك البهرجة وكل المكياج وكل تلك الألوان، وهذه حقيقة، لذلك نجد أن الدولة أو الجهات الرسمية لا تجد نفسها أنها مسؤولة عن الإنسان المحتاج أيًا كان احتياجه، فلا يوجد في تلك الدول التعليم أو الصحة أو أي شيء مجاني، فهو إن لم يؤمّن على حياته أثناء شبابه وعمله، فإنه لا يجد له التقاعد الذي يكرمه بقية حياته وفي شيخوخته، وإن لم يوفر لنفسه التأمين الصحي فهو لا يعالج في أي مستشفى مهما كانت حالته المرضية، وهكذا في جميع مرافق الحياة، وفي السنوات الأخيرة بدأ يتردد عندهم مصطلح (الموت الرحيم) الذي يطلق عندما يريد أهل المريض الذي لا يؤمل شفاؤه أن يقوم الأطباء بالقضاء على المريض وإزالة الآليات التي تمنح المريض حق الحياة، فتزال أجهزة التنفس والتغذية ويترك المريض للموت على اعتبار أن هذا هو (الموت الرحيم)، وإن ذلك أفضل له ولأهله، ثم يأتي من العرب من يقول إن الفرق بيننا وبينهم مجرد (نقطة)، عجبي.

أما في الجانب العربي، والذي لا يختلف عن الغربي إلا بنقطة، فقد اتخذت الحيطة الشديدة وأخذ بمنهجية (التباعد المجتمعي) على أساس أنه من حق كل إنسان أن يعيش بطريقة أو بأخرى، فالجميع يتباعد، والجميع يجلس في بيته، وستتكفل الدول –بطريقة أو بأخرى– بتكاليف العلاج أو بتعويض بعض الخسائر، وذلك من أجل المحافظة على الإنسان وذلك من منطلق قوله تعالى في سورة فاطر – الآية 18 «وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى»، فلا يحمل أحد وزر وخطأ أحد، مهما كان هذا الأحد الذي نتحدث عنه، لا ابن سيدنا آدم أو غيره، فالجميع يحاسب على عمله هو، فإذا أحسن فإن هذا الإحسان سيعود عليه هو وإن أخطأ فهو كذلك.

وللجميع حق الحياة، والطريق ما زال طويلا، وهذا ما صرح به مدير المنظمة تيدروس أدهانوم جيبريسوس في مؤتمر صحفي، حيث قال: «مازال أمامنا طريق طويل كي نقطعه مع تفشي هذا الوباء، نحن قلقون للغاية بشأن ارتفاع عدد الحالات في البلدان ذات الدخول المنخفضة والمتوسطة».

ولسنا نتحدث هنا فقط حول انتشار الجائحة، وإنما مازلنا نتحدث عن تلك النقطة التي تفرق العرب عن الغرب، ففي الحقيقة تظل تلك النقطة موجودة، ومازالوا هم الأفضل من الناحية المادية والتقنية وهذا حق لا يمكن إنكاره، ولكن نحن أفضل في الكثير من الجوانب الإنسانية والأخلاقية، فمن يختلف معي يمكنه العودة وقراءة الغرب والعرب بعين منصفة.

ولكن حتى نكون مختلفين بحق، فإننا من خلال هذا المقال نوجه إلى العرب كلمة، أيها السادة، يا أصحاب السلطة والقوة والمال، إن لم نكن نستطيع أن نتصدر في مجال التقنية الحديثة والحضارة المادية، فعلى الأقل حافظوا على أخلاقياتكم وإنسانيتكم، على الأقل في التعامل فيما بينكم وبين الناس، حطموا البروج العاجية، انزلوا وتعايشوا مع الناس البسطاء، فقد وجدتم أن فيروسا صغيرا جدًا هدد حياتكم وأموالكم، فمصير الإنسان -حتمًا- الموت، عند ذلك لن تكون النقطة هي الفرق الذي بيننا وبينهم، عندئذ ستنام أيها الإنسان في حفرة طولها حوالي متر وعرضها أقدام، وعمقها متر، وستظل هناك إلى أن يشاء الله.

وكلنا لنا عيون يمكنها أن تقرأ، وعقول يمكن أن تفكر. 

Zkhunji@hotmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news