العدد : ١٥٤٥٢ - الاثنين ١٣ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٢ ذو القعدة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٥٢ - الاثنين ١٣ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٢ ذو القعدة ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

لكم دينكم.. ولنا الدين!

بقلم: عبدالرحمن علي البنفلاح

الأحد ٢٤ مايو ٢٠٢٠ - 02:00

للإلحاد حالات ثلاث، الأولى: هي إلحاد الذات، وهي الحالة التي نصفها تجاوزاً بأنها حالة بسيطة، وذلك حين يقتصر شرها وضررها على ذات الملحد، والثانية: إلحاد الآخر حين يتحول الملحد إلى داعية، يدعو غيره إلى الإلحاد، وأما الثالثة، فهي إلحاد المواجهة، وهي أشدها شراً، وأبعدها أثراً، وهي عندما يحمل الملحد سلاحه لمحاربة الدِّين، والإسلام على وجه الخصوص هو دين الحق كما قال الله تعالى:«هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون». (التوبة/33).

إذاً، فلو اكتفى الملحد بإلحاد الذات، وأغلق على نفسه بابه، ولم يخالط أحداً من الناس لينقل إليهم عدوى إلحاده لما تعرض له أحد، وتركوه وشأنه حتى يهديه الله تعالى إلى صراطه المستقيم، إنما حين يتحول هذا الملحد إلى الآخر، ويبذل من الجهد والوقت والمال ما ينفقها على دعوة الآخر إلى الإلحاد، ولا يكتفي بهذا، بل يتبرع من ذات نفسه لمحاربة الدين، واتهامه بشتى الاتهامات لصرف الناس عنه، وتشكيكهم في حقائقه ومسلماته عندها تصبح مواجهته، والحد من خطره فريضة شرعية يؤجر من قام بها، ويأثم ويعاقب من فرط فيها.

لن نحاكم الملحد إلى الدِّين، وأدلته الدامغة، وبراهينه الساطعة، فهو لا يعترف به، ولكننا سوف نحاكمه إلى العقل الذي يؤمن به ونؤمن به، فهو الكلمة السواء بيننا وبينه، والعقل هو القدر المشترك بيننا وبين الملحدين، والإسلام أقر للعقل بالمصداقية، وقبل حكمه، وللخصوم أن يدَّعُوا ما شاؤوا من الدعاوى، ولهم أن يزعموا ما أرادوا أن يزعموا، ولكن الفصل الحق بين ما يدعون والواقع الذي يعيشونه هو العقل، قال تعالى: «وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين». (البقرة/111).

وقال تعالى وهو يرد على مزاعم الكفار الذين اتخذوا من دون الله آلهة: 

«أم اتخذوا من دونه آلهة قل هاتوا برهانكم هذا ذكر من معي وذكر من قبلي بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون». (الأنبياء/24).

وتتوالى الآيات التي تطلب من خصوم الحق البراهين العقلية على صدق ما يدعون، والإسلام لا يحملهم بالإكراه على قبول الحق، ولا يصادر حريتهم في الاختيار، بل إن الإسلام منذ بزوغ فجره الصادق أقر لهم ابتداء بحقهم في حرية الاختيار لما يعتقدون قال سبحانه: «وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر…». (الكهف/29)، وقال سبحانه: «لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم».(البقرة/256).

لماذا إذاً «لا إكراه في الِّدين..»؛ لأنه «قد تبين الرشد من الغي».

بل هناك ما هو أوضح وأبين وأجلى لحرية الإرادة في حق الاختيار للعقيدة التي يؤمن بها الإنسان، وذلك في قوله سبحانه: «قل يا أيها الكافرون (1) لا أعبد ما تعبدون (2) ولا أنتم عابدون ما أعبد(3) ولا أنا عابد ما عبدتم (4) ولا أنتم عابدون ما أعبد(5) لكم دينكم ولِيَ دين(6)» (سورة الكافرون).

لا يوجد على وجه البسيطة، عقيدة من العقائد أياً كان نصيبها من الحق والاستقامة أعطت الإنسان حرية الاعتقاد والعبادة كما فعل الإسلام العظيم، بل إن الإسلام ربط المحاسبة والمجازاة على الطاعة والمعصية بالعلم وبلوغ الحجة، قال تعالى: «من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضلَّ فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا». (الإسراء/15).

وها هي السنة المشرفة تؤكد هذه المعاني الجليلة التي ذكرها القرآن الكريم، وجعل تفصيلها وبيانها لرسول الله (صلى الله عليه وسلم)، قال صلوات ربي وسلامه عليه: «ما آمن بي من بات شبعاناً وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم» رواه أنس بن مالك، وإسناده حسن.

من هنا جاء حرص جبريل (عليه السلام) في المبالغة حين أوصى بالجار حتى ظن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنه سيورثه، أي يجعله من أصحاب الفرائض، قال صلى الله عليه وسلم: «مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه يورثه» البخاري.

إذاً، فقضيتنا ليست مع الملحد العادي الذي أغلق عليه بابه، واكتفى من الإلحاد بإنكار وجود الخالق مع أنها من الكبائر، ولكن قضيتنا مع الملحد الآخر الذي يتجاوز إلحاد الذات إلى إلحاد الآخر حين يتحول الملحد إلى داعية، ومع الحالة الثالثة وهي إلحاد المواجهة حين يتحول الملحد مباشرة بعد إلحاده إلى معادٍ للدَّين، مسفه لأحلام المتدينين، ويطارد الدين والمتدينين في مظان وجودهم ليشككهم في إسلامهم، ويروج الأكاذيب عن الإسلام، حين يحاول الملحد بشتى الطرق والأساليب أن ينشر إلحاده، ويتحول إلى داعية إلى الإلحاد، ثم يحمل أسلحته المدمرة ليحارب الدين، فإننا عندها نقف له بالمرصاد، ونكشف بطلان دعواه بالنقل وبالعقل، وقد علمنا أن الإسلام ابتداءً لم ينكر على الإنسان حقه في حرية العقيدة التي يؤمن بها، ويعتقدها، ولقد ذكرنا ذلك في الآيات الكريمة في بداية المقال، ووجدنا كيف أن الإسلام احتفى بالعقل وأحله المكانة التي يستحقها وتحاكم إلى أدلته وبراهينه، والعقل كما نعلم هو القاسم المشترك بين المؤمنين وغير المؤمنين، فإذا لم يقبلوا بالعقل أيضاً، فلم يبق إلا أن ندعهم وشأنهم شريطة أن يكفوا شرهم عن الإسلام والمسلمين. وقد توصل كثير من علماء الغرب ومفكروه إلى الحقائق التي دعا إليها الإسلام، وتجلت في عقائده وشرائعه، فألف جماعة من العلماء الغربيين كتابا بعنوان: «الله يتجلى في عصر العلم»، وردَّ أحد علماء الغرب المؤمنين على عالم ملحد وضع كتاباً بعنوان: (الإنسان يستطيع أن يقف وحده) «the man can stand alone»، فكان رد العالم المؤمن بكتاب بعنوان: «العلم يدعو إلى الإيمان» لمؤلفه: موريس كريسون.

إذاً، فالعلماء العاقلون الذين يحترمون عقولهم، ويعرفون لها قدرها توصلوا بعد بحث طويل ومحايد إلى الحقائق التي دعا إليها الإسلام في كتابه المعجز: القرآن الكريم.

إذاً، فالله تعالى يتجلى في عصر العلم ولا يختفي، وذلك من خلال اكتشاف سننه في الكون وفي الآفاق والأنفس، وأن العلم بقوانينه وحقائقه الثابتة يدعو إلى الإيمان. ويبقى سؤال نوجهه إلى الملحدين في أصنافهم الثلاثة: إذا كنتم لستم من أهل الدين والوحي، فهل أنتم من أهل العقل أم أنتم من أهل العلم، ولقد عرضنا عليكم أحوال هؤلاء، ويكفي أن نقول لكم: لكم دينكم.. ولنا الدِّين !!

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news