العدد : ١٥٤١٦ - الأحد ٠٧ يونيو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٥ شوّال ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤١٦ - الأحد ٠٧ يونيو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٥ شوّال ١٤٤١هـ

الثقافي

عنكبوت القائد طوق بطله

السبت ٢٣ مايو ٢٠٢٠ - 10:15

منذ ستينيات القرن الماضي، وعبدالحميد القائد ينحت نصه الشعري والسردي، ففي الوقت الذي كتب في تلك الفترة شعرًا كتب أيضًا نصًا قصصيًا، وإن لم يأخذه هذا النص إلى فضاء الكتابة السردية آنذاك، غير أن رغبة التجريب والدخول في عوالم كتابية أخرى حفزته إلى خوض تجربة هذا النوع من الكتابة، وخاصة أن الكاتب نفسه لديه من المخزون الثقافي والأدبي عبر القراءة والاطلاع والتواصل ما يجعله قادرًا على الكتابة السردية الروائية تحديدًا، وهذا ما نتج عنه في سنوات قلائل إصدار عملين روائيين، جاء الأول بعنوان: (وللعشق رماد) في عام 2016، والثاني بعنوان: (طريق العنكبوت) في عام 2019.

ونحن في هذا المقال نقف عند الرواية الثانية، طريق العنكبوت الصادرة عن هيئة البحرين للثقافة والآثار بالتعاون مع المؤسسة العربية للدراسات والنشر، هذه الرواية التي شيدها في قالب يختلف عما كان في الرواية الأولى وإن كان الهم الوطني والعروبي عامة والفلسطيني بشكل خاص هو طابع العمل، إذ بنى شخصية خليل صاحب الفكر الواعي المحب لفلسطين الأرض المغتصبة، ليأخذه هذا الحب العروبي عامة إلى دهاليز كثيرة ومعقدة، بل ومضطربة أحيانًا، حيث وظف الروائي بعض ملامح الفنتازيا والغرائبية في عدد من المواقف السردية، تلك التي أخذته من منزله متجهًا إلى منزل عمته بعدما وصله صندوقه الذي خزن فيه العديد من الملفات والأوراق والكتابات، ومن خلال حضوره إلى البيت والدخول إلى الشقة الثانية بدأت الأحداث المتداخلة على بعضها بعضا تثير انتباهه واهتمامه، بدءًا من المرأة (سلاف) التي رآها، والخاتم الذي لقيه، وفيه قدرة اشعاع يرتبط بخاتم سلاف، هكذا كان يرى خليل وتيقن ذلك من خلال قوة الاشعاع والضوء، وضعفه حينما ذهب إلى المطار، وحينما كان في الأردن.

انشغل خليل بالخاتم والمرأة أكثر من انشغاله بالصندوق وكتاباته، وخاصة بعدما قرأ النص وما كتبه في بعض الأوراق أيام الشباب وممارسة الكتابة الأولى، وهذا التفكير الذي تحول إلى البحث عن معارف ومكامن المرأة (سلاف)، والغموض الذي لف وجودها في الشقة وذهابها إلى المطار ثم البحث عنها في الأردن حين حزم أمره وسافر إلى عمان ليجلس قرابة الشهر، متنقلا بين الشوارع والأزقة والحارات والمقاهي، وبين الحين والآخر ينظر إلى الخاتم ومدى الإشعاع الذي يصدره، ولكن بفنية سردية استطاع الكاتب أن يجعل حضوره في إحدى المقاهي مدخلاً لتحقيق الهدف، فبعد تعرفه على أحد المترددين على المقهى، وتعريفه بالشاعر الفنان التشكيلي محمد أو كرّار وصل إلى سلاف أخت هذا الشاعر، إذ ينهي الكاتب علاقة خليل بالشاعر من دون أن يقولها صراحة، إذ بعدما وصل خليل إلى سلاف المتنقلة بين فلسطين والأردن، لم تعد هناك أحداث بين خليل ومحمد، ولا أي شخص آخر.

ولكن رياح الأحداث جاءت في غير رضا لدى خليل، بعدما اتفق عم سلاف على التواصل والمراسلات، فقبل عودته إلى وطنه حرر سلاف من قبضة صاحب العمارة العجوز الذي أراد اغتصاب سلاف، وبالاتفاق على الصداقة بينهما، رجع خليل إلى حبيبته التي كانت تخبره بين الحين والآخر عن بعض معاناتها ومعاملة الناس لها حتى ابن أخيها أو الذي أدعى أنه ابن أخيها، غير أن مع وصوله إلى الأردن ودخوله غرفته بالفندق جاءه الاتصال الذي غير مسار هذه الرحلة، ولم يستطع اللقاء بسلاف التي ضربت معه موعدًا، لأن عند خروجه من الفندق كان بانتظاره سيارة أخذته إلى مكان آخر ليشبعوه ضربًا وركلاً وتعذيبًا طالبين منه أن ينهي علاقته بسلاف ويعود إلى وطنه، وهذا ما حصل، ولكن يعود مرة أخرى إلى الأردن بعدما فقد التواصل مع سلاف ولم يعرف عنها ولا أخبارها، لتبدأ مأساة أخرى لخليل.

يسافر خليل إلى الأردن عندما وصلته رسالة من سلاف، ليفاجئه أحد الضباط بسؤال غير متوقع، (كثرت زياراتك للأردن، هل لديك عمل ما أو ماذا) وكأن هذه رسالة أخرى توجه إلى خليل بعد ما طلب منه العودة، لكن في هذه المرة يؤخذ في باص صغير من الأردن إلى فلسطين، وهناك يدخل في زنزانة يعذب فيها كل يوم بسبب حبه لفلسطين والدفاع عنها في كتاباته، هكذا يستمر وجوده في زنزانته الانفرادية حتى تأتي له راشيل ضابط المخابرات الإسرائيلية، وعلى الرغم من عدم التوافق بينهما فإنها استطاعت أن تبني معه علاقة جسدية، وينتهي به الأمر إلى نسج علاقة مع تدمر الصحفية السورية المعتقلة في سجون إسرائيل أيضًا، لكن الاثنين يخرجان من المعتقل بواسطة راشيل، بعد تبادل الأسرى، ليحط رحاله في بيروت بضعة أيام ويلتقي براشيل التي عرفت نفسها أنها لبنانية وإسرائيلية، وكأنها تعمل عملاً مزدوجًا، ثم يعرف أن سلاف قتلت في إسرائيل بواسطة أحد الجنود المتيمين براشيل. 

وفي الوقت الذي لم يستطع الكاتب الخروج من عالم الشعر، حيث المقاطع الشعرية تأتي في بداية كل فصل أو قسم من الفصل، فإن أيضًا حاول الخروج من فضاء الرواية الأولى ليدخل في عالم آخر من الكتابة السردية التي تتكئ بعض الشيء على الغرائبية، تلك التي أبرزها الكاتب في سلاف حينما كانت في غرفة بإحدى شقتي عمته، وذلك الخاتم، وهنا ملمح الفنتازيا لأن سلاف لم تأت إلى أي دولة خليجية، وإنما جعلها الكاتب تكون في بلده وفي الشقة ضمن التخيل والفنتازيا التي جاءت بروحها وليس بجسدها الذي تخيله الكاتب، وخاصة أن سلاف في هذه الفترة كانت في غيبوبة عدة أشهر، كذلك وصل إلى أن سلاف قتلت من خلال الشيخ في نابلس المعروف بتفسير الأحلام وعمل السحر، وهذا ما تأكد حينما أعلم راشيل بمعرفته عن مقتل حبيبته سلاف التي كانت مدمرة نفسيًا وعاطفيًا وجسديًا واقتصاديًا. وبدخول عبدالحميد القائد ساحة الغرائبية في الكتابة الروائية فعليه الاستمرار، ولكن أكثر عمقًا وغموضًا وطرحًا، وأعتقد أنه قادر على ذلك. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news