العدد : ١٥٥٨٧ - الأربعاء ٢٥ نوفمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١٠ ربيع الآخر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٨٧ - الأربعاء ٢٥ نوفمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١٠ ربيع الآخر ١٤٤٢هـ

الثقافي

سياق الغفلة.. جدل الوباء

محمد عطية محمود.

السبت ٢٣ مايو ٢٠٢٠ - 10:12

بفعل الجائحة.. ربما أفاق الإنسان من غفلته، ليدخل في غمار غفلة جديدة يغلفها الوعي الحاد المزعوم بقدرته على استيعاب الأمور والإمساك بزمامها في مفارقة عجيبة من مفارقات وجوده وزعمه بالقدرة على السيطرة والهيمنة وهو يرتعش من داخله، حينما يجد أن كل شيء قد تغير واكتسى بلباس الرعب والتحسب في ظل تلك اليقظة المتوهمة. 

لا يملك القوي إلا أن ينظر حوله بعين المستبصر «المتوهم»، فيما يجول الضعيف في الطرقات بأقدام التائه الذي لا يملك زمام فكر أو تساؤلا قد يفضي به إلى بعض الحقائق وإعادة ترتيب الذات، بحثا عن ملجأ أو ملهاة، أو مهرب من محبسه الذي فرض عليه.

كلاهما مرتهن بداخل هش مريض تكشف عنه بجلاء تلك الجائحة التي ربما مر مثلها آلاف وآلاف لم تكن تكتسب سمة العلانية وهذا الكشف الفاجر عن قدرات مهلكة ربما سلطها علينا آخرون منا صراعا على مقدرات الكسب والبقاء، ولو على حساب المرعوبين والمزلزلين والموتى من هذا الطرف أو الآخر.

ربما كان ذلك من تداعيات المشهد الذي ندور في فلكه، كي نخترع الأسئلة، ونتوهم الإجابات التي لا تنبئ أبدا بالحقيقة، تلك التي تتوارى خلف ألف باب وسبب للهروب والانزياح في اتجاه التضليل، فمن كان مصرا على خطئه، لا يزال أيضا على تلك الحال من العجرفة والتعالي وإشعال الغموض في كل ما يتناثر حوله، ويبدو كأنه الاعتراف أو ما قد تضطره إليه الظروف والنوازل التي لا تفرق بين قوي وضعيف إلا من خلال ردود أفعاله الطائشة أو ما يقنع الغير أنها ثابتة ومقيمة على أرض التفكر الصلبة. 

حيث يتساوى في داخل هذا وذاك كل مشاعر الخوف والاضطراب والرعب من المصير.. فمن يملك الآن براءة الاعتراف؟ وهو مازال في غفلته يبحث عن أسباب متوهمة لما هو عليه وما لن يتغير من قبل ومن بعد الجائحة.. تلك الشرارة التي ربما جاءت لتفصل فيما بين ضلال وضلال.. وما الذي يأتي به الاعتراف غير تلك النزعة التطهرية في ظاهرها، الانتقامية في باطنها من الآخرين ومن الظرف الاستثنائي الاضطراري الذي يلعب دورا تاريخيا حاسما على مستوى الأرقام والإحصائيات والتكهنات، وهو في ذات الوقت كرة اللهب التي يركلها أحد المتنافسين، فيردها إليه الآخر كالهجمة المرتدة المزعجة، والمتفرجون تنالهم شظاياها التي يحترقون بها كل على قدر ما يأتيه منها!! 

الإنسان المتغطرس المتظاهر بالاعتراف في ظل غفوته لا يفوته أن يعدد محاسنه وكراماته وهو الماضي في غيه لا يتمسك بالدعائم فيما يعلل هربه من مواجهة العالم، في مقابل مواجهته الجائحة، بأنه لم يكن على المستوى الذي يؤهله لأن يكون إنسانا، فلا يراعي وجود الآخرين من حوله، ولا أمنهم وسلامتهم، طالما هو يطلق نفاياته وسهامه الطائشة -في تواز مع كرة اللهب التي يلعب بها الكبار- ليأتي وقت الجائحة ليستسلم لاعترافه أنه مارس لعبة التخفي والهروب لأنه كان يشعر في قرارة نفسه بالخطأ.

 فأي غفلة تلك التي تتكرر وتستمر في هذه اللعبة النفسية التي يمارس هذا الإنسان على ذاته قبل أن يمارسها على الآخرين.. طرقاتنا مليئة بتلك النماذج الشائهة، لما كشفت به هذه الجائحة أيضا جدل المتمترسين خلف أفكارهم ينخرون جدار العزلة بأفكارهم وأسئلتهم الطموحة أملا في هروب لا يشجع إلا أسئلة الذات، لا أسئلة الوجود الحقيقية، لا جلدا للذات ولا تلذذا بإيلامها، ولكن هناك الكثير من الأسئلة التي تتدافع كي ينتظم بها الوجود، لا بد أن تنطلق من الذات حيث التأمل والتفكر والتدبر ومحاولة استيعاب المشهد لا التلذذ بادعاء سبل المعرفة والكهانة من أجل شرنقة قد تحترق خيوطها بفعل الانحباس ولا تصلح كي تكون عقال بعير.

لكن ما يقر في الذهن أنها غفلة أشد إيلاما من تلك الغفلة التي سبقتها، تؤسس لغفلة أشد وأكثر إطباقا على رقبة ذاك الكائن المغرور الذي كشفه وطحنه وباء إن لم يكن على المستوى المادي، فعلى المستوى النفسي والذهني اللعين.

Mohammadattia68@gmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news