العدد : ١٥٤٠٩ - الأحد ٣١ مايو ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٨ شوّال ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٠٩ - الأحد ٣١ مايو ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٨ شوّال ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

الواقع العربي بين دروس التاريخ ومشكلات الحاضر

بقلم: حيدر زكي عبدالكريم

السبت ٢٣ مايو ٢٠٢٠ - 02:00

إن وسائل الإعلام، سواء كانت مرئية أو مسموعة أو مقروءة أصبحت إحدى الضروريات التي يحتاج إليها الإنسان في حياته اليومية، وتنعكس هذه الوسائل على سلوك الفرد والجماعة، سواء باتخاذ موقف من الاحداث التي تجري حوله، او فيما يتعلق بالتعاطف والتضامن مع الجهة او الجهات التي يمكن ان ينتمي اليها، كما ان هذه الوسائل تشغل حيزا كبيرا من الوقت الذي يخصصه الانسان في منهج حياته، فانتظار نشرات الاخبار في اوقاتها المعروفة، او مشاهدة لعبة في إحدى المباريات الرياضية، او متابعة برنامج ما، او انتظار التعليق على أحد الاكتشافات او الصراعات، كل هذا اخذ يشكل عاملا مهما واساسيا في حياة الفرد اليومية، ويعتمد كثير من الناس في اوروبا وامريكا على ارتداء الملابس واستخدام المظلات الواقية بناء على ما تقوله نشرات الأحوال الجوية التي تذيعها محطات الاذاعة والتلفزيون، او التي تنشرها الصحف. من هنا فقد اصبح من الثابت ان ثلث حياة الانسان قد ارتبط ارتباطاً وثيقاً ومصيرياً بوسائل الاعلام. مقتبس من (مجلة البحوث – يصدرها المركز العربي لبحوث المستمعين والمشاهدين في اتحاد إذاعات الدول العربية، العدد الخامس والعشرون، (أبريل) 1989، ص80). 

ما أريد ذكرهُ أن هناك قاعد أصولية تقول: «رأيي صَوابٌ يَحتَمِلُ الخَطأ، ورأيُ غَيري خَطأ يَحتَمِلُ الصَّوابَ». ما نشهده من ردود افعال على بعض القنوات الفضائية تصاحبها شعارات فيها معارضة للآخر ولا تخلو من حالة من النزعات الطائفية، والتي مرت علينا في السنوات السابقة، يرى احد المغتربين السياسيين المتخصصين في التاريخ العراقي المعاصر ما يأتي: « الطائفي المريض نفسيا، ممتلئ بالأوهام والخرافات، والقوة هي لعبته المفضلة، ويعوزه المنطق والحجة التاريخية فيسعى لتصحيح المعادلة بالقتل وإشاعة الإرهاب»، وهذا ينطبق على عراق ما بعد الاحتلال، ومحاولة تفكيك الدولة التي تفككت فعلاً بعد ذلك التاريخ، حتى جاء الاعتراف من قيادة امريكا (مِنْ فَمِكَ أَدِينُكَ) بأن «أمريكا ارتكبت اكبر خطأ تاريخي في تاريخها السياسي عندما احتلت العراق». اذن العملية كانت تصفية حساب دفع ثمنه العراق وشعبه ومازال.

وعلى صعيد متصل بـ(الدراما) وما تنتجهُ المؤسسات والافراد من برامج مؤخرا، قد تختلف بضوابطها المهنية نسبياً وما تُقدمه للمتلقي او المشاهد عموماً وفق بيئة (زمكانية) مُعينة وما يُنجز منها حاضرا فهو انعكاس للواقع السائد في فترة ما، وقد لا يؤدي المهام المطلوبة ويتعارض مع الذوق العام لسبب من هنا وهناك، لكن الاعتراض المطلق وفق النظرة ذات السمات (الثيوقراطية) مُنطلقة من أخطاء او هفوات ممكن أن تحدث في هذا العمل أو ذاك. 

أما كونّ هذه الدراما او البرامج تروّج للتطبيع، فنحن نرفض التطبيع على حساب الشعب الفلسطيني الذي عانى ما عانى، وما نشهده من محاولات إسرائيلية لضم الجولان العربي والضفة الغربية لا يمكن ان يكون أمرا واقعاً بأيّ حال من الأحوال، وستبقى القدس عربية اسلامية حتى وان كانت في واقع آخر مفروض عليها، ودوام الحال من المُحال.. 

ولنستدعيّ التاريخ هُنا كشاهد بعد نكسة يونيه 1967 عندما حاولّ الزعيم جمال عبدالناصر (رحمه الله) إعادة بناء القوات المسلحة وتعزيز التضامن العربي وقد تبلور هذا التضامن العربي فعليا خلال حرب أكتوبر1973 او العاشر من رمضان، وما فعلته الاقطار العربية ومنها وطني العراق في دعم دول الجبهة في مصر وسوريا ملحمة تاريخية يجب ألا ينساها العرب المعاصرون؛ ليعرفوا حق المعرفة قدرة امتهم العربية على الانجاز والاداء المشرف إذا ما توافرت إرادة التضامن وروح العمل الجماعي والاخلاص لقضاياهم المصيرية، ويتذكر كثيرون باعتزاز كبير ما فعلته المملكة العربية السعودية تحت قيادة الملك فيصل الذي استعد لمعركة نفطية مع الدول المستهلكة للبترول، وكان حينها الملك فيصل بن عبدالعزيز (رحمه الله) يستطيع ان يخلق ازمة نقدية عالمية لو كان يرغب في إشعال منافسة عالمية، وذلك لسبب بسيط هو ان الدول النفطية عدد سكانها محدود ومواردها النفطية وغير النفطية كبيرة مثل العراق والسعودية وليبيا وكانت تغطي ايراداتها نفقات كثيرة، والسعودية كانت مدخولاتها في الفترة من 1970-1975 حوالي 25 مليار دولار؛ أيّ ما يساوي أضعاف ممتلكات بعض الدول الأوروبية الصناعية من الذهب واحتياطاتها المودعة في بنوكها». 

في حوار أجرته هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» مع الملك الراحل، فيصل بن عبدالعزيز آل سعود، وجه المذيع إليه سؤالاً: ما الحدث الذي ترغب أن تراه في الشرق الأوسط؟ فأجاب: «زوال إسرائيل».

ونقلا عن موقع خليجي: «إن دول أوروبا وأمريكا شهدت غلياناً داخلياً لما تسبب به توقف تدفق النفط العربي من خسائر اقتصادية للدول الصناعية، وشهدت بعض الدول خروج مظاهرات غاضبة ضد حكوماتها. تلك الخطوة أجبرت الرئيس الأمريكي -حينذاك- ريتشارد نيكسون، على أن يجري زيارة عاجلة للمملكة العربية السعودية، واستقبله الملك فيصل في مطار جدة، ودار بينهما حوار في اجتماع مغلق». 

واخيرا: الشيء بالشيء يُذكر: فمنذ الاحتلال الأمريكي للعراق سنة 2003 والتصاعد البياني في ارتفاع في معدلات والبطالة والفساد وهدر المال العام والمحسوبية والمشاريع المتلكئة في العراق؟ والمشاكل السياسية وما نتج عنها من احتلال الإرهاب بسبب من يحكم في تلك الفترة، وما خلفهُ من قتل وتهجير الآلاف من الأسُر النازحة في داخل وطنهم والتي لم تحدث في تاريخ العراق إلا ما نّدر؟ وهناك تساؤلات حول مصير ملفات القتل على الهوية وأعداد المفقودين الهائلة في العراق وأين هي نتائج التحقيق التي قُيدت ضد مجهول خلال السنوات الماضية، وكم عدد العراقيين الذين هاجروا لسبب من هُنا وهناك وما نسبة العقول العراقية المُهّجرة بينهم. وخطوط الفقر في هذا البلد الغني بالنفط في تصاعد، وكان نتيجتها انتفاضة الشعب العراقي الأخيرة في أكتوبر 2019 كشاهد على ما حدث من تراكمات السنين السابقة، وغدا الحال اليوم أن من يزور العراق كأنه يزور بلدا من القرن التاسع عشر، في حين كان العراق في وقت سابق يزهو بالجمال والرخاء والتطور حتى انه كان قبلة للسائحين من الإخوة في اقطار الخليج العربي في سبعينيات القرن الماضي، وختاما نسأل ألا يكفي العراق وشعبه ما حدث له في السنوات الاخيرة بعد عذاب سنوات سبقته من الحروب والحصار الاقتصادي السيئ الصيت، أمّ يستمر الصراع) على نحو عبثي؟! أليس الأجدر أن نلتفت لبناء وطننا بدل التجاوز على الآخرين لتغطية ما أشرنا إليه أعلاه.

لا أخفيّ حُبيّ لوطني العراق ولكل أقطارنا الشقيقة من دون استثناء، مادام لساني عربيا وفكري تحرريا، فإنني سأظل أدعو إلى الوحدة العربية ونبذ التفرقة والطائفية بقلمي المتواضع، ونختم بالقول المأثور: «النّاسُ صِنْفانِ إمّا أَخٌ لَكَ في الدِّيْنِ، أو نَظِيرٌ لَكَ في الخَلْقِ». 

‭{‬ كاتب من العراق

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news