العدد : ١٥٤١٦ - الأحد ٠٧ يونيو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٥ شوّال ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤١٦ - الأحد ٠٧ يونيو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٥ شوّال ١٤٤١هـ

الاسلامي

المنهج النبوي في القيادة والإدارة خطوات التخطيط للهجرة النبوية

الجمعة ٢٢ مايو ٢٠٢٠ - 02:00

بقلم: د. زكريا خنجي

قلنا أمس أنه لا يمكن أن تتم الهجرة بهذه الدقة وبهذه الكيفية من غير إدارة وقيادة وتخطيط، فهي أهم حدث غير مجرى التاريخ، لذلك نجد أنها تمت بمنتهى الدقة وبمنتهى الحذر، فلم يعلم بها أقرب الأشخاص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا في اللحظة التي بدأت عملية التنفيذ تأخذ مجراها على أرض الواقع.

ويمكن الملاحظة أن الهجرة النبوية تم تقسيمها إلى مرحلتين، الأولى: وهي المرحلة والتي نحسب أنها مرحلة التخطيط، والمرحلة الثانية هي مرحلة التنفيذ.

أولاً: المرحلة الأولى وهي مرحلة التخطيط

في مرحلة التخطيط، حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يعتبر - كما يقولون بلغة العصر - المدير العام لمشروع الهجرة، على التالي:

• الكتمان؛ لم يأذن الله سبحانه وتعالى بساعة الصفر ولم يعلمها أحد، ونحسب أنه حتى رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يعلمها، فقد جعلها في علم الغيب ولم يبلغها لرسوله صلى الله عليه وسلم إلا في اللحظات الأخيرة وكما يقال ساعة الصفر، وذلك ليس خوفًا أن تتسرب فهو سبحانه وتعالى يمكن أن يعلنها ويأمرها ألا تتسرب فلا تتسرب ولكن من أجل أن يتعلم المسلمون أن (يستعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان)، والكتمان في الهجرة النبوية العظيمة كان أساس من أساسيات نجاحها، فهذه اللحظة التي ستغير مجرى التاريخ، ويمكن أن تُعد أعظم حدث وقع منذ أن خلق الله سبحانه وتعالى سيدنا آدم عليه السلام حتى اليوم، ففي تلك اللحظة تغير وجه البشرية التي كانت تئن من الألم إلى وجه تبش بالسعادة والخير. 

• اختيار رفيق الدرب وصديق السفر؛ نعلم تمامًا تلك العلاقة وذلك التوافق الفكري والروحي الذي كان يربط رسول الله صلى الله عليه وسلم وصديق عمره أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فكان هذا الإنسان أقرب شخص لوجدانه صلى الله عليه وسلم الذي يمكن أن يأتمنه على حياته وسره وكل شيء، وكان هذا واضحًا في رغبته صلى الله عليه وسلم عندما كان الصديق يرغب في الهجرة فكان صلى الله عليه وسلم يحاول أن يثنيه، ومن جانب آخر فإنه صلى الله عليه وسلم كان يطمح من الله سبحانه وتعالى أن يكون الصديق صاحبه في الهجرة وأن يأذن له بذلك، وفي نفس الوقت كان الصديق - على علمه بمخاطر والأهوال التي يمكن أن ترافق هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إذ أن العالم سوف تتكالب عليه ويمكن أن يهجم فرسان قريش عليه صلى الله عليه وسلم للقضاء عليه ويمكن أن تحدث أي أمور غير متوقعة، وعلى الرغم من كل ذلك فإنه رضي الله عنه كان - يطمح في صحبته في الهجرة، ففي رواية عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: كان لا يخطئ رسول الله أن يأتي بيت أبي بكر أحد طرفي النهار، إما بكرة وإما عشية، حتى إذا كان اليوم الذي أذن فيه لرسول الله في الهجرة، والخروج من مكة من بين ظهري قومه، أتانا رسول الله بالهاجرة [وهو من بعد زوال الشمس عن منتصف السماء إلى العصر وقبيل المغرب]، في ساعة كان لا يأتي فيها، قالت: فلما رآه أبو بكر، قال: ما جاء رسول الله هذه الساعة إلا لأمر حدث، قالت: فلما دخل تأخر له أبو بكر عن سريره فجلس رسول الله، وليس عند أبي بكر إلا أنا وأختي اسماء بنت أبي بكر، فقال رسول الله: «أخرج عني من عندك»، فقال: يا رسول الله، إنما هما ابنتاي، وما ذاك فداك أبي وأمي، فقال: «أنه قد أذن لي في الخروج والهجرة»، قلت: فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله؟ قال: «الصحبة»، قالت: فو الله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أحدًا يبكي من الفرح، حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ.

• التظليل وكسب الوقت؛ وكان بطل هذا الجزء من هذه الرحلة العظيمة هو الصحابي الجليل عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، كانت وظيفته الأولى والأساسية في التظليل وكسب الوقت أن ينام في فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعندما أتى فرسان مكة للقضاء عليه صلى الله عليه وسلم وجدوه نائمًا في فراشه، إلا أنهم لم يعلموا أن النائم كان عليّ رضي الله عنه يفدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بحياته ويعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم المزيد من الوقت حتى يتمكن من الهجرة والخروج من مكة المكرمة من غير أن يشعر أحد.

فظل فرسان قريش في أماكنهم طوال الليل حتى أصبحوا وهم يعتقدون أن النائم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، في هذه الفترة من الليل خرج صلى الله عليه وسلم وصاحبه رضي الله عنه متوشحين بوشاح الليل الأسود، حتى بلغوا غار ثور. فكسب رسول الله صلى الله عليه وسلم الوقت المناسب والكافي للخروج وبلوغ المأمن.

ما الأحداث التي جرت ذلك اليوم؟

قال عبدالله بن عباس رضي الله عنه عن موقف من هذه المواقف التي تآمر واتفق فيها المشركون على قتل النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول: «إن الملأ من قريش اجتمعوا في الحجر، فتعاقدوا باللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ونائلة وإساف، لو قد رأينا محمدًا لقد قمنا إليه قيام رجل واحد فلم نفارقه حتى نقتله، فأقبلت ابنته فاطمة رضي الله عنها تبكي حتى دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: هؤلاء الملأ من قريش قد تعاقدوا عليك لوْ قدْ رأوْك، لقد قاموا إليك فقتلوك، فليس منهم رجل إلا قد عرف نصيبه من دمك، فقال: يا بنية أريني وضوءًا، فتوضأ ثم دخل عليهم المسجد، فلما رأوه قالوا: ها هو ذا، وخفضوا أبصارهم وسقطت أذقانهم في صدورهم، وعُقِرُوا [لم يتحركوا خوفًا] في مجالسهم، فلم يرفعوا إليه بصرًا، ولم يقم إليه منهم رجل، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قام على رؤوسهم، فأخذ قبضة من التراب فقال: شاهت [أي قبحت] الوجوه، ثم حصبهم بها، فما أصاب رجلاً منهم من ذلك الحصى حصاة، إلا قُتِل يوم بدر كافرًا» رواه أحمد وصححه الألباني.

Zkhunji@hotmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news