العدد : ١٥٥٨٧ - الأربعاء ٢٥ نوفمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١٠ ربيع الآخر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٨٧ - الأربعاء ٢٥ نوفمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١٠ ربيع الآخر ١٤٤٢هـ

الاسلامي

الوصية في الكتاب والسنة (3)

الجمعة ٢٢ مايو ٢٠٢٠ - 02:00

د. علي أبو هاشم 

إن فضل الوصية عظيم، وخيرها موصول لصاحبها بعد مفارقته الدنيا، ولذا كررها ربنا سبحانه في آيات المواريث، مع كل حالة من حالات الميراث. فقال تعالى: «من بعد وصية يوصي بها أو دين». يعني يستحق الوارث نصيبه الذي فرضه الله تعالى له في التركة، من بعد أن تُنفذ وصية المورث. وهو من ترك المال، وقضاء ديونه، ويدل ذلك على أن تنفيذ الوصية مقدم على تقسيم الميراث، مع أن الميراث فرض واجب، والوصية مستحبة في أرجح الأقوال، ولحرص الشارع على إيصال خير الوصية للأحياء والأموات قدمها في الترتيب بالشروط التي ذكرناها سابقا، أما حكم الرجوع في الوصية: فيجوز للموصي الرجوع في الوصية، ونقضها، أو زيادتها، أو إنقاصها، سواء كُتبت أم لا، لأنها تصرف اختياري للمكلف وهو الموصي، فإن مات الموصي ثبتت الوصية فلا يصح للورثة الرجوع فيها، بل يجب عليهم إنفاذها ما دامت استوفت الشروط، كما لا يصح أن تُصرف الوصية إلى غير الجهة التي حددها الموصي في وصيته، ما لم تكن إثما، فإن ترتب عليها إثم فلا تصح الوصية أصلا. والوصية باب من أبواب التكافل والتراحم في المجتمع المسلم، وهي مصدر شرعي من مصادر التمويل للفرد والمجتمع، ووسيلة مشروعة من وسائل التنمية الاجتماعية، حيث تكون الوصية سببا في كفالة المحتاجين من غير الوارثين، والقيام بحاجاتهم، مما يسد الفجوة بين الأغنياء والفقراء، فتسود المجتمع الرحمة، ويعمه الخير، وحينها تنزل عليهم الرحمات وتعمهم البركات. يقول الرسول صلى الله عليه وسلم (ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء). وحتى يعتاد أهل الثروات والأموال على النفقة والبذل والتضحية بالمال، حتى يبقى أثر ذلك بعد مماتهم. كما تنزع الوصية بالمال للفقراء والمحتاجين غير الوارثين الأثرة والأنانية من قلوب المستحقين لأموال التركة، فتجود نفوسهم بما وصى به مورثهم، وتسلب الحقد والكراهية من قلوب ونفوس الفقراء والمحتاجين عامة، وخاصة الأقارب وذوي الأرحام، فيدعوا للميت بظهر الغيب. الذي ترك لهم وصيته، فتكون دعوة مستجابة إن شاء الله تعالى. فما أعظم أن نرجع إلى تشريع ربنا الذي يضمن لنا الخير والسعادة في الدنيا والآخرة. وقد سبق الإسلام الحنيف كل القوانين والأعراف في هذا المجال الإنساني العظيم، الذي جعله تشريعا يتقرب به المسلم إلى ربه، ويصل إليه نفعه عند انقطاع الحياة عنه، ومن سماحة الإسلام أنه حدد قدرا للوصية حتى لا يُضر الورثة بها، فإن تعمد الموصي إضرار الورثة وحرمانهم من حقهم الذي شرعه الله لهم في الميراث، أثم ولم تصح وصيته، ولذا استحب أهل العلم ألا تصل الوصية للثلث لقول الرسول, صلى الله عليه وسلم, لمن أراد أن يُوصي: الثلث والثلث كثير. ومن أبواب الخير التي دعا إليها الإسلام, ويبقى نفعها لصاحبها بعد موته: الوقف. وهو الحبس. والمقصود أن يحبس المسلم جزءا من ماله على جهة معينة من أبواب الخير، كالوقف على المساجد، ودور العلم، والمستشفيات، وكل وجوه الخير التي يرجع نفعها على عموم المسلمين وخاصة الفقراء منهم، والوقف الخيري باب من أبواب التكافل والتراحم في الإسلام، ومصدر معتبر من مصادر التمويل التي تنهض بالفرد والمجتمع، والحمد لله فإن آثار الوقف الإسلامي ملموسة في كل بلاد المسلمين، لما قام المسلمون به، فبنوا المساجد والمستشفيات، والمدارس، والبيوت، وجعلوها للمسلمين. يقول تعالى: «ما عندكم ينفد وما عند الله باق». النحل:96, ويقول تعالى: «وما تُقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا». المزمل:20. وكذلك ما يُسمى بالصناديق الخيرية، والجمعيات الخيرية، وكلها تهدف إلى تنمية المجتمع والنهوض به، والقيام بحاجات الفقراء والمحتاجين، ومواساتهم بالمال والغذاء والدواء والكساء، وهذا هو المجتمع المسلم، الذي يتعاون على البر والتقوى، إن وجوه الخير في الإسلام كثيرة، وأعظمها القيام بحاجات المحتاجين، والسعي في قضاء حوائجهم، أيها المسلم الكريم: وكما تكون الوصية في الأمور المالية والعينية تكون كذلك في العقيدة والدين والأخلاق، فيوصي المسلم أهله وورثته بعبادة الله وتوحيده، ويُحذرهم من الشرك بالله في الأفعال والأقوال. يؤخذ هذا من قوله تعالى: «أمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إبراهيم وَاسماعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ». سورة البقرة: 133. يقول ابن كثير, رحمه الله تعالى, في تفسيره: بأن يعقوب. عليه السلام. وهو ابن إسحاق ابن إبراهيم, عليهم السلام, لما حضرته الوفاة وصى بنيه بعبادة الله وحده لا شريك له، أي: نُوَحِّدُه بالألوهية، ولا نشرك به شيئا غيره وقوله تعالى: «وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ». أي: مُطيعون له خاضعون له. وهذه ربما يغفل عنها كثير من الناس، فيا حبذا أن نوصي بها أولادنا وأهلينا وإخواننا، لأن وصية الدين أعظم وأنفع، واحرص أيها المسلم: أن تغرس في نفوس أولادك وأهلك التبرع والنفقة في سبيل الله، وإعانة الفقراء والمساكين، والرحمة بهم، وعلموهم أن يحمدوا الله تعالى على ما أمدهم من النعم، وبما أغناهم من فضله، ليدوم الخير والفضل. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news