العدد : ١٥٤٧٧ - الجمعة ٠٧ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ١٧ ذو الحجة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٧٧ - الجمعة ٠٧ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ١٧ ذو الحجة ١٤٤١هـ

حديث القلب

حامد عزت الصياد

عيدكم مبارك

عشت في رمضان تجربة الصائمين الذين زهدوا في كل شيء، لا نصيب عندك للترف أو الإسراف، بل كانت اتباعا للسنة المباركة استحباب تعجيل الفطر بتمرات ثلاث، وقدح ماء، أو مزقة لبن، وكلها تفي بالمهمة المطلوبة، لضرورة ما يقيم أود الحياة، وصلب الظهر. 

كنت أسعد الناس وأعظمهم غبطة بأن تشعر وأنت صائم أنك لست بحاجة إلى طعام أو شراب يومين متواصلين وأنت تذهب في نسكك كل مذهب منذ طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وتشعر والحال هكذا أنك تدخل إلى محراب وطنك المقدس الذي غاب عنك أحد عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض.

هذا الوطن العزيز تتنفس فيه الصعداء، فيصحبك إلى الهدى، ويحفظك سالما، تتدفق فيه انفعالاتك بالخير، تتأمل فيه ما آل إليه حال الناس في زمن «كوفيد-19»، عشت فيه وحيدا وقد تغيرت من حولك مظاهر الدنيا بأنماط الحياة المختلفة، فلا حي على الصلاة تلبيها، ولا استهامك إلى الصف الأول في جماعة تزاحم عليها مناكب الناس، ولا مساجد فتحت أبوابها، ولا تلاوات قرآنية تختلط فيها الأصوات كدوي النحل من زوايا المساجد لأفراد وجماعات تسمعها بين العصر والمغرب، ولا موائد للرحمن يهرع إليها الصائمون من كل جنس ولون، ولا تراويح، ولا تهجد كنا مشغولين بها في المساجد على مدار اليوم والليلة.

فقط تجربة البيت حين التزمت بها طواعية أو حجرا، عشت تجربة الصائمين بهزة عنيفة اختلفت بواعثها ومظاهرها عن السنوات السابقة، ليس لأن رمضان كان همزة الوصل بين السماء والأرض، ولا لأن المساجد الثلاثة المباركة في مكة والمدينة والقدس لا تشد إليها الرحال بسبب هذه الجائحة الأليمة، بل لأن كل نسمة عطر كنت تملأ منها صدرك، وكل صدى علوي كان يتردد في جنبات قلبك، وكل خطوة كنت تخطوها في مهبط الوحي، وحرم النبوة، حرمت منها في مثل هذه الأيام المباركة، وانقطعت عنك أخبار الطواف والصفا والمروة، وزمزم، والمقام، وحجر إسماعيل، وأنين المتأوهين وهم يطبعون قبلات الوداع على الحجر الأسود.

شخصيتك الواعية بلا كلام، عاش فيها رمضان بحسك الباطن حقائق ورموزا تحلق فيها بجناحيك، تناجي فيها ربك في صدق وصمت وخشوع، كما عشت أنت بعقلك الواعي تستعيد ذكرياتك القديمة، فتزهر بفكرك ما هو من صميم التاريخ، وتبصر بقلبك ما هو من صميم العقيدة. 

في كلتا الحالين خلوت وحدك مع ربك في رمضان بتأملاتك وخشوعك ومناجاتك، لتقع له ساجدا بين يديه، وتقر له بالحمد والشكر الجزيل والثناء الحسن، وتعترف له بالربوبية من دون شريك، قيوم السماوات والأرض ومن فيهن، هو الحق، وعده حق، والجنة والنار حق، والنبيون حق، والساعة حق.

أيام مضيئة واعية عامرة بحب الدين عشتها في كنف رمضان، استثارت فيك كوامن النفس، تتنسم فيها عبير البيت الحرام، وحرم النبوة المباركة، والحرم الأقصى المبارك، وكل حرم رابض في أرض الله يستقبل ضيوفه، وتعلو مآذنه بنداء الله أكبر، تتوجه فيه إلى القبلة، تتمسح فيه بأركان الكعبة، لتؤكد برهان الصدق والإخلاص على اللسان.

في الختام، كل عام وأنتم بخير وصحة وعافية ومن تحبون سعداء طيبون، وتقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال، وعيدكم مبارك.

إقرأ أيضا لـ"حامد عزت الصياد"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news