العدد : ١٥٤٤٩ - الجمعة ١٠ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٩ ذو القعدة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٤٩ - الجمعة ١٠ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٩ ذو القعدة ١٤٤١هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

الدروس الخصوصية أحيانا ضرورية

تلقيت أكثر من مرة رسائل من أطباء تنصحني بعدم الخوض في أمور طبية، بزعم أنني قد أطرح معلومات خطأ وأسهم بذلك في «تضليل الناس»، وامتثلت للنصح رغم انه لم يحدث قط ان خضت في شأن طبي إلا ناقلا عن مصدر ذي شأن في المجال، ولكنني أقر واعترف بأنني خضت مرارا وسأخوض مجددا بمشيئة الله في أمور الصحة العامة ولكن فقط بما أحسب انه يساعد على التنوير والاستنارة.

والشأن الذي لم ولن أكف عن الخوض فيه طالما النَّفَس طالع ونازل هو التربية والتعليم، فمن حقي أن أفعل ذلك كأب ومدرس سابق، ويطيب لي أن أعلن للمرة إلى التاسعة بعد الألف أنني من أكبر مؤيدي الدروس الخصوصية، بل وأعيد طرح اقتراح قديم لي يقضي بأن حال التعليم في الدول العربية يستوجب إنشاء وزارة للدروس الخصوصية، يكون دورها مشابها في جانب منه لوزارة الشؤون الاجتماعية من حيث الاهتمام بالأسر الفقيرة.. يعني إذا كانت هناك أسرة لديها ولدان من مستحقي الزكاة والدروس الخصوصية تقوم الوزارة بمنحها مساعدة شهرية بقيمة – مثلا – 200 دولار عن كل ولد، ولإثبات استحقاق بدل دروس خصوصية على العائلة المعنية إبراز شهادات مدرسية، تدل على ان جعفر لديه مناعة ضد الأرقام، وبحاجة إلى دفع رباعي في الرياضيات بينما رزان، وبسبب ميولها البعثية، ترفض استيعاب اللغة الانجليزية بوصفها لسان الأمريكان.

سيستنكر بعض العواجيز كلامي هذا ويقولون إنه لم تكن هناك حاجة إلى دروس خصوصية في «أيامنا». هذا صحيح ولكنه لم تكن هناك حاجة إلى ثلاث وجبات في «أيامنا».. ولم تكن هناك حاجة إلى أكثر من قميصين في «أيامنا». طوال المرحلة الابتدائية كنت أذهب إلى المدرسة حاملا «فطوري» في جيبي، وكان يتسنى لي أحيانا أكل جزء من فطوري ذاك أثناء الحصص المملة، ولم يكن فطوري يلون أو يلوث ملابسي الملوثة اصلا، لأن التمر الجاف لا يترك أثرا في أي مكان يوضع فيه.

والشاهد يا عواجيز يا مكعكعين هو أن «أيامكم» ليست مقياس ريختر ولا ثيرمومتر، ولا هي عهد الخلافة الراشدة حتى تذبحونا بالتباكي عليها، ولكنني أقر بأنه وحتى قبل ثلاثين سنة فقط لم يكن معظم الطلاب بحاجة إلى عون خارج أسوار المدرسة لأن المدرسة كانت تتكفل تطوعا بدروس التقوية المسائية بلا مقابل مادي، وكان عدد المدارس محدودا، وكان يكفي المدرسين مجدا وفخارا ان تتصدر مدارسهم قوائم النجاح، وثمة أمر آخر لا بد ان يعترف به جماعة «أيامنا» ألا وهو ان الناس عامة كانوا يعتبرون التعليم فرض كفاية: إذا التحق سين بالمدرسة فلا معنى لالتحاق صاد بها، وفلحت ونجحت خير وبركة.. لم تفلح ولم تنجح «عنك».. ولا يهمك.. الوظائف متوافرة بالهبل وخريج الابتدائية كان يدخل الحياة العملية موظفا بياقة بيضاء ويستطيع الزواج بعد سنتين.

كما ذكرت أكثر من مرة فقد كان والدي يرى في دخولي الجامعة مضيعة للوقت والعمر وكنت أعمل مدرسا بدوام جزئي وادرس في الجامعة في نفس الوقت (وبالتأكيد فاتتني بعض المحاضرات ولكن النظام الجامعي لم يكن وقتها بوليسيا فالمهم ان تنجح في الامتحان يوم يكرم المرء أو يهان).. بقيت على هذا الحال سنتين ومن باب التمويه كنت أرسل «مصاريف» شهريا إلى والدي كي لا يفطن إلى حقيقة دخولي الجامعة وبعد بلوغي السنة الثالثة وجد نفسه أمام الأمر الواقع وقابل عنادي بالاحترام والتقدير.

عيال هذا الزمان «غير» فرغم ان عدد الجامعات صار اكثر من الهم على القلب فإن الدخول إلى الجامعة صار أصعب من دخول الناقة في خرم الإبرة، وجميع أولياء الأمور يريدون لعيالهم تعليما جامعيا. لا بل بالتحديد الطب أو الهندسة أو ما يتبعهما من مواد أكاديمية.. وتوسعت المدارس أفقيا بدرجة ان مدينة واحدة في وقتنا الحاضر تضم من المدارس ما كان يساوي عددها في كافة انحاء القطر قبل نصف قرن.. ومدخلات التعليم بائسة وبالتالي فإن مخرجاته تعيسة.. ونواصل بعد الفاصل.

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news