العدد : ١٥٤٠٧ - الجمعة ٢٩ مايو ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٦ شوّال ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٠٧ - الجمعة ٢٩ مايو ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٦ شوّال ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

مـلاحـظات حـول مـسـلـسل محمد عـلي رود (2-2)

بقلم: يوسف صلاح الدين

الخميس ٢١ مايو ٢٠٢٠ - 02:00

نستكمل في هذا المقال الحديث عن شخصية ارتبط اسمها بأشهر شارع في مدينة بومباي «مومباي» بالنسبة الى سكان المدينة والتجار العرب بشكل عام والتجار الخليجيين بشكل خاص خلال بداية ومنتصف القرن الماضي. وقد أسهم المسلسل في إشعال وسائل التواصل الاجتماعي عن أحداث المسلسل وعن شخصية الشارع الذي اقترن اسمه بمحمد علي، حيث رجحت الأغلبية بأنه محمد علي جناح مؤسس دولة باكستان في عام 1947 في حين أن الأقلية رجحت بأنه الوالي محمد علي باشا والي مصر، وكم تأسفت على غياب اسم هذه الشخصية الفذة عن الاعلام العربي بشكل عام والفلسطيني بشكل خاص لشخصية كانت مشهورة ولها إنجازات مهمة في مختلف المجالات في الهند أثناء الاحتلال البريطاني ومناصرته جميع الأطراف للعيش في دولة واحدة مستقلة عن بريطانيا العظمى، والتي كانت إمبراطورية لا تغرب عنها الشمس، كناية عن امتداد مستعمراتها حول العالم، وهو شخصية لها إنجازات خارج الهند من منطلق إسلامي وعربي وارتبط اسمه بالدفاع عن الخلافة العثمانية والقضية الفلسطينية والمسجد الأقصى وهو «مولانا محمد علي جوهر» سياسي وصحفي وشاعر مسلم هندي، عارض الاحتلال البريطاني بجسارة وناصر قضايا المسلمين والتحرر ودافع عن الخلافة العثمانية في المحافل الدولية ودعا الى عدم إنهاء الخلافة الاسلامية وكان من أبرز الشخصيات الرائدة في حركة الخلافة التي قدمت المساعدة للخليفة العثماني في آخر أيامه، حيث بذل مسلمو الهند كل ما بوسعهم وهاجروا وتطوعوا وقدموا أموالهم لمساعدة الخلافة العثمانية قبل أن تنهار، وانتقد الحكومات الغربية المناصرة للاحتلال الإسرائيلي وزار مدينة القدس في عام 1927 بدعوة من المفتي الراحل أمين الحسيني بعد أحداث ثورة البراق التي اندلعت ضد تدنيس اليهود للحرم القدسي أيام الانتداب البريطاني، وصلّى جوهر بالمسجد الأقصى المبارك وأكد حقوق المسلمين في فلسطين ودفن بباحة المسجد الأقصى المبارك تقديرا لدعمه للقضية الفلسطينية، واعتقله الإنجليز مرات عديدة على خلفية مقالاته ضدهم وساوموه عندما مرضت ابنتاه أثناء الاعتقال وعرضوا عليه إطلاق سراحه للعناية بهما مقابل الاعتذار للحكومة البريطانية، لكنه رفض ورد عليهم بأن السجن أحب إليه من الإذعان لهم، والملفت أنه لم يتحداهم فقط، بل واجه القوى الغربية عموما، فعارض الإطاحة بالخلافة العثمانية وناصرها في كل المؤتمرات والملتقيات التي كان يحضرها داخل وخارج الهند، وشكل مع أخيه في عام 1919 جمعيّة الخلافة التي ناضلت إلى جانب جمعية العلماء لمناصرة الخلافة العثمانية، وله أدوار مهمة أثناء عضويته في «حزب المؤتمر الوطني». وقد شكل جوهر في عام 1921 تحالفاً واسعا من الوطنيين المسلمين مثل مولانا شوكت علي ومولانا آزاد، حكيم أجمل خان، مختار أحمد انصاري والزعيم الوطني الهندي المهاتما غاندي، ولكنه انسحب منه بعد رفض مطالب قدمها المسلمون وعارض المهاتما غاندي رغم صداقته له بعد الحوادث الطائفية بين المسلمين والهندوس، وضم جهوده إلى «الرابطة الإسلامية» وعارض «وثيقة نهرو» التي كانت تقترح إصلاحات دستورية تفضي الى زيادة صلاحيات الإمبراطورية البريطانية، في حين أن جوهر كان يشدد على انتمائه إلى دائرتين بحجم متساو وتتحدان في المركز، هما الهند والعالم الإسلامي.

غطت أنشطة جوهر المجالات الدينية والسياسية والثقافية والتعليمية وعمل على توسيع الكلية الإنجليزية الشرقية المحمدية وأصبح واحدا من المؤسسين المساعدين «لجاميا ميليا إسلاميا» في عام 1920 والتي انتقلت بعد ذلك إلى دلهي.

أطلق عليه لقب مولانا وأسهم في تأسيس الاتحاد الهندي الإسلامي في دهاكا عام 1906 وتولى رئاسته عام 1918، وظل نشطا في صفوفه حتى عام 1928.

يعد جوهر من أهم ساسة وأبطال الهند في التاريخ الحديث، ويحظى بتقدير خاص لدى المسلمين الهنود، وتقول مصادر إن الحركات والجمعيات التي قادها أسست للحركة الباكستانية التي أدت فيما بعد إلى انفصال باكستان عن الهند، ولكن الثابت أنه لم يناد بانفصال أي جزء من الهند، وتوفي قبل ميلاد الحركة الباكستانية، ما فتح باب النقاش الذي مازال مستمرا إذا كان سوف يدعم فكرة الانفصال أم لا؟ 

ولد جوهر في ولاية رامبور عام 1878 لعائلة يعود نسبها إلى يوسفزي من بشتون ورغم موت أبيه المبكر، فقد صمدت العائلة ودخل جوهر دار العلوم ديوبند وجامعة عليكرة الإسلامية، ثم سافر الى بريطانيا، ودخل في عام 1898 كلية لينكولن في جامعة اوكسفورد ودرس فيها التاريخ الحديث، وبعد عودته إلى الهند عمل مديراً للتعليم في ولاية رامبور وبعدها التحق بالخدمة المدنية في بارودا وأصبح بارعا في الخطابة والكتابة، وكان يكتب للصحف الرئيسية سواء كانت إنجليزية أو هندية باللغة الإنجليزية والأردية، وأنشأ بنفسه صحيفة أسبوعية تصدر باللغتين الأردية والإنجليزية في عام 1911 وبعدها انتقل إلى دلهي في عام 1913 وعمل جوهر بجد من أجل أن يوسع الكلية الإنجليزية الشرقية المحمدية وأصبح واحدا من المؤسسين المساعدين في جامعة الملة الإسلامية في عام 1920، والتي انتقلت بعد ذلك إلى دلهي. 

حضر جوهر مؤتمر الطاولة المستديرة وكان السير أغا خان رئيس الوفد المسلم لكي يثبت ان العصبة الإسلامية لعموم الهند هي الناطق الوحيد باسم مسلمي الهند، وفي عام 1921 حاكمته الحكومة البريطانية في المحكمة التي أقامتها في «قاعة خالقدينا» في كراتشي وعاقبته بالسجن مدة سنتين ونصف السنة في سجن كراتشي المركزي.

توفي جوهر في الرابع من يناير 1931 بلندن عندما كان يحضر مؤتمرا سياسيا ونقل جثمانه الى القدس، حيث شيّع في موكب مهيب ودفن في حرم المسجد الأقصى المبارك بناء على وصيته وتقديرا من مفتي القدس لجهوده في مناصرة فلسطين والذود عن مقدساتها، ويقع قبره بجوار المدرسة الخاتونية قرب الرواق الغربي بالمسجد الأقصى وتم دفنه في القدس بناء على طلبه في وصيته وتقديرًا له ولجهوده، ونقش على شاهد قبره بالقرب من قبة الصخرة «هنا يرقد السيد محمد علي الهندي». وله مؤلفات عديدة باللغة الإنجليزية منها: محمد رسول الله وحياة محمد ورسالته ولهذا فإن محمد علي جوهر معروف كزعيم مشهور لكل مسلمي الهند، كما يعرفه مسلمو باكستان كبطل، حيث يدعون بأنه مهد للحركة الباكستانية، في حين أنه معروف في الهند بقيادته ضمن حركة الخلافة وحركة عدم التعاون (1919-1922) وريادته في التعليم الإسلامي، لذا تم تكريمه بتسمية الشارع المشهور في جنوب مومباي باسمه في حين أن أقلية من الهنود تعتقد ان اسم الشارع تكريما للمحسن ناكودا محمدعلي راوي الذي تبرع بأرض تعتبر من أكبر مقابر المسلمين في مومباي. 

أتمنى من وزارة الإعلام وتلفزيون البحرين والجهات المختصة دعم منتجي ومخرجي الأفلام والمسلسلات المحلية وحثهم على القيام بعمل تلفزيوني او وثائقي عن حياة الأفراد والعائلات التي كانت موجودة في الهند، كما أتمنى من وزارة المواصلات والاتصالات توثيق المعلومات التي نشرها الأخ العزيز الأستاذ بشار الحادي عن تجربة خليجية مشتركة سبقت قيام مجلس التعاون بقيام اتحاد تجار الخليج العربي من أهل الساحل المتصالح «الإمارات» والبحرين والكويت بإنشاء شركة البواخر العربية في مطلع القرن العشرين كمنافس لشركة البواخر الإنجليزية، وخاصة أن إحدى السفن حملت اسم «البحرين» واتمنى من وزارة الصناعة والتجارة والسياحة وغرفة تجارة وصناعة البحرين دعم الباحثين والمؤرخين لعمل بحث عن التواجد البحريني في المدن والمواني الهندية مثل حيدر آباد وكوتشين ومومباي ونيودلهي وكراشي وجوادر وبونة وميرج، كما قام به مشكورا الباحث والمؤلف الكويتي الأستاذ خالد عبدالرحمن العبدالمغني الذي ذهب شخصيا إلى  «بومباي» للاطلاع عن كثب على أماكن إقامة وعمل الرعيل الخليجي الأول في الهند وجمــع ما يدل على ذلك من رسائل ووثائق ومستندات، وحينما عاد من رحلته الاستكشافية المضنية نشر ثمار عمله الميداني في دراسة نشرتها صحيفة «القبس» الكويتية على حلقات في مايو 2013، وخاصة أن التواجد العربي والخليجي بشكل عام والبحريني بشكل خاص كان مبكرا، وقبل تلك الفترة التي أظهرها المسلسل، ومن ذلك قيام بعض العوائل البحرينية بالتواجد عن طريق إرسال أحد أولادهم أو أقربائهم أو معارفهم الى تلك المدن أو تعيين بعض الوكلاء العرب أو الهنود ليقوموا نيابة عنهم بإنهاء أعمالهم ومعاملاتهم ويكونوا حلقة الوصل بينهم وبين التجار الهنود والتجار الآخرين العرب والخليجيين ومن دول أخرى. فقد كانت مومباي بالذات مركزا للاستيراد والتصدير من مختلف دول العالم، ما جعلها مركزا للتجارة وبوابة لوصول اللؤلؤ البحريني الى الأسواق العالمية واستيراد أغلب المواد الاستهلاكية العالمية. 

yousufsalahuddin@gmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news