العدد : ١٥٤٠٩ - الأحد ٣١ مايو ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٨ شوّال ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٠٩ - الأحد ٣١ مايو ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٨ شوّال ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

خواطر رمضانية في انتظار فرحة العيد

بقلم: د. محمد العباسي {

الخميس ٢١ مايو ٢٠٢٠ - 02:00

كما هي عادتنا كل سنة خلال اليومين الأخيرين من كل رمضان، نترقب العيد.. والبعض منا يترقب الهلال وكأنما العيد إفراج من الامتناع عن الأكل والشراب خلال فترة الصوم.. بينما الأجدر أن تكون فرحتنا بالعيد لأننا أتممنا صيامنا طوال الشهر الفضيل على خير وجه.. فالعيد يستحقه من صام الشهر كاملاً وأتم فيه الصلوات والنوافل، وامتنع عن كل المنغصات التي تجرح العبادة الحقة، وكفّ عن المنهيات التي تنهينا عنها العقيدة والدين الحنيف والأعراف.. فالعيد يستحقه من مارس واتّبع حيثيات التجربة الرمضانية بكل جوانبها وكف عن كل الموبقات بيده ولسانه وقلبه!

فهناك بيننا من لا يصومون في رمضان بالذات عن زلات الكلام في أعراض الناس وقبيح العبارات.. ولا يحفظون ألسنتهم عن التأفف والشكوى بداعي الجوع والعطش طوال النهار.. وإذا أقبل الليل، ينسون كل ما يتعلق بدروس الصيام ويتقولون ويفعلون ويمارسون من التصرفات أسوأها.. ومن الصائمين بشر نراهم لا ينجزون أعمالهم الوظيفية بعذر تعب الصيام، ويسرقون من أوقات العمل بعذر الصلاة أو بحجة الإجهاد.. ونجد الكثيرين منهم يقودون سياراتهم بجنون وحماقة ويزعجون خلق الله في الطرقات بدعوى اللحاق بمواعيد الصلاة في المسجد مثلاً أيام كان ذلك متاحا قبل الكورونا وكأنهم هم فقط من العباد الصائمين.. وآخرون ممن يسابقون الريح ويكسرون كل القوانين المرورية فقط ليلحقوا بالإفطار الدسم في المنزل.. يقودون سياراتهم وكأنها دبابات عسكرية بطريقة هوجاء ويزعجون خلق الله ويعرضون أنفسهم وغيرهم لأخطار الحوادث، وكأنهم إن تأخروا دقائق معدودة فسينهارون من الجوع والعطش!!

ومن الصائمين من يتذرع بتعكر مزاجه بحجة الصيام، وتتسم كل تصرفاته بغوغائية لا عذر لها بحجة الجوع والعطش والامتناع عن ملذات الدنيا في سويعات النهار، وكأن شهر رمضان شهر معاناة، بينما هو شهر فضل ونعمة. فترونهم مكفهري الوجوه، واجمين، مسعورين، يتطاير الشرر من جباههم، فقط لأنهم صائمون وممتنعون عن الأكل أو التدخين.. فأي صوم محسوب في ميزان حسناتهم؟ أينهم هؤلاء من أفضال رمضان وحسناته وخيراته ودروسه الربانية؟ والغريب في الأمر أن أمثال هؤلاء هم أكثر الناس شوقاً للعيد.. ويبدو لي في ضوء ما أشرت إليه ان العيد ليس لهم.. بل هم فيما يبدو في شوق للعودة إلى ممارساتهم غير الطيبة التي هم بالكاد كفوا عنها في شهر رمضان.. بل ربما كفوا عن بعض سيئات الأمور، ومن ثم تمادوا في ممارسات شتى من تلك التصرفات المذكورة سابقاً من دون وازع إيماني.

والأغرب أن البعض ممن لا يصومون أصلاً وربما لا يمارسون من متطلبات الدين شيئا قيد أنملة، وتراهم يترقبون انتهاء الشهر فقط لأنهم منعوا أنفسهم من المجاهرة بالأكل والشرب والتدخين.. بل كلنا نعرف أشخاصاً يقضون السنة كاملة في السفر إلى تلك البلاد المعروفة بالممارسات غير السوية والموبقات، ثم يعودون إلى أوطانهم في الشهر الفضيل بحجة أن رمضان أحلى مع الأهل.. وجل استمتاعهم بالشهر الفضيل كان محصورا في السهر في المقاهي والبوفيهات الفارهة والشيشة ومشاهدة المسلسلات التلفزيونية.. بينما يقضون نهارهم في النوم حتى موعد الإفطار.. عن أي رمضان يتحدث هؤلاء؟ فهل لهؤلاء حق في الاحتفال بعيد الفطر مع عامة المسلمين؟

يمكنني سرد مناقب الشهر الكريم في مجلدات، وأغلبنا ليس بغافل عنها في عالمنا الإسلامي.. ولكنني هنا سأركز على مقتطفات من الأمور الحياتية المستحبة في هذا الشهر الفضيل لعلها تنفع البعض ممن لا يعطيها حقها في ممارساته خلال هذا الشهر من السنة.. فبحسب الموقع الإلكتروني «موضوع» في هذا الشأن، ومن منظور دنيوي بحت، ربما يكون من أهم النقاط المستحبة التي يجب أن يمارسها كل فرد منا هو محاولة جادة وصادقة لتغيير العادات بشكل عام.. ففي رمضان تكمن فرصة تغيير العادات السلبية واستبدالها بأخرى إيجابية، كالسهر الطويل ليلاً والنوم كثيراً في النهار.. ففي رمضان يسهل تحديد جدول يومي والانتظام والالتزام به في هذا الشهر وما بعده ليصبح نظاماً واضحاً وعادة صحية و نمطاً للسلوك المنضبط الواعي.

وأيضاً يجب أن يساعدنا رمضان على تعلّم الصبر.. فمن يصبر على الجوع والعطش يستطيع الصبر على الأمور الأخرى التي تحتاج إلى وقت وانتظار.. والصبر خصلة مهمة يجب على الجميع أن يتحلّى بها لأنها تعين الإنسان على مجابهة صعاب الحياة ومشاكلها.. ويعلمنا رمضان التحكم في الأهواء وكسر شهوات النفس.. حيث كرم الله الإنسان بالتحكم في شهوة الجسد واللسان والعين والأذن، وباقي الجوارح.. لذا على المسلم بشكل عام والصائم بشكل خاص الامتناع عن السب والشتم وسوء الخلق كامتناعه عن الطعام والشراب، والحاجات الجسدية، وغضّ البصر، وكفّ الأذى، وتجنّب الإصغاء إلى المُحرّمات.. والكف عن مجالسة أصدقاء السوء وإضاعة الوقت فيما لا ينفع.

وصيام رمضان فرصة لتطهير النفوس من الضغينة.. فيُنقّي المسلم نفسه من الأحقاد والخصومات السابقة طمعاً بالأجر والمغفرة، فيسامح من أخطأ بحقه، ويعتذر ممن تسبّب لهم بالأذى، فتصفو النفوس، وتزول الخطايا، وتسود المحبة بين أفراد المجتمع في حال الاستمرار على هذا الأمر حتى بعد انتهاء شهر رمضان.. ومن الجمائل في ساعات النهار الإقبال على العلم والقراءة.. وأول العلم القرآن الكريم، لذا فهي فرصة لكل مسلم «بمدارسة» القرآن لتُفتح له أبواب العلم كاملة، من مدارك لغوية، وشرعية، وعلمية، وعقلية ونفسية.. فيقبل المسلم على التعلم والاستزادة من العلم ليفهم القرآن الكريم، ويتوسّع معها في مختلف مجالات العلوم، ولا يقتصر هذا البحث على القرآن فقط، بل يمتد ليشمل العلوم كافة باختلاف مواضيعها، مما يخلق جيلاً قارئاً واعياً لمتطلّبات عصره وحاجته.

فهل نحن ممن نعي خيرات الصيام وأفضال شهر رمضان؟ هل نحن من يصوم فرحاً بفرصة الممارسة الحقيقية لهذا الركن الأساسي من أركان الإسلام؟ إذا كنا من بين هؤلاء الملايين ممن نمارس عادات وواجبات الشهر الفضيل ونقّدر خيرات هذا الشهر ومن الملتزمين بكل الممارسات الأخرى المتوقعة إلى جانب الصوم والصلاة وحفظ أنفسنا ومراعاة حقوق كل من حولنا.. فلنا الحق كاملاً في الاستمتاع بعيد الفطر المبارك وترقبه.. فهنيئاً لنا ولكم أجمعين.. وكل عام وأنتم بألف خير وصحة وعافية!

‭{‬ أكاديمي بحريني متقاعد

mazeej@gmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news