العدد : ١٥٤٤٩ - الجمعة ١٠ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٩ ذو القعدة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٤٩ - الجمعة ١٠ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٩ ذو القعدة ١٤٤١هـ

يوميات سياسية

السيـــــــد زهـــــــره

أغنياء وأصحاء .. فقراء وموتى

حين انتشر فيروس كورونا واجتاح كل دول العالم, قيل أن الوباء لا يفرق بين غني وفقير, ولا بين مسئول وغير مسئول, ولا بين أبيض وأسود.. وهكذا. وقيل أيضا أن الوباء سوف يعيد الاعتبار إلى القيم الإنسانية النبيلة العامة التي تجمع كل البشر, ويعيد الاعتبار إلى قيم مثل العدل الاجتماعي والمساواة.

لكن الحقيقة أنه في الواقع العملي ثبت أن هذا ليس صحيحا.. ليس صحيحا أن الأغنياء والفقراء سواء أمام هجوم الفيروس.. وليس صحيحا أن الوباء رد الاعتبار لقيم العدل والمساواة على الأقل فيما يتعلق بنظم الحكم وسياساتها.

أقول هذا وقد قرأت قبل قليل مقالا طويلا مهما يتعلق بهذا الأمر بالذات, ومن واقع عملي جدا مدعم بالحقائق والأرقام.

المقال كتبه شاب أحد أبناء مدينة نيويورك الأمريكية ويعيش فيها، وهي كما نعلم أكبر المدن الأمريكية التي ضربها الفيروس, وسقط فيها أكبر أعداد الوفيات والإصابات. والمقال عنوانه «أغنياء وأصحاء.. فقراء وموتى».

لنتابع بعضا مما جاء في المقال.

مدينة نيويورك من أكبر مدن أمريكا على الإطلاق التي كانت ضحية لكورونا, فنصف الوفيات في أمريكا كلها من منطقة نيويورك.

يقول حاكم الولاية إننا جميعا متساوون أمام كورونا لا فرق هنا بين غني وفقير ولا بين أبيض وأسود. لكن هذا ليس صحيحا.

الحقائق والأرقام تشير إلى أن الفيروس منتشر أساسا في الأحياء الأكثر فقرا في نيويورك, أي في أحياء السود والهيسبانك, أي السكان من أصول أسبانية لاتينية.

تشير الأرقام إلى أن معدل الوفيات بكورونا في أوساط الهيسبانك يبلغ 22 شخصا لكل 100 ألف، وفي أوساط السود 20 لكل 100 ألف، وفي أوساط البيض 10 فقط.

ونيويورك من أكثر المدن الأمريكية التي تعاني من الانقسامات الطبقية الحادة, ومن غياب العدالة الاقتصادية والاجتماعية أكثر من أي مدينة أمريكية أخرى.

في نيويورك يوجد 70 ألف بليونير, ونحو مليون مليونير. وفي نيويورك يوجد أكبر عدد من المشردين, وأكبر عدد من السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر.

والأحياء الفقيرة في نيويورك تعاني بالطبع من سوء وتردي الخدمات من أي نوع. هذه الأحياء مثلا تخدمها مستشفيات عامة بائسة مقارنة بالمستشفيات التي تخدم الأغنياء، وهذا أحد الأسباب التي تفسر لماذا أن أعداد الذين يموتون مصابين بكورونا في هذه الأحياء الفقيرة أكبر بكثير.

 و86% من الفقراء في نيويورك يعانون من الأمراض المزمنة, وخصوصا الأمراض الناجمة عن سوء التغذية وتدني الرعاية الصحية.

هذه الأرقام والحقائق ذكرها الكاتب في مقاله. ويختتم المقال بالقول إن الظلم الاقتصادي والاجتماعي موجود في نيويورك قبل كورونا بسنين طويلة. وعبر هذه السنين الطويلة يموت الناس في نيويورك بسبب هذه الأوضاع البائسة ببطء.

ويقول: الظلم الاقتصادي والاجتماعي يقتل الناس في نيويورك طوال الوقت, لكن الذي حدث هو أن فيروس كورونا أظهر هذه الحقيقة المؤلمة بشكل مرعب وواسع النطاق.

ما يصح بالنسبة إلى نيويورك على هذا النحو على نحو ما شرح الكاتب, يصح بالنسبة الى العالم كله اليوم.

نعني أن وباء كورونا أظهر بقوة الظلم الاجتماعي الذي يعاني منه مئات الملايين في مختلف دول العالم. فقراء العالم هم الأشد معاناة من الوباء. الفيروس يفتك أساسا بهذه الفئات الفقيرة الهشة. ولنلاحظ أيضا أن عشرات الملايين في العالم الذين يفقدون وظائفهم وينضمون إلى صفوف العاطلين هم أساسا من الفقراء وليسوا من الأغنياء.

ومجرد أن تصبح قضية الظلم الاجتماعي تحت دائرة الضوء بسبب كورونا هو في حد ذاته أمر إيجابي.

من الأمور الإيجابية أيضا أن محنة الوباء كشفت إهمال كثير من نظم الحكم في العالم لقضايا الرعاية الصحية والاجتماعية وعدم إعطائها الأولوية الواجبة.

هذه أمور إيجابية لأنها ربما تنبه مختلف الحكومات في العالم إلى هذه القضايا, وإلى ضرورة تغيير السياسات بما يحقق ولو قدرا من العدل الاجتماعي.

إقرأ أيضا لـ"السيـــــــد زهـــــــره"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news