العدد : ١٥٤١٥ - السبت ٠٦ يونيو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٤ شوّال ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤١٥ - السبت ٠٦ يونيو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٤ شوّال ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

وسائل التحصين النفسي والتربوي ضد جائحة كورونا

بقلم: د. خالد أحمد بوقحوص

الأربعاء ٢٠ مايو ٢٠٢٠ - 02:00

عند حدوثِ الأزماتِ العالميةِ من اشتعالِ الحروب، أو حدوثِ الانتكاسات المالية، أو انتشارِ الأوبئةِ والأمراض، يؤدي ذلك إلى اضطرابِ عام في المجتمعات، كما يصاحبها اضطراب في نفسياتِ أفراد تلك المجتمعات، فتزداد حالاتُ القلقِ والاكتئابِ والاضطرابات النفسية ويظهر ذلك بصورةٍ واضحة من خلال تصرفاتِ البشر والأعراض المصاحبة لتلك الضغوط النفسية، من صعوبةٍ في النومِ والتركيز مع طاقةٍ منخفضة أو تعب مستمر، مزاج مكتئب معظم الأحيان، فقدان أو زيادة في الوزن مع التغييرات في الشهية، مشاعر اليأس والتشاؤم، الخوف والقلق المرضي من الأمراض، والانسحاب الاجتماعي لدى العديد من أفراد المجتمع.

 وعندها يتجه البشرُ إلى التعامل مع هذه الأزمات من خلال الجوانب المادية لوقف تلك الأعراض، وقد يغفلون أحيانا عند تعاملهم مع أعراض تلك المشكلات عن الجوانب النفسية بالرغم من أهميتها وتأثيرها المباشر على الإنسان، وربما من أبرز الأمثال على ذلك هو انتشارُ جائحة كورونا فبالرغم من التوعيةِ المستمرةِ والمتصاعدة في التعامل معها لتجنبها أو التخفيف من آثارها من المنظورِ الصحي الجسمي الإكلينيكي، إلا أنها قلما تتطرق التوعية إلى جانب مهم جدا في تجنب هذا الوباء والتصدي له ألا وهو الجانبُ النفسي أو التحصين النفسي والتوعية التربوية للأبناء ضد هذا المرض والذي له دورٌ متساوٍ بجانب التوعية والتحصين الجسمي.

لقد بات من المسلم به في عالم الطب وبين الأطباء، ومن خلال عشرات بل مئات الأبحاث العلمية، أن الجانبَ النفسي يلعب دورًا مهمًّا جدا في مقاومة المرض والتصدي له بل والانتصار عليه من خلال التأثير المباشر على جهاز المناعة.

حيث يتأثر جهازُ المناعةِ والذي يعدُّ الخط الدفاعي الأول لدى الإنسان في مقاومة المرض والتصدي له والانتصار عليه فإذا ضعف هذا الخط أدى ذلك إلى انهيارِ مقاومة الجسم للمرض وبالتالي انتصاره عليه والتمكن من الإنسان.

ويتأثر جهاز المناعة بعدد من العوامل المادية منها على سبيل المثال لا الحصر، نمط الحياة العام، ونوعية الغذاء الذي نتناوله، ومقدار السموم والجراثيم التي يتعرض لها الشخص، والتعرض للملوثات البيئية والكيميائية، كما يتأثر بالحالة النفسية للفرد بشكل كبير. 

بينت العديد من الدراسات العلاقة بين قوة جهاز المناعة والحالة النفسية ومنها على سبيل المثال دراسة حديثة تمت في جامعة بنسلفانيا الأمريكية بعنوان «كيف تؤثر عواطفنا على استجابتنا المناعية؟» والمنشورة في موقع أخبار اليوم الطبية 2019م. وقد قادت هذا البحثَ باحثةُ الصحة الحيوية البيولوجية الدكتورة «جينيفر جراهام إينجلاند»، حيث وجد البحث «أن التعرض للمشاعر السلبية له تأثير مهم على عمل الجهاز المناعي، فالعواطف السلبية مثل القلق، والغضب والاكتئاب تزيد من علامات الالتهاب في جسدنا. وأن الأشخاص الذين يتعرضون للمزاج السلبي عدة مرات في اليوم الواحد، يميلون إلى أن يكون لديهم مستوى التهاب عالِ في دمائهم، كما وجد الباحثون أنه عند التعرض للمشاعر الإيجابية فإن نسبة الالتهاب تقل في الدم».

إن العلاقة بين الضغوط النفسية التي يمر بها الفرد وجهازه المناعي أي حالته الصحية والجسدية هي علاقة عكسية؛ فكلما زادت الضغوط النفسية على الفرد انخفضت الصحة العامة لديه، وتراجعت وتدهورت، بينما انخفاض الضغط النفسي يترتب عليه الحصول على صحة جيّدة.

ولذا فإن رفع الحصانة النفسية لمقاومة المرض وللتصدي له وللانتصار عليه مهمة في تحفيز جهاز المناعة للعمل بشكل فاعل ضد تأثير الفيروس على خلايا الجسم، ما يرفع نسبة الشفاء وتجاوز المرض وأعراضه.

ويمكن صياغة تعريف الحصانة أو المناعة النفسية من خلال العديد من التعريفات التي تطرق لها علماء النفس وعلماء النفس التربوي «بأنها آليات افتراضية، وجدانية تفاعلية تشترك مع نظام المناعة الحيوية بالجسم للحفاظ على استقرار واتزان الفرد، ولحماية نفسيته وللمحافظة على حالته الوجدانية من التأثيرات السلبية والضغوط الخارجية باستخدام الموارد الذاتية والإمكانات الكامنة في الشخصية مثل التفكير الإيجابي والإبداع وحل المشكلات وضبط النفس والاتزان والصمود والصلابة والتحدي والمثابرة والفاعلية والتفاؤل والمرونة والتكيف مع البيئة».

أي هي باختصار مجموعة من الآليات الذاتية الداخلية التي يتخذها الإنسان للحفاظ على اتزانه النفسي لمواجهة الضغوط الخارجية.

ولعل من أهم هذه الممارسات أو الآليات التي يجب الانتباه إليها لتجنب الضغوط النفسية هي طريقة تفكيرنا وتعاملنا مع الأفكار والضغوط الخارجية.

إذ أظهرت العديد من الدراسات الحديثة وخاصة في مجال علم النفس الإيجابي أن طريقة التفكير التي يمارسها الشخص هي المحرك الرئيسي لدخوله في الحالة النفسية سواء السلبية أو الإيجابية، ولذا فإن الأشخاص الذين لديهم أفكار سلبية حول مرضهم تكون نسبة شفائهم قليلة، والعكس صحيح. ولذا فإنه من الأهمية بمكان أن تكون طريقة تفكيرنا وتوقعاتنا حول جائحة كورونا إيجابية للتصدي النفسي لها ومقاومتها وبالتالي الانتصار عليها وتجاوز الأزمة التي يعيشها العديد من أفراد المجتمع.

ولتعزيز الحصانة والمناعة النفسية لنا ولأبنائنا هناك العديد من الإجراءات والأساليب التي يمكن اتباعها لمواجهة جائحة كورونا ولتجنب الضغوط النفسية الناتجة عن هذا الوباء، والتي تنطلق أساسًا من القناعات العقلية التي لها دورٌ كبير في التصدي لهذا المرض وبناء الحصانة النفسية المطلوبة ولعل من أهمها ما يلي:

‭{‬ اقنع نفسك وأبناءك أن فريق البحرين لمحاربة جائحة كورونا يعمل بشكل فاعل وممتاز في التصدي للمرض وفق رؤية واضحة ودعم غير محدود من قيادة البلاد ومن خلال جميع الأجهزة والوزارات المختلفة.

‭{‬ اقنع نفسك وأبناءك من خلال الإحصاءات الرسمية التي تعلنها وزارة الصحة أن الذين يتوفون من هذا المرض لم تزد نسبتهم في البحرين عن أقل من ربع الواحد في المئة، وأن عدد المتعافين بلغ ما يزيد عن 50% من المصابين وهي نسبة عالية وفي ازدياد مقارنة بين كثير من الدول.

‭{‬ اقنع نفسك وجميع أفراد أسرتك بأن هذه أزمة وستنقضي كما تجاوزنا العديد من الأزمات التي مرت بها البلاد عبر تاريخها الممتد، ومنها ظهور العديد من الأمراض والكوارث.

 ‭{‬ تذكر أن دول العالم كلها متكاتفة للوصول إلى علاج لهذا المرض وستصل إلى ذلك العلاج بإذن الله.

‭{‬ لا تشغل نفسك وأبناءك وجميع أفراد عائلتك بكثرة الكلام وتداول الأخبار عن موضوع كورونا، وابتعد عن مشاهدة ومتابعة أخبار المرض طوال الوقت لما يتركه من مشاعر وأفكار سلبية.

‭{‬ الابتعاد عن الشائعات والأخبار غير الموثقة والتي يتم تناقلها من خلال وسائل التواصل الاجتماعي.

‭{‬ عدم عزل نفسك عن أسرتك ومحيطك فالتواصل الإنساني والدعم الأسري مهم وذلك من خلال وسائل التواصل المختلفة. والتحدث مع أفراد الأسرة والأصدقاء بمواضيع إيجابية وداعمة خارج نطاق الحدث.

‭{‬ الشعور بالفراغ من أهم مسببات التوتر والقلق والأفكار السلبية، فبالتالي حاول شغل وقت فراغك في المنزل بكل ما هو مفيد لك من ممارسة الهوايات التي تحبها والتي تشعرك بالسعادة مثل القراءة ومشاهدة برامجك المفضلة في التلفاز وغيرها.

‭{‬ ممارسة الرياضة حتى داخل المنزل أو إن أمكن خارج المنزل وفي الأماكن المفتوحة، مهمة جدا والانتظام عليه تزيد المناعة الجسمية والنفسية.

‭{‬ من المهم جدا محاولة المحافظة على جدول زمني لحياتك وممارسة نشاطاتك اليومية بانتظام وفي الأوقات المحددة من وقت الاستيقاظ وتناول الوجبات وممارسة النشاطات اليومية وغيرها، فالروتين اليومي يشعر معظم الناس وخاصة الأبناء بالأمن النفسي وعدم التفكير فيما هو سلبي.

‭{‬ الاطلاع من المصادر الموثوقة حول المرض وكيف يعمل في الجسم وكيفية الوقاية منه ونقل وتوصيل قصص نجاح الأشخاص الذين تعافوا من مرض كورونا مهم جدا في تعزيز الحصانة النفسية.

‭{‬ قدم لأبنائك الحقائق عن مرض كورونا واشرح لهم ما يحدث بأسلوب مبسط وأعط أمثلة بكلمات مفهومة على النسب العالية للمتعافين منه وأنه تحت السيطرة.

‭{‬ تناول الوجبات الصحية والإكثار من تناول الماء بالإضافة إلى النوم الكافي.

‭{‬ زيادة التواصل مع الله سبحانه وتعالى والدعاء، وقوة الإيمان بأنه لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا.

khalidbQ@gmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news