العدد : ١٥٤٧٥ - الأربعاء ٠٥ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ١٥ ذو الحجة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٧٥ - الأربعاء ٠٥ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ١٥ ذو الحجة ١٤٤١هـ

شرق و غرب

المؤسسات الدولية وأزمة كورونا

الثلاثاء ١٩ مايو ٢٠٢٠ - 11:23

بقلم: سيريل لويس 

لقد احتدم الجدل حول منظمة الصحة العالمية التي اتهمت بمحاباة الصين، وهو ما سلط الأضواء على الأزمة الحادة التي باتت تتخبط فيها المؤسسات الدولية المتعددة الأطراف، والتي أنشئت ما بعد نهاية الحرب العالمية الثانية في سنة 1945 من أجل الحفاظ على الاستقرار العالمي.

يوم 14 ابريل 2020 وقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على مسافة من الصحفيين في حديقة البيت الأبيض وراح يصفي حساباته مع منظمة الصحة العالمية ويتهمها بسوء إدارة أزمة تفشي جائحة كورونا كوفيد-19 كما وجه إليها ضربة موجعة عندما أعلن قراره بتجميد الحصة التي تسهم بها الولايات المتحدة الأمريكية في منظمة الأمم المتحدة والتي تصل إلى 400 مليون دولار سنويا.

 قبل ذلك بأسبوع واحد أطلق الرئيس ترامب سيلا من التغريدات التي تتهم منظمة الصحة العالمية بأنها أصبحت تدور في فلك النفوذ الصينية، وحملها المسؤولية عن تلك التصريحات التي أطلقتها الصين في بداية الأمر، والتي سعت فيها إلى طمأنة بقية دول العالم بأن الأوضاع تحت السيطرة وأن الخطر قد ابتعد عن العالم قبل أن تحدث الطامة الكبرى وينتشر الفيروس في أكثر من 170 دولة في العالم ويزهق آلاف الأرواح ويوقع ملايين المصابين بالعدوى.

 منذ وصوله إلى البيت الأبيض قبل ثلاثة أعوام ونيف ظل القادة والدبلوماسيون الغربيون يستقبلون تغريدات وتصريحات دونالد ترامب بكثير من اللامبالاة وبقليل من الاهتمام غير أن التصريحات والتغريدات التي أطلقها مؤخرا في خضم تفشي جائحة كورونا كان لها وقع الصدمة التي تردد صداها في العالم، لأن الأمر يتعلق بمؤسسات النظام العالمي المتعدد الأطراف، والذي مر على نشأته اليوم 75 سنة - أي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية سنة 1945.

 جاءت تلك التصريحات في وقت كان فيها المجتمع الدولي يجد صعوبة كبيرة في إسماع صوته وسط أزمة تفشي جائحة فيروس كورونا. فقد أغلقت الدول حدودها ومطاراتها وانغلقت على نفسها وقل منسوب التضامن ما بين الدول وازدادت حدة التوتر ما بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين.

في يوم 15 أبريل 2020 وافقت مجموعة العشرين على تعليق جزء من خدمات الديون المترتبة على 77 دولة هي الأكثر فقرا في العالم. قبل خمسة أسابيع دعا الأمين العالم لمنظمة الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى «هدنة إنسانية مستدامة» من أجل إيصال المعدات الطبية إلى مناطق الصراع في العالم غير أن مبادرته تلك لم تلق آذانا صاغية ولم يأبه بها أي أحد. أعلنت روسيا عقد قمة تضم قادة الدول الخمس الأعضاء في مجلس الأمن الدولي غير أن مشروع القرار الذي تقدمت به فرنسا اصطدم بإصرار إدارة الرئيس دونالد ترامب على إدراج بند يؤكد مسؤولية الصين عن تفشي فيروس كورونا في العالم.

لن نضيف شيئا إذا ما قلنا إن الرئيس دونالد ترامب لا يأبه بالمجتمع الدولي وبمؤسساته المتعددة الأطراف. فما إن دخل إلى البيت الأبيض سنة 2018 حتى أعلن انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من اتفاقية باريس حول المناخ، كما أنه مزق الاتفاق النووي السيئ والمبرم مع إيران في شهر يوليو 2015 – أي عهد إدارة سلفه باراك أوباما، وأعلن عزمه على خفض المساهمات الأمريكية في عملية منظمة الأمم المتحدة والرامية إلى حفظ السلام في مختلف مناطق العالم وتنصل من المعاهدة المبرمة مع روسيا بشأن الأسلحة النووية المتوسطة المدى.

لقد أجج الرئيس ترامب الحرب التجارية ضد الصين، وتسبب بذلك في شل منظمة التجارة العالمية المنبثقة بدورها عن منظمة الأمم المتحدة وعرقل تعيين خبيرين محكمين في جهازها الذي يعنى بحل النزاعات التجارية التي تنشأ بين الدول الأعضاء.

 ما الهدف؟ من الناحية الرسمية يريد الرئيس ترامب أن يدفع باتجاه البدء في إصلاح المؤسسات الدولية القائمة على تعددية الأطراف وهو يعتبر أن منظمة الصحة العالمية تعاني من سوء الإدارة ولا تعير ما يكفي من الاهتمام لمصالح الولايات المتحدة الأمريكية، أكبر مساهم في ميزانيتها السنوية، علما بأن الولايات المتحدة الأمريكية تسهم بأكثر من 10 مليار دولار في تمويل مختلف الوكالات التابعة لمنظمة الأمم المتحدة.

في الخطاب الذي ألقاه أمام الجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة في شهر سبتمبر من سنة 2018، قال الرئيس دونالد ترامب على وجه الخصوص: «إن الولايات المتحدة الأمريكية مصممة على أن تجعل منظمة الأمم المتحدة أكثر فاعلية وتخضع للمساءلة عما تقوم به».

بعيدا عن هذه الأهداف المنطقية، فإن النقاد يعتقدون أن الرئيس ترامب يريد في الحقيقة تركيع المؤسسات الدولية المتعددة الأطراف. يقول روبرت مالي، الذي عمل مستشارا للرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، والذي يتولى رئاسة مجموعة أزمات الدولية:

«إن الرئيس دونالد ترامب لا يؤمن بالأمور المجردة مثل التحالفات. إن كل ما يهمه هو أن يعرف كلفة هذه المنظمة أو تلك وما يمكن أن يكسب من وراء ذلك».

لا شك أن الصعود القوي الذي حققته الصين في صلب النظام الدولي المتعدد الأطراف يزيد من إصرار الرئيس دونالد على هذه المواقف التي يستهدف من وراء منظمة المجتمع الدولية ومنظماته المتعددة الأطراف والتي أنشئت عقب نهاية الحرب العالمية الثانية. ظل العملاق الآسيوي يشغل منصبه عضوا دائما في مجلس الأمن الدولي بمنظمة الأمم المتحدة وذلك منذ سنة 1971. ظلت الصين منذ تلك السنوات الأولى منهمكة أساسا في تحقيق التنمية الداخلية حتى تتمكن من بناء عوامل قوتها الداخلية وتترك بعد ذلك بصمتها الدولية.

 تغيرت الأوضاع تدريجيا بداية من فترة التسعينيات من القرن العشرين الماضي. استخدمت الصين منذ سنة 2007 حق الفيتو سبع مرات دفاعا عن النظام العسكري في ميانمار ورئيس زمبابوي روبرت موغابي والرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو والرئيس السوري بشار الأسد أي قرار يدينهم دوليا.

لا شك أن هذه «المظلة الدبلوماسية» المعززة بالاستثمارات الضخمة التي تضخها سلطات بكين في العديد من الدول الإفريقية هي التي ضمنت لها التغلغل بمثل هذا العمق في القارة السمراء وغيرها من مناطق العالم الأخرى. هذه الاستراتيجية التي تنتهجها الصين هي التي مكنتها من انتخاب شخصيات صينية على رأس كبرى المنظمات الدولية - على غرار منظمة الصحة العالمية (2007) ومنظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية - (اليونيدو) في سنة 2013 والاتحاد الدولي للاتصالات والمنظمة الدولية للطيران المدني (2015) ومنظمة الأغذية والزراعة (2019).

تقول فاليري نيكي، المسؤولة عن القطب الآسيوي في مؤسسة البحوث الاستراتيجية متحدثة عن التغلغل الصيني في المنظمات الدولية المنبثقة عن منظمة الأمم المتحدة: «لم يسبق أبدا لأي دولة أن تمكنت من السيطرة بمفردها على هذه الأجهزة الأربعة التابعة لمنظمة الأمم المتحدة».

يقول غيي فان، الباحث في مركز بحوث التنمية العالمية في بكين: «لقد تحولت الصين خلال الأعوام الثلاثين الماضية إلى عملاق اقتصادي وعسكري. لذلك فإنه من الطبيعي أن تسعى اليوم لأخذها مكانتها الحقيقية بين الأمم في إطار نظام دولي لا يمكن لأي طرف أن يسيطر عليه أو يتحكم فيه بمفرده» – غير أن الكثيرين يشككون في حقيقة نوايا النظام الشيوعي الشمولي في بكين.

تقول فاليري نيكي في هذا الصدد: «لقد ظل الريش تشي جينبغ يؤكد في أكثر من مناسبة أن ساعة الصين قد دقت وأنها ستتبوأ موقعا مركزيا على الساحة الدولية. إن الصين تعمل على إعادة بناء وتشكيل النظام العالمي المتعدد الأطراف من أجل فرض نظامها الخاص وقيمها ومبادئها». 

 يدخل الجدل الذي احتد في الآونة الأخيرة حول منظمة الصحة العالمية في إطار حرب المواقع في المنظمات الدولية والنظام الدولي بضفة عامة بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين، علما بأن هذه الأخيرة هي التي كانت وراء انتخاب الإثيوبي الدكتور تجدروا أدهانوم غيبرييسوس مديرا عاما لمنظمة الصحة العالمية.

قبل نحو ثلاثة أشهر التقى مستشار الأمن القومي في إدارة الرئيس دونالد ترامب مسؤولين بريطانيين وألمان في نيويورك وقال لهم إن الوقت قد حان من أجل التصدي لما اعتبره «التغلغل الصيني»، وهو ما يفسر السبب الذي يجعل الولايات المتحدة الأمريكية تضغط اليوم على النظام الدولي المتعدد الأطراف ومؤسساته التي أنشئت عقب نهاية الحرب العالمية الثانية، علما أنها كانت قد انسحبت من قبل من منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم – اليونسكو، التي تتخذ من باريس مقرا لها وأوقفت الدعم عنها، مثلما أوقفت الدعم وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين – الأونروا.

يقول جيرارد آرو، السفير الفرنسي السابق في نيويورك حتى شهر أبريل 2019: «تكمن المشكلة برمتها في أن الطبيعة تكره الفراغ. فالصينيون يقومون في الحقيقة بملء الفراغات التي تركتها الولايات المتحدة الأمريكية، والتي أدركت أن العالم قد عاد إلى منطق القوى العظمى وأن المنظمات الدولية المتعددة الأطراف تعيقها عن التحرك». 

في الحقيقة، فإن هذا التناقض الأمريكي ليس بالأمر الجديد. فعقب نهاية الحرب العالمية الأولى (1914- 1918) نشأت عصبة الأمم التي استلهمت مبادئها من النقاط الأربعة عشرة التي وضعها الرئيس الأمريكي آنذاك وودور ولسون، غير أن تلك المنظمة الأممية لم تصمد ووجدت نفسها في موقف بالغ الهشاشة بعد أن صوت مجلس الشيوخ بعد بضعة أشهر على قرار ينص على عدم انضمام الولايات المتحدة إلى عصبة الأمم. 

انهارت عصبة الأمم لأنها لم تجد القوة والموارد اللازمة للتصدي لألمانيا الفاشية بقيادة الدوتشي موسوليني، وألمانيا النازية بزعامة أدولف هتلر وإسبانيا التي فرض فيها الجنرال فرانكو حكما فاشيا دكتاتوريا. لم تستطع عصبة الأمم أيضا أن تحول دون احتدام التوترات ووقفت تتفرج عاجزة أمام حالة الاحتقان الشديدة في الفترة ما بين عامي 1939 و1940 والتي أدت إلى نشوب الحرب العالمية الثانية. 

كانت الحرب العالمية الثانية توشك أن تحط أوزارها في وقت تأكدت فيه ضرورة العمل على بناء نظام دولي جديد، غير أن الرئيس الأمريكي آنذاك فرانكلين دي روزفلت لم يستسغ الفكرة، وقال يومها: «إن الولايات المتحدة الأمريكية هي وحدها القادرة على الحفاظ على السلام والأمن في العالم». 

وضعت الدول التي خرجت منتصرة من الحرب العالمية الثانية بعد ذلك تصورا لنظام دولي يقوم على قواعد وأسس مشتركة ويتكون من منظمات دولية متعددة الأطراف، أهمها مجلس الأمن الدولي، الذي أوكلت إليه مهمة «حفظ السلام والأمن الدوليين». 

تأسس أيضا صندوق النقد الدولي وأبرم الاتفاق العام حول الرسوم الجمركية والتجارة، الذي قامت على أنقاضه منظمة التجارة العالمية الحالية، من أجل تشجيع المبادلات التجارية وضمان الرخاء والتصدي للأزمات التي فتكت بأوروبا في فترة الثلاثينيات من القرن العشرين وولدت أوضاعا اجتماعية خصبة لتنامي التيارات الفاشية والنازية. 

نشأت أيضا عدة مؤسسات دولية مثل منظمة الأمم المتحدة للطفولة      –اليونسيف– ومنظمة العمل الدولية التي تهدف إلى الحماية الاجتماعية والتشجيع على آليات الحوار في المجالات المهنية، كما تأسست اليونسكو، إضافة إلى منظمة الفاو لحماية شعوب العالم من الجوع. 

في الحقيقة، فإن هذا النظام الدولي الجديد لا يخلو من المثالية.. والتناقضات. يقول فيليب مورو دافارج، الدبلوماسي السابق والباحث في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية، والذي أصدر كتابا مهما بعنوان: قصة السلام في العالم: «سعيا للخروج من فوضى العلاقات بين الدول وتكريس الديمقراطية في العلاقات الدولية كان لا بد من معاملة كل الدول الأعضاء على قدم المساواة في الحقوق ووضع آليات للمراقبة والتحكيم لحل الأزمات، وهو ما يعني تخلي الدول عن جزء من سيادتها». 

لم تقبل الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية مثل هذا التصور لأنها أصبحت تسيطر على العالم ولا تريد أن تفرط في مكاسبها كما قال روبرت مالي. كانت الولايات المتحدة الأمريكية ولا تزال تعتبر نفسها الدولة الاستثناء وهي ترفض بالتالي الخضوع للقواعد التي وضعها الآخرون. 

لا يختلف الأمر بالنسبة إلى الصين وروسيا رغم أن الحرب الباردة قد همشتهما على الساحة الدولية. تضمن تركيبة مجلس الأمن الدولي لأعضائه الغربيين الذين يمثلون الأقلية حق الفيتو من أجل التحكم في دواليبه. كانت الولايات المتحدة الأمريكية واليابان وفرنسا والمملكة المتحدة أول المساهمين في ميزانية منظمة الأمم المتحدة وهو ما مكنهما من الاستئثار بأهم المناصب الأممية. رغم الرسالة التي تحملها، فإن منظمة الأمم المتحدة تعطي الانطباع بأنها مجرد ناد للدول الغربية الغنية، فيما تقبع دول الجنوب في آخر الوقت وهي تبحث عن إسماع صوتها – وهي لا تزال كذلك حتى اليوم. 

جاء انهيار جدار برلين في خريف 1989 ليقوض الوضع الدولي القائم ويؤذن لما أصبح يعرف بالعصر الذهبي للعالم المتعدد الأطراف. التحقت أغلب الدول التي كانت تدور في الفلك السوفييتي، إضافة إلى الدول الآسيوية والإفريقية المحسوبة على المعسكر السوفيتي بالنظام الذي باتت تسيطر عليه الولايات المتحدة الأمريكية، الذي أصبح يضم 128 دولة سنة 1994 قبل أن يرتفع العدد إلى 164 دولة في الوقت الحالي.

تزامنت نهاية الحرب الباردة مع ازدياد نشاط منظمة الأمم المتحدة التي أطلقت عمليات عددية لحفظ السلام في يوغسلافيا السابقة ورواندا وليبيريا وغيرها، علما أن مجلس الأمن الدولي لم يقبل ذلك، منذ نشأته، إلا على ثماني عمليات لحفظ السلام، ومن بينها شبه جزيرة سيناء ومرتفعات الجولان السورية. 

مع ازدياد عمليات نشر القبعات الزرقاء في أماكن التوتر والصراعات في العالم ارتفع منسوب التفاؤل والاعتقاد بقدرة المجتمع الدولي على الحفاظ على الاستقرار ونشر الديمقراطية. في ظل تلك الأجواء انطلق مسار أوسلو للسلام بين إسرائيل والفلسطينيين وساد الاعتقاد بأن الصراع العربي الإسرائيلي مقبل على نهايته وأن الدولة الفلسطينية سترى النور لا محالة.

في سنة 1990، ثم عقب هجمات 11 سبتمبر 2001، التي استهدفت الولايات المتحدة الأمريكية، أعطى مجلس الأمن الدولي الضوء الأخضر للتدخل العسكري بقيادة أمريكية في كل من أفغانستان ثم العراق. بدا وكأن القانون قد انتصر فيما راح آخرون يبشرون بنهاية التراخي (فنرسيس فوكوياما)، غير أن تلك التقييمات والقراءات الفكرية والسياسية قد سقطت في الماء. فقد جاء غزو العراق سنة 2003 بقرار من طرف واحد ومن دون موافقة مجلس الأمن الدولي، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، ليذكر الجميع بأن العالم المتعدد الأطراف لم يلغ مبدأ حق الأقوى.

إذا كانت العولمة قد أخرجت ملايين البشر من أتون الفقر غير أنها عمقت التفاوت بين البشر على كل الأصعدة، وتسببت في تقويض الطبقات الاجتماعية الوسطى التي باتت تعاني من هشاشة كبيرة  في الدول الغنية. في الأثناء كانت روسيا والصين ترقبان وتنتظران ساعة الصفر.

يقول البروفيسور ريجين بيرون، أستاذ تاريخ العلاقات الدولية بجامعة سيرجي (2)، إن أزمة العالم المتعددة الأطراف قد تجلت، وخاصة عندما فشل صندوق النقد الدولي في الاستباق لحل الأزمة المالية الحادة التي هزت الولايات المتحدة الأمريكي والعالم الرأسمالي الليبرالي على وجه الخصوص في سنة 2008-2009. 

تجلت أزمة النظام الدولي خاصة على المستوى الجيوسياسي مع مطلع سنة 2010 واتضحت عوامل ضعفه، حيث عاد الصراع بين القوى العظمى، حيث تشهد سوريا وأوكرانيا وليبيا على وجه الخصوص مواجهة بين هذه القوى العظمى من خلال الجيوش والقوى العظمى تحت أنظار مجلس الأمن الدولي العاجز والمشلول بسبب حق النقض – الفيتو. 

في خضم هذه التحولات أصبحت الصين تعلي صوتها وتفرض ديناميتها وبدأت الولايات المتحدة الأمريكية تتهم بكين بالتلاعب بقيمة عملتها وسرقة براءات الاختراع والسطو على حقوق الملكية الفكرية وتنتقد سلبية منظمة التجارة العالمية. كان باراك أوباما آنذاك رئيسا للولايات المتحدة ولم يكن أحد يتصور وصول دونالد ترامب إلى سدة الرئاسة، حيث ازدادت مخاوف الأمريكيين الذين ظلوا منذ سنة 1945 يخشون أن تفلت منهم السيطرة على النظام العالمي المتعدد الأطراف. 

يوم 29 نوفمبر 2012 انضمت فلسطين إلى منظمة الأمم المتحدة كدولة غير عضو (مراقب) وهو ما مثل رمزا لانتفاضة بلدان الجنوب. في الأثناء ظل التوتر يطغى على العلاقة ما بين منظمة الأمم المتحدة وإسرائيل منذ احتلالها الأراضي الفلسطينية في يونيو 1967. لم تتوان إسرائيل في مهاجمة أجهزة منظمة الأمم المتحدة وازدرائها، وخاصة منها منظمة اليونسكو ومجلس حقوق الإنسان. وجدت إسرائيل في ذلك كل الدعم من إدارة الرئيس دونالد ترامب الذي أعلن قرار بلاده الانسحاب من منظمة اليونسكو في نهاية سنة 2017.

تقول المديرة العامة لمنظمة اليونسكو الفرنسية أودري أزولاي: «أدى غياب الولايات المتحدة الأمريكية إلى إحداث تغيير عميق في التوازنات السياسية الدولية. عندما تسعى فرنسا وبقية الدول الأوروبية لتعزيز حماية الصحفيات أثناء أداء مهامهن عبر العالم، فإنها تصطدم بمواقف دول أخرى لا تعبأ بمثل هذه المسائل. نحن في حاجة اليوم إلى بنية متعددة الأطراف من أجل معالجة قضايا عالمنا المعاصر الملحة. ذلك لن يتحقق ما لم تشارك كل الدول الأعضاء في هذه الجهود». 

يعتبر المدير العام لمنظمة التجارة العالمية ما بين 2005 و2013، باسكال لامي أنه لا بد من إصلاح بنية النظام العالمي التي لم تتغير منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. يعتبر باسكال لامي أنه يحق لدول مثل الهند والصين أن تشعر بأنها لا تحظى بالتمثيل الذي يعكس ثقلها، لكنه يعتبر أن الصين تندمج في العالم المتعدد الأطراف فقط عندما يخدم مصلحته لكنها تلتف عليه لتكرس الفردية من خلال إطلاق طريق الحرير.

«يجب على الصين أن تكون طرفا مسؤولا في النظام العالمي. أما الولايات المتحدة فقد تعودت على الهيمنة على العالم، وهو ما يفسر مخاوفها وانزعاجها من صعود الصين. فالرئيس دونالد ترامب قد قال عاليا ما ظل يقوله الرؤساء الأمريكيون الذين سبقوه في البيت الأبيض خلف الأبواب».

لوموند

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news