العدد : ١٥٤٠٩ - الأحد ٣١ مايو ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٨ شوّال ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٠٩ - الأحد ٣١ مايو ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٨ شوّال ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

عقد من الاضطرابات في المنطقة العربية

بقلم: د. جيمس زغبي

الثلاثاء ١٩ مايو ٢٠٢٠ - 02:00

يطلقُ معهدُ الشرق الأوسط اليوم الثلاثاء، الموافق يوم 19 مايو 2020. كتابي الجديدَ الذي اخترتُ له عنوان: «عقد الاضطرابات» وقد ضمنته خلاصةَ نتائجِ استطلاعات الرأي العام التي أجرتها مؤسسةُ زغبي لخدماتِ البحوثِ وسبرتُ خلالها الرأيَ العالمَ العربي والتركي والإيراني على مدى عقدٍ كاملٍ من الزمن. أود أن أستعرضَ فيما يلي خلفيةَ المضامين التي تطرقتُ لها في كتابي الجديد «عقد الاضطرابات». 

بدأ العقدُ الثاني من القرنِ الحادي والعشرين بحدثين كبيرين أسهما في تغييرِ الشرقِ الأوسط. رغم أن بذورَ هذه التحولات التي غيَّرت وجهَ الشرقِ الأوسط قد بدأت قبل عدة سنوات غير أن سنة 2011 هي التي كانت حاسمةً بالنسبةِ إلى شعوب المنطقة. ففي سنة 2011. قررت الولاياتُ المتحدةُ الأمريكية الانسحابَ من العراق وتركت خلفها حقلًا من الألغامِ بما فيه من فوضى طائفيةٍ داميةٍ خلقت بيئةً خصبةً استغلتها إيرانُ على الوجهِ الأكمل. شهدت سنة 2011 أيضًا بدايةَ ما أصبح يسمى «الربيع العربي». 

لم تكن الأعوامُ ما بعد سنة 2011 سهلةً بالمرةِ لكثيرٍ من شعوبِ المنطقة. فقد تركت الولايات المتحدة الأمريكية العراق في أيدي حكومة طائفية يرأسها نوري المالكي وهو ما جعل البلادَ تغرقُ من جديدٍ في أتون حربٍ أهلية رد من خلالها السكانُ العراقيون السنةُ على السياساتِ التي كانت تنتهجها الحكومةُ الطائفيةُ العراقية والتي تسببت في تعميق الانقساماتِ في البلاد. تسببت تلك السياساتُ الطائفيةُ التي عمقت الانقسامات في زرعِ بذور الكراهية والتي أدت إلى نشأة ما يعرف بتنظيم الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام «داعش». 

في الوقت نفسِه، عملت إيرانُ -التي كانت طموحاتها الإقليمية ملجمة- على التغلغل في العراق حتى حصلت على موطئ قدمٍ وعززت وجودَها من خلال التحالفات التي أقامتها مع الأحزابِ والمليشيات الطائفية. 

كان العراقُ مشلولًا بسبب النزاعات التي كانت تنهشُ كيانَه وهو ما مكَّن إيران المجاورة من تقوية وجودها والشروع في تنفيذ أجندتها الراميةِ إلى زعزعةِ الاستقرارِ الإقليمي، من خلالها تدخلها في سوريا والبحرين وسوريا. في نفس الوقت الذي كانت فيه تلك العوامل تتفاعل في منطقتي الخليج والشرق العربي، بدأت الاضطرابات تسري في تونس، قبل أن تنتقل إلى مصر ثم سوريا بعد ذلك، وهو ما أحدث فوضى عارمةً وخلَّف الدمارَ عبر الشمال الإفريقي وبلاد الشام.

سنحت لنا الفرصةُ منذ سنة 2011 لاستطلاع الرأي العام عبر المنطقة وذلك سعيًا منا لفهم طبيعةِ نظرة الشعوب إلى تلك الأحداثِ الكبيرة التي تمر بها منطقتهم. فقد قمنا في كل سنة باستطلاع آراء الرأي العام في الدول العربيةِ وتركيا وإيران لحساب منتدى سير بني ياس في دول الإمارات وذلك سعيا إلى الوقوف على اتجاهات الرأي العام في منطقة الشرق الأوسط. 

لقد عملنا على التطرق إلى عدد من القضايا في منتدى سير بني ياس السنوي وهي قضايا شملت الصراعاتِ الجارية في العراق وسوريا واليمن، والطريقة التي تعاملت بها الدولُ المجاورةُ مع أزمة اللاجئين الناجمة عن هذه الصراعات، إضافة إلى دور اللاعبين الخارجيين والمحليين في الشؤون الإقليمية، مع التركيز خاصة على الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا وإيران وتركيا والمملكة العربية السعودية. 

ركزنا أيضا في مؤتمر بني ياس السنوي أيضا على تفاعل الرأي العام العربي مع ما يسمى «الربيع العربي» ومدى تأثير تلك الأحداث على مواقف وطموحات وتطلعات الشعوب العربية، إضافة إلى مواقف الرأي العام العربي من تنامي التنظيمات الدينية المسيسة، من جماعة الإخوان المسلمين إلى تنظيم القاعدة، إضافة إلى التغييرات التي طرأت على النظر إلى إيران وما باتت تشكله من خطر، إضافة إلى نظرة الرأي العام العربي من استمرار الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين. 

لقد علمتنا استطلاعات الرأي العام التي أجريناها عبر الشرق الأوسط خلال هذا العقد المضطرب أن الرأي العام العربي لا يخلو من أهمية. فالعرب يعرفون جيدا ما يريدون وما لا يريدون. فهم يريدون أمورًا أساسية مثل العمل والتعليم والرعاية الصحية، إضافة إلى الحوكمة وحماية حقوقهم الشخصية. 

إن الفشلَ في معالجةِ هذه المسائل الأساسية هو الذي أجج الرأيَ العام في مصر وتونس واليمن وسوريا في مطلع العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، قبل أن تنتقل الاضطرابات إلى لبنان والعراق والجزائر والسودان وإيران مع نهاية هذا العقد الذي أثخنته الاضطرابات. 

لقد ركز العرب في خضم هذا العقد المضطرب على قضاياهم الداخلية على وجه الخصوص مع الاستمرار في الاهتمام بمسألة معاناة العرب الآخرين، سواء في فلسطين أو في سوريا أو في العراق أو في اليمن. ازدادت مخاوف العرب أيضا من البرنامج النووي الذي تطوره إيران وتدخلاتها في دول المنطقة وخاصة في لبنان والعراق.

لقد تعلمنا من خلال استطلاعات الرأي التي أجريناها أن العرب يبحثون عن الانسجام مع صناع السياسة الأمريكيين رغم أنهم يعتبرون أن ذلك لم يعد ممكنًا. فهم يريدون من الولايات المتحدة الأمريكية وبقية القوى الخارجية الأخرى أن تدعم التطلعات والقضايا العربية دون التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية. 

تعلمنا أيضا أن العرب يريدون أن تلعب عقيدتهم الدينية دورًا صحيحًا في حياتهم اليومية مع وجود أغلبية كبيرة في اتجاهات الرأي العام العربي تناهض تسييس الدين أو تسليحه. لقد أظهرت نتائج استطلاع الرأي الذي أجريناه سنة 2019 أن العرب يرغبون في تقوية وتعزي التعاون البيني العربي. فقد اعتبر أولئك الذين شملهم استطلاع الرأي أنهم يعطون الأولوية خلال العقد القادم من الزمن للاستثمار من أجل بناء عالم عربي مستقر ومزدهر مع تعزيز عرى التعاون والحدة السياسية بين الدول العربية. 

أظهرت نتائج استطلاع الرأي أن هذه الثوابت هي التي تظل تشمل اتجاهات الرأي العام العربي. لقد ظلت هذه الأوليات قائمة رغم الاضطرابات التي هزت المنطقة وزعزعة استقرارها على مدى العقد الماضي علما بأننا نعتقد أن هذه الأولويات ذاتها ستظل قائمة خلال العقد القادم. 

لا شك أن الكثير من التطورات والتحولات التي ستشهدها منطقة الشرق الأوسط والشمال الإفريقي خلال العقد القادم ستنجم أساسًا مع تداعيات جائحة فيروس كورونا غير أن تداعيات العقد المضطرب الماضي ستظل أيضا تلعب دورًا مؤثرًا. 

‭{‬ رئيس المعهد العربي الأمريكي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news