العدد : ١٥٥٨٦ - الثلاثاء ٢٤ نوفمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٩ ربيع الآخر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٨٦ - الثلاثاء ٢٤ نوفمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٩ ربيع الآخر ١٤٤٢هـ

قضايا و آراء

دور الجيوش في مواجهة أزمة كورونا

بقلم: د. أشرف محمد كشك

الاثنين ١٨ مايو ٢٠٢٠ - 02:00

إن تدخل الجيوش في الأزمات والكوارث ليس بالأمر الجديد، فعلى مر التاريخ كان للجيوش دورٌ مهم في هذا الشأن والمثال الأبرز والأحدث على ذلك دور الجيش المصري خلال أحداث زلزال عام 1992 وكذلك في مواجهة أزمة السيول التي ضربت بعض القرى في صعيد مصر خلال سنوات مختلفة، إلا أنه لوحظ أن تدخل الجيوش في تلك الأزمات غالبًا ما كان يجئ حال زيادة حدتها وعدم قدرة الأجهزة المعنية الأخرى التعامل معها مثل قوات الدفاع المدني وخاصة إذا كانت الأزمة تتطلب إخلاءً فوريًّا لضحايا تلك الأزمة وإعادة الحياة في مرافق الدولة إلى طبيعتها، وفي أزمة كورونا التي ضربت كل مناحي الحياة ظهرت الحاجة إلى تكاتف جميع مؤسسات الدولة للعمل في مسارات متوازية ومتكاملة وكانت الجيوش لها دورٌ محوري فيها ما يثير ثلاثة تساؤلات الأول: ما القدرات التي تمتلكها الجيوش لمواجهة الأزمات والكوارث؟ والثاني: ما الدور الذي لعبته الجيوش خلال أزمة كورونا؟ والثالث: كيف يمكن استثمار دور الجيوش مستقبلا ضمن استراتيجيات مواجهة الأزمات والكوارث عمومًا؟ 

وبداية ربما ساد تصور لدى البعض أن المهمة الأساسية للجيوش تقتصر على الدفاع عن الدولة وحدودها البرية والجوية والبحرية ضد أي مخاطر، لقد كان ذلك صحيحًا في ظل سيادة تهديدات تقليدية مثل الحروب المباشرة وغيرها من المناوشات على الحدود إلا أنه مع تغير مفهوم التهديدات الأمنية، فضلا عن اتساع نطاق الكوارث والأزمات فإن تدخل الجيوش لمواجهتها قد أضحى ضرورة استراتيجية وخاصة في ظل ثلاثة مقومات تمتلكها الجيوش الأولى: القدرات النوعية وتشمل الأجهزة والمعدات ذات الكفاءة العالية بالإضافة إلى القدرات البشرية في مختلف الأسلحة والتي تحظى بتدريبات نوعية بشكل مستمر ما يؤهلها للعمل في كل الظروف وفي بيئة عمل ضاغطة، فضلا عما لدى الجيوش من خدمات طبية متميزة بما يمكنها من العمل بكفاءة خلال الأزمات والكوارث التي تحتاج إلى جهود فورية ونوعية، والثانية: أنه في الأزمات والكوارث غالبًا ما تصاحبها حالات من عدم الانضباط ومن ثم قد تفرز الأزمة أزمات أخرى إلا أن الجيوش لديها القدرة على السيطرة على مسارات الأزمة مهما كانت نطاقها ومن ثم ضمان انتظام عمل مؤسسات الدولة من ناحية والحفاظ على حياة المواطنين من ناحية ثانية، والثالثة: رمزية الجيش بالنسبة إلى أمن الدولة ككل، فالجيش هو حامي مقدرات الدولة ومكتسباتها وبالتالي فإن إعلان مشاركة الجيوش في مواجهة أزمة ما له دلالة مهمة بالنسبة إلى المواطن بقدرة الدولة على تجاوز تلك الأزمة. 

وتأسيسًا على ما سبق فقد لعبت الجيوش في كل دول العالم دورًا مهما في التصدي لأزمة كورونا، ففي الدول الغربية كان الدور الأبرز هو جيوش حلف شمال الأطلسي «الناتو»، ففي ظل احتدام أزمة كورونا في الدول الأوروبية وطلب بعضها مساعدة من حلف الناتو، أعلن ينس ستولتنبرج الأمين العام للحلف أن جيوش الناتو قامت بأكثر من 100 مهمة إمداد طبي، وساعدت في إقامة 25 مستشفى ميدانيا، وزادت عدد الأسرة بالمستشفيات بحوالي 25 ألف سرير، وذلك على خلفية حملات إعلامية استهدفت التشكيك في دور الحلف خلال تلك الأزمة كان مصدرها بعض القوى التي لديها قضايا خلافية مع الحلف، فضلا عن إعلان الاتحاد الأوروبي تأسيس فرقة عمل مشتركة تضم خبراء من الأركان العسكرية وجهات أخرى حال تتطلب الأمر ذلك تكون مهمتها تنسيق تبادل المعلومات بشأن دور الجيوش الوطنية في دول الاتحاد خلال تلك الأزمة والتنسيق مع حلف الناتو للحيلولة دون تضارب الجهود، وفي المنطقة العربية كان للقوات المسلحة دور بارز ويمكن إجماله في ثلاثة أمور أساسية الأول: فرض النظام سواء من خلال القوانين ذات الشأن أو فرض حالة الطوارئ بالنظر إلى التحديات الهائلة التي فرضتها كورونا على أمن الدول، إلا أن الدول التي تضم عمالة متعددة الجنسيات مثل دول الخليج فإن الأمر قد تتطلب جهودًا أكبر من قواتها المسلحة التي استخدمت الطائرات من دون طيار مزودة بكاميرات ومكبرات صوت بلغات مختلفة من أجل فرض حظر التجوال، فضلا عن جهود الجيوش في التعامل مع المواطنين العائدين من الخارج من خلال الإشراف على الحجر الصحي في الأماكن المخصصة لذلك وكذلك تسهيل عودة مواطني الدول الأخرى إلى بلدانهم، والثاني: لوحظ أن الجيوش كانت جزءً أساسيًّا من فرق إدارة الأزمات التي أسستها بعض الدول للتعامل مع كورونا، وتعد هذه خطوة مهمة ليس فقط للاستعانة بالقدرات المتميزة للجيوش وإنما على صعيد انخراطها في ساحات مواجهات غير تقليدية ما يعزز من قدراتها على التعامل مع أزمات مماثلة مستقبلا، والثالث: مراقبة وتأمين كل المنشآت الحيوية، بالإضافة إلى إيصال المواد الطبية والمستلزمات الغذائية في بعض الدول وخاصة خلال ساعات فرض حظر التجوال. 

ومع أهمية ما سبق فإن هناك إمكانية لاستثمار دور القوات المسلحة مستقبلا للتعامل مع الأزمات والكوارث المماثلة وخاصة إذا كانت أكبر نطاقًا ولم تتمكن الأجهزة الأمنية من التعامل معها ويمكن تحقيق ذلك من خلال خمس آليات الآلية الأولى: إيلاء تمرينات المحاكاة لأزمات متوقعة أهمية بالغة والتي تضم أفرادًا من الجيوش والمدنيين على حد سواء بحيث يتكامل العنصر العسكري مع نظيره المدني وهي التمرينات التي بدأتها بالفعل الكليات الدفاعية العريقة في العالم وشارك كاتب هذه السطور فيها على مدى سنوات، الآلية الثانية: إيلاء المزيد من الاهتمام بتوظيف التكنولوجيا خلال الأزمات وهذا أمر مهم ولقد أثبتت التكنولوجيا فاعليتها خلال أزمة كورونا في مجالات عديدة ويمكن الاستفادة من ذلك مستقبلا، والثالثة: رصد وتحليل الدور الذي قامت به الجيوش خلال أزمة كورونا في مناطق مختلفة من العالم سواء مجالات العمل أو الأطر التي حكمت ذلك العمل ونتيجة ذلك خلال مواجهة الأزمة، والرابعة: أهمية وجود تدريبات داخل القوات المسلحة بشأن العمل خلال الأزمات وربما تأسيس فرق مخصصة لهذا الأمر قد أضحى متطلبًا رئيسيًّا، صحيح أن كل الدول بها مؤسسات لإدارة الأزمات على المستوى الوطني وبها ممثلون عن القطاع العسكري إلا أن أزمة كورونا قد أعادت تأكيد الدور المحوري للقوات المسلحة بما يتطلب وجود جهوزية لمواجهة الأزمات والكوارث، والخامسة: ضرورة إنتاج أفلام تسجيلية توضح الدور الذي تقوم به القوات المسلحة خلال الأزمات كجزء من توعية المواطنين بهذا الدور للتعاون مع تلك القوات خلال تلك الأزمات ضمن الاهتمام بالإعلام العسكري على غرار الإعلام الأمني.

وفي تقديري أن أزمة كورونا لم تكن منشأة لدور الجيوش خلال الأزمات ولكنها أوضحت أهمية ومحورية ذلك الدور الذي يعد صمام الأمن والأمان للوطن والمواطن.

‭{‬ مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية بمركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة «دراسات»

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news