العدد : ١٥٤٠٩ - الأحد ٣١ مايو ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٨ شوّال ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٠٩ - الأحد ٣١ مايو ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٨ شوّال ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

العيد والترهل النفسي في زمن الكورونا

بقلم: د. زكريا خنجي

الأحد ١٧ مايو ٢٠٢٠ - 02:00

عندما شرعت في كتابة هذا المقال تذكرت قصيدة الشاعر المتنبي التي يقول في مطلعها:

عيدٌ بِأَيَّةِ حالٍ عُدتَ يا عيد

بِما مَضى أم بِأَمرٍ فيكَ تَجديدُ

أَمّا الأَحِبَّةُ فَالبَيداءُ دونَهُمُ

فَلَيتَ دونَكَ بيدًا دونَها بيدُ

وكأنه يتحدث عن هذا العيد الذي سنعيش فيه أيامنا القادمة.

هذا العيد وكلنا يعلم أنه يختلف عن جميع الأعياد التي عشناها، فالمطلوب في هذا العيد ألا نخرج من بيوتنا، وألا نتهور لنذهب إلى بيوت أحبتنا وأهلنا وحتى والدينا، هذا العيد لا نجتمع فيه ولا نتناول وجبة الغداء معًا، ولا ننتقل من بيت إلى آخر من أجل التحية والتواصل، فنحن نعيش أو من المفروض أن نعيش زمن التباعد الاجتماعي، إلا أن -وأحسبها بعض الحالات الاستثنائية- البعض سيحاول أن يتمرد على تلك النداءات التي تدعو للجلوس في البيوت حتى في عيد الفطر المبارك.

سيكون هذا العيد يوما طويلا، منذ شروق الشمس حتى الغروب، كل الوقت، أي طوال اليوم يجب أن تكون في البيت لوحدك وأسرتك الصغيرة فقط، يوم طويل وشاق، ولكن اليوم نحن أمام خيارين فقط لا ثالث لهما، إما أن يمضي يوم العيد من غير الخروج من البيت والتنقل، أو أن نتحدى الحظر والحجر الصحي ونخرج ونستمتع ببعض سويعات من اليوم وبعد ذلك يمكن أن يصاب أي منا بالوباء، فيدخل الحجر التام أيامًا وشهورا حتى يتعالج وهذا الذي يستطيع جسمه أن يقاوم أو ربما لا يستطيع أن يقاوم فيذهب في سبيل الله.

أيهما أفضل؛ أن نجلس ونعيش العيد في بيوتنا مهما طال الوقت أم نعيش بقية أيامنا تحت مضخات الأكسجين والإبر التي تخترق جلودنا وأجسامنا، ونحرم من رؤية أطفالنا وأهلنا طوال فترة العلاج، ونعيش فترات الخوف والهلع والذعر الحقيقي؟ فلا نحن ولا حتى الأطباء يعلمون ماذا ستكون النتيجة، هل ستعود إلى البيت أم ستذهب إلى المقبرة؟ وإن كان مصيرك إلى المقبرة فلن يشيعك أحد، فمن سيسير وراءك مجرد بضع نفر وهم أقرب الناس لك، وسيقوم الاختصاصيون بدفنك، وسيتقبل أهلك التعازي عن طريق الواتساب فقط! عليك الاختيار.

الأمر جد، والفيروس جاد جدًا ولا يهتم بك أو بغيرك، فهو لا يعرف الفقير أو الثري، ولا يمكنه أن يفرق بين العالم أو الجاهل، فهو يصيب من يقف في طريقه، وأمامنا الكثير من الأمثلة، فقد سمعنا عن العديد من العوائل التي أصيب جميع أفرادها بسبب فرد واحد مصاب متهور، أو قرية كاملة أصيب جميع أفرادها بسبب إهمال شخص واحد، وسمعنا أن بعض الدول تمكنت في السيطرة على انتشار الفيروس -أو هكذا اعتقدت- وعندما أزالت الحجر وتدفق الناس إلى الأسواق حدثت حالة من الانتكاسة وبدأت أعداد المصابين تتزايد، لذلك اضطرت إلى إعادة الحجر مرة أخرى وربما هذه المرة بصورة أشد قساوة.

ومن خلال تتبعنا لهذه الجائحة، نشعر أن الناس بدأ يظهر عليهم الملل والتهاون في الالتزام بالأنظمة، وربما هذا يمكن أن يُطلق عليه مصطلح (الترهل النفسي أو التعود النفسي)، الذي ينتج عادة بعد عدة صدمات تسير كلها في اتجاه واحد.

التعود هو حالة من التأقلم التدريجي الذي يعيشه الجسم والعقل مع ظروف بيئية جديدة، أو حالة من التعايش مع ما تسببه المهيجات والمثيرات السابقة أيًا ما كانت، حتى يصل هذا التعود إلى مرحلة الإدمان. هذا الإدمان هو نوع من أنواع الاستجابات لنوع معين من المنبهات أو المثيرات أو المهيجات بعد التعرض المطول أو المتكرر لها. 

والإدمان أنواع، يقول بعض علماء النفس إن هناك شخصيات تعاني معاناة شديدة من إدمان شخص بعينه والتعود على وجوده في حياته لدرجة الإدمان، وهذا النوع يسبب ألمًا نفسيًا شديدًا لصاحبه، وهذه مشكلة موجودة ونراها في حياتنا اليومية.

وهناك صور أخرى كثيرة لهذا الإدمان، مثل ما يمكن ملاحظتها في العلاقة بين الرجل والمرأة، فعندما تعتمد المرأة على الرجل اعتمادًا كليا، وأنه هو الذي يقدم لها الخدمات ويحقق لها كل مطالبها، وأنها لا تستطيع الاعتماد على نفسها، لذلك فإن المرأة تتعود على ذلك لدرجة الإدمان ولا تستطيع أن تفعل شيئًا بدونه، ولكن عند خروج الرجل من حياتها نتيجة الوفاة مثلاً، أو انتهاء العلاقة بينهما لأي سبب تشعر المرأة حينئذ بخوف وتشعر بالضياع، تشعر بأنها عاجزة عن فعل أي شيء، فهي لا تستطيع أن تعيش ولا تستطيع أن تموت، فتعيش معلقة.

هذا بالإضافة إلى الإدمان المعروف لنا بإدمان تناول العقاقير أو المخدرات.

ونعتقد أن الجسم والعقل عندما يبلغان مرحلة الإدمان الكامل يصبحان في المرحلة التي لا يستجيبان فيها لأي مثيرات أو محفزات، فتعتاد الناقلات العصبية داخل الجسم على كل المثيرات لتصبح تلك المثيرات وتلك المحفزات جزءا من تركيب هذا الجسم، عندئذ نبلغ مرحلة (الترهل التام)، والترهل في اللغة العربية يعني استرخاء وارتخاء العضلات والأعصاب والمشاعر والأحاسيس، وفي هذه المرحلة لا يشعر الإنسان بأي من المحفزات والمخاطر، لذلك نعتقد أن شعوب العالم بلغوا الآن -في حالة جائحة كورونا- مرحلة (الترهل النفسي)، وسبب اعتقادنا ذلك أنه بعد الصدمات الأولى التي جاءت أعقاب انتشار أخبار من هنا وهناك حول وباء جديد بدأ ينتشر في الدول ويمكن أن ينتقل بطريقة اللمس أو الهواء، وخاصة بعد دخول وسائل التواصل الحديثة التي أثارت الرعب في دول العالم، وبعد أن بدأت الدول بالفعل تتصدى بجدية للجائحة، وبعد أن تمكنت العديد من الدول من إعلان أنها بدأت تتحكم نوعًا ما في انتشار الفيروس، بعد كل هذه المراحل شعرت الشعوب أنه يمكن السيطرة والتحكم في انتشار الفيروس، فانتشر السؤال: لماذا نخاف إذن إن كان بالإمكان السيطرة والتحكم في الوباء؟

عندما بدأت الجائحة انتشر الرعب والخوف والذهول، بسبب ذلك المجهول الذي لا يعرفونه، والآن وبعد جهود المختصين في التعرف على الفيروس ونشر الوعي بين الشعوب شعروا أنه كان من الخطأ الخوف والذعر.

ومن جانب آخر فمنذ بداية الأخبار التي انتشرت عن الوباء أي في أواخر ديسمبر 2019 حتى اليوم منتصف مايو 2020 أي حوالي 6 أشهر، فإن الإنسان يكون قد اعتاد على سماع الأحداث المرافقة للوباء والجائحة، فهو يسمع عن الأعداد التي تتزايد سواء للمصابين أو المشتبه بهم أو حتى الذين تمت معالجتهم، فأصبح هناك نوع من الاعتياد، ليس ذلك فحسب وإنما بعض الشعوب كانت تذهب وتحاول أن تشاهد المصابين وتتعرف على مراكز الإيواء حتى تقول لبقية الناس إنهم قد ذهبوا وإنهم قد شاهدوا، وما إلى ذلك.

ومن تلك الطرائف التي عادة نسمعها، اتصل بي أحد الإخوة من دولة شقيقة وقال إنه سيحاول أن يدخل المحجر الذي تتم فيه عمليات علاج المرضى، ركز معي يقصد هذا الشخص (عمليات علاج المرضى) وليس أماكن احتجاز المشتبه فيهم، وعندما سألته عن أسباب ذلك، قال بكل بساطة: «أريد أن أعيش التجربة».

قلت له: أي تجربة يا رجل، هذه ليست تجربة إنه وباء، ولا يُعرف حتى الآن من سينجو منه ومن لن يتمكن.

لذلك أحسب أنه نحن في هذه المرحلة، مرحلة (الترهل النفسي) تجاه جائحة كورونا، فما الذي يمكن أن نفعل، وخاصة أن عيد الفطر المبارك على الأبواب؟ والناس اعتادت أن تتزاور في العيد وتتناول وجبة الغداء معًا، وأن يفتحوا المجالس ويستقبلون الضيوف الذين يأتون ويذهبون من غير عدد، يجلسون لحظات ثم يغادرون ويتحدثون ويضحكون ويسخرون، وأن يتبادلوا العيادي والهدايا والعطايا وخاصة بعد شهر رمضان. كما أنهم اعتادوا على صلاة العيد، فلا صلاة عيد هذا العام، كيف؟

إذن حتى نصل إلى قناعة تامة أنه من الضروري أن نتقيد بالاحترازات التي وضعت من أجل سلامة المجتمع، دعونا نتعرف على الحقائق التي أمامنا، والتي هي:

1- أن فيروس كورونا لن ينتهي من تلقاء ذاته، فهو موجود وقد يستمر لفترات طويلة نوعًا ما، وهو جديد فالكثير من المعلومات المتعلقة به مازالت غامضة وغير معروفة حتى الآن، فكيف ينتشر، وكيف يصيب، وكيف.. وكيف.. والكثير من الأمور مازالت مجهولة، وللأسف وجدنا أن بعض الأطباء يشبه كورونا بالإنفلونزا الموسمية على اعتبار أنها ستنتهي قريبًا، كما أنه قبل فترة تم انتشار إشاعة أن هذا الفيروس لن يستطيع أن يقاوم درجات الحرارة العالية وأنه سينتهي مع بدايات مايو، وبعضهم قال في منتصف يونيو، والكثير من اللغط والحديث الذي لا معنى له، كل هذا الكلام هراء، وإنما يجب أن نعلم أننا نتعامل مع مخلوق غامض ومجهول.

2- أعداد الإصابات مازالت غير مستقرة، فهي تتراوح ما بين الصعود والهبوط، فلا يمكن القول في هذه المرحلة إنه تم التحكم والسيطرة على الجائحة، ولم تستطع أي دولة أن تعلن ذلك، وإن أعلنت الدولة أنها تمكنت من جعل الإصابة صفرا، إلا أنها لا تستطيع أن تزيل كل الاحترازات الوقائية بصورة مباشرة، وإنما ذلك يحتاج إلى وقت أطول.

3- بالنسبة لعيد الفطر المبارك، يجب أن يكون معلومًا لدنيا أن هذا العيد يختلف أيضًا عن بقية الأعياد التي عشناها سابقًا، فلا صلاة عيد في الجوامع، ولا زيارات ولا مجالس، ولا غداء العيد ولا أي مظاهر العيد وزيارات الحدائق، فالجميع يجب أن يجلس في البيت.

4- العيد المبارك سيمر علينا طويلا ومملا، وهذه حقيقة، ولكنها كلها 4 أيام وستنقضي، وكلها أيام وسنعود إلى ما قبل رمضان، لنعاود حياتنا بطريقة أو بأخرى، فهو مجرد عيد واحد فقط، وإن شاء الله سنحتفل بعيد الأضحى خلال الشهور القادمة، إن حافظنا على أنفسنا وأولادنا من خلال الالتزام بالاحترازات الوقائية. 

إن الحملة الوطنية واللجان الخاصة بإدارة الأزمات والكوارث تحاول وتسعى في اتقان عملها من الجهة التي هي مكفولة به، فإن كنا فعلاً مجتمعا واعيا بحق فإنه يجب أن ندرك ما المسؤوليات الواقعة على الإنسان المواطن والمقيم. ولكن وكما تقول الحكمة المتواترة «إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن»، بمعنى أن بعض الناس لا تؤثر فيه زواجر الوعي والتوعية والكلام الجميل، وإنما يجب أن يردع بالقوة والحزم، فهو يخاف العقوبة أكثر من القناعات الذاتية للأمور.

فهل نحن من الذين تردعنا قناعاتنا الذاتية، أم أننا نحتاج إلى قوة تردعنا وسلطة تخوفنا؟ 

 

Zkhunji@hotmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news