العدد : ١٥٤٠٧ - الجمعة ٢٩ مايو ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٦ شوّال ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٠٧ - الجمعة ٢٩ مايو ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٦ شوّال ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

دروس عربية في الإرهاب

بقلم: فاروق يوسف

الأحد ١٧ مايو ٢٠٢٠ - 02:00

هناكَ فرقٌ بينَ من يتعرضُ للإرهابِ ومَن يفكرُ فيه. نجحت الحلولُ الأمنيةُ لمشكلةِ الإرهابِ في أماكن وفشلت في أخرى. ولكن هناك إجماع على فشل تلك الحلول في أن تضع حدًّا للظاهرة. 

في أحيانٍ كثيرة يتمُّ التكتمُ على حالاتِ الخطفِ وبالأخص في ما يتعلق بالنساء. ولكن الأخبار تخترقُ الصمت لتؤكد كذب البيانات الحكومية.

ما لا يمكن إنكاره أن العنفَ صارَ ثقافةً في مجتمعاتٍ كانت ولا تزال عبارة عن مختبراتٍ تجريبية لمختلف أنواع التراجع عن مكتسبات العصر الحديث.

يعتقد سياسيون هواةٌ أو فطريون أن «شفرة» الإرهاب قد حلت ألغازها وصار في الإمكان التعرف على سلوكِ الإرهابيين قبل أن يقدموا على ممارسةِ العنف ضد الآخرين. ذلك ما أتاح القيام بضربات استباقية، غالبا ما تذهب إلى المكان الخطأ فيسقط أبرياء ليكونوا ضحية لإرهاب الدولة.

«هناك خلايا إرهاب نائمة» تلك قد تكون كذبة. فالانتحاريون الذي يجري التسويق لهم باعتبارهم أتباع تنظيمات متشددة مثل القاعدة وداعش قد لا يكونون كذلك. البيانات التي تتبنى عملياتهم بعد وقوعها ومقتل منفذيها لا تعني شيئا على مستوى المصداقية.

يُقال في الأخبار: «هناك بصماتٌ لداعش». ذلك تعبيرٌ سائل لا يمكن أن يكونَ موقعَ ثقة. وليس لبيان يُنشر على الإنترنت أي قيمةٍ تُذكر. لا بصمات تفرق بين إرهاب وآخر.

هناك حيرةٌ مركبة لا يمكن تفكيك عناصرها من قبل المحللين المحايدين الذين لم يروا فوهة بندقية تتوجه إليهم وتضعهم في لحظة واحدة في عزلة لم يتخيلوا أنهم سيصلون إليها.

حين لا تكون الأرض آمنة فإن ذلك يمحو كدح البشرية عبر قرون من البحث الخلاق عن جدوى الحياة وأسباب عظمتها.

في ظل تلك المعادلات المرتبكة ليس أمام البشرية سوى أن تعترف بعجزها عن مواجهة عدو اسمه الإرهاب. وهو اعتراف من شأنه أن يفضحَ الكثيرَ من الحقائق التي تم التكتم عليها لأسبابٍ غير معروفة.

فهل صار الإرهابُ مطلوبًا من أجل أن تبقى المسافةُ قائمة بين مَن يفكر فيه ومَن يتعرض له بشكل مباشر؟

تلك نظرية ينبغي الاستناد إليها باعتبارها عكازًا مكسورًا.

في الحالة العربية على سبيل المثال هناك شيء اسمه السلاح السائب. ذلك هو أساس مشكلة العنف في مختلف صوره وهو ما يقود إلى الإرهاب باعتباره اللغة الوحيدة الممكنة التي يتم تداولها.

صار السلاحُ في متناول الجميع في دول عربية عديدة. تحصل على السلاح بيسر لا يضمن لك الحصول على الخبز.

غير أن الثابت أن ذلك ما كان ممكنًا لولا انهيار الدولة. ففي ظل وجود الدولة كان امتلاك السلاح هو أمر غاية في الحساسية والصعوبة. لم تكن الدولة تسمح للأشخاص بامتلاك سلاح شخصي إلا في حالات ضيقة. الدولة هي الجهة الوحيدة المخولة بحيازة السلاح واستعماله بطريقة تحفظ من خلالها أمنَ المجتمعِ وسلامةَ أفراده.

اليوم نسمع أخبارًا عن حروبٍ عشائرية تُستعمل فيها الأسلحة الثقيلة. ذلك ما يجري في العراق. وما تشهده اليمن وليبيا ليس بعيدا عن ذلك.

في لبنان صار متوقعًا أن يملك حزبُ الله صواريخ بالستية، زودته بها إيران. وهو ما يتجاوز قدرة المجتمع اللبناني على تحمله. ذلك ما شهده اليمنيون وقد وقعوا في مصيدة العصابة الحوثية التي انتقلت بنشاطها الإرهابي من الحيز المحلي إلى حيز إقليمي.

فهل ينظر مَن يفكرون في الإرهاب إلى ما تتعرض له الدول العربية باعتباره إرهابًا أم أنها تعتبره صدامًا بين قوى محلية؟

أعتقد أن العربَ في حاجة إلى التفكيرِ في الإرهاب باعتباره مرضًا محليًّا يستحسن أن يتمَّ علاجُه محليًّا من غير انتظار دواء قد لا يأتي من الخارج. ذلك سيساعدهم على العثور على جذوره.

الأمر يبدأ بفك ارتباط الإرهاب بما يمكن أن يكون مسوغًا له. ذلك يزيح الغطاء الكاذب ويضع العنف باعتباره ممارسة همجية في مكانه الحقيقي.

فالإرهاب في واحدة من أهم تجلياته يُمارس في ظل الدفاع الكاذب عن العقائد. ذلك ما تفعله التنظيمات الدينية المسلحة كلها كما أن هناك مَن يرفع شعار المقاومة من أجل استمراره في حمل السلاح وفرض أجندته على المجتمعات، وذلك ما تفعله المليشياتُ المرتبطةُ بإيران وفي مقدمتها حزبُ الله.

كان الزمنُ كفيلًا بفضح الأمرين.

فالقتل الذي مارسه تنظيمُ داعش على سبيل المثال لم يؤد إلا إلى زعزعةِ إيمان المسلمين كما أن استقواء حزب الله بالسلاحِ من أجل الهيمنة على لبنان أسقط كل قناعة سابقة بصدق التيار المقاوم.

تلك دروسٌ تاريخية تسمي الإرهاب من غير الحاجة إلى جدل عبثي طويل في ما يتعلق بمًن هو إرهابي ومَن هو غير ذلك. كل حَمَلةِ السلاح غير القانوني هم إرهابيون من غير استثناء. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news