العدد : ١٥٤٠٧ - الجمعة ٢٩ مايو ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٦ شوّال ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٠٧ - الجمعة ٢٩ مايو ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٦ شوّال ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

ألغام في طريق الإسلام!

بقلم: عبدالرحمن علي البنفلاح

الأحد ١٧ مايو ٢٠٢٠ - 02:00

منذ أن بزغ فجر الإسلام الصادق وهو يتعرض كل يوم للكثير من المعوقات التي توضع في طريقه من أجل تعطيل مسيرته، وحجب نوره عن الناس الذين جاء الإسلام من أجل تحريرهم، والعودة بالإنسان إلى إنسانيته وبقدر ما في الإسلام من حق ومن مثل عليا حاول الباطل أن يتطاول عليه، ويشوه صفاءه بما يثيره حوله من أكاذيب ما أنزل الله تعالى بها من سلطان.

حرص أعداء الإسلام، وشانئوه على أن يزرعوا الألغام في طريقه، وأن يوقتوا تفجيرها في الأوقات التي تناسب مصالحهم وباطلهم، فإذا بزغ فجر الإسلام في أرض سارعوا إلى تفجير لغم من الألغام التي أعدوها لمثل هذا الغرض، وهي ألغام مزروعة في طول البلاد وعرضها، وهم وحدهم الذين يملكون خرائطها، ويستدلون على مواقعها، ومن هذه الألغام: القومية، والطائفية، والمذهبية، وحتى إعجاب كل صاحب رأي برأيه.

والإسلام ابتداءً لا يرى بأسًا في أن يتمسك كل إنسان بقوميته مع كونه مسلمًا، فهذا شيء وذاك شيء آخر، لأن الإسلام عقيدة، وأما القومية فانتماء إلى وطن وأرض، وبالعكس فإن احتفاظ المسلم بقوميته، وأن يعرف بها ويشتهر بين الناس بها، فهذا لا يقلل من شأن انتمائه إلى الإسلام شريطة ألا يكون ولاؤه لقوميته فوق ولائه للإسلام، فإن في ذلك إشارة إلى عالمية الإسلام، وأن أتباعه جاؤوا إليه من جميع الأمم، وأن دعوته ليست مقصورة على العرب وحدهم، بل هي للبشرية كلها، ولهذا اُشتُهر بين المسلمين سلمان الفارسي الذي ينتمي إلى بلاد فارس، وصهيب الرومي الذي ينتسب إلى بلاد الروم، وبلال الحبشي الذي ينتمي إلى الحبشة ولم يجد سلمان وصهيب وبلال أي بأس في أن يعرفوا ويُشْتهروا بأسماء بلادهم، كما لم ير المسلمون العرب بأسًا في أن يحتفظ هؤلاء الصحابة بهذه الألقاب التي لها صلة بالبلاد التي جاؤوا منها.

إذن، فالقومية والانتساب إليها، والولاء لها ليس محرمًا ولا مكروهًا في الإسلام ما لم يتحول الاعتداد بها إلى عصبية تقدم الوطن والولاء له على الولاء للإسلام، وأحوال الصحابة الثلاثة الذين ذكرناهم دليلنا على ذلك، وهذا -بالعكس- يؤكد عالمية الإسلام وتسامحه، وأنه لا يفرق بين المسلمين بسبب اختلاف أوطانهم، وحتى تعدد ألسنتهم.

نأتي الآن إلى الطائفية، وهي كما ورد في موسوعة ويكيبيديا: «هي الانتماء إلى طائفة معينة دينية أو اجتماعية ولكن ليست عرقية، فمن الممكن أن يجتمع عدد من القوميات في طائفة واحدة بخلاف أوطانهم ولغاتهم»، والطائفية هذه يجري عليها أيضًا نفس الحكم الذي أجريناه على القومية، فالطائفة ما لم تبلغ في تطرفها حد العصبية لطائفة أو جماعة فهي لا بأس بها، فلا نحكم عليها بالحرمة أو الكراهية ما دام ولاؤها للطائفة دون ولائها للإسلام، وذا ما أشارت إليه موسوعة ويكيبيديا حين قالت: «تجتمع عدد من القوميات في طائفة واحدة مع اختلاف أوطانهم ولغاتهم».

ومن الألغام التي يحذرنا الإسلام منها، ويأمرنا بتجنبها، وعدم التعرض لخطرها: المذهبية، والمذاهب الإسلامية هي مدارس فقهية تتفق في الأصول وتختلف في الفروع، وهي في حدود هذا الفهم مقبولة ولا بأس بها على ألا يتحول الانتماء والولاء لها إلى عصبية يزعم كل أتباع كل مذهب أنهم على الحق وغيرهم على الباطل إلى درجة أن يحرم المنتمي إلى هذا المذهب الزواج من المنتمين إلى المذهب الآخر!!

الإسلام هنا يتدخل ليعيد الأمور إلى نصابها، وذلك حين يختل ميزان العدل بين هذه المذاهب، ويبقى الولاء للعقيدة الإسلامية فوق جميع الولاءات، وتجتمع الأمة على أصل واحد تحقيقًا لقوله تعالى: «إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون» الأنبياء/ 92.

لقد بلغت العصبية للمذاهب ان جعلها البعض فوق الدين، وبدل أن يكون المذهب مدرسة فقهية تقدم للمسلمين بدائل مشروعة للأحكام الفقهية صارت سببًا في فرقة المسلمين وتنازعهم، وذهاب ريحهم، قال تعالى: «وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين» الأنفال/ 46.

لقد بلغت العصبية للمذهب حدًا صار أتباع كل مذهب يزعم أنه من الفرقة الناجية، ونبذ الجماعات الأخرى وراء ظهره، وهم بهذا يتألون على الله -تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرا- ويدعون ما لم يأمرهم به رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فحين سئل عن هذه الفرقة، قال: (الجماعة)، وهذا تعميم يدخل الأمة التي اتبعت الكتاب والسنة.

هذه عصبيات من صنع أيدينا زرعناها نحن في أرض الإسلام من دون أن نلتفت إلى خطرها الكبير، وضررها الجسيم، فما بالنا إذا ضممنا إليها ألغامًا زرعها المستعمر لبلادنا في أرضنا قبل أن يغادر حتى نظل على خلاف دائم فيما بيننا؟ وذلك حين اقتطع قطعة أرض من هذه الدولة وأعطاها جارتها، وجعل ذلك لغمًا مزروعًا يفجره متى شاء تحقيقًا لمصالحه التي لم تنته بخروجه من أرضنا بل تظل عالقة يُفَعّلُها حين تدعو الضرورة إلى ذلك، فيزرع الفرقة بين المسلمين، ويتسبب في وقف عجلة التنمية في البلدين الجارين، ويحول كل زيادة في الدخل العام إلى شراء الأسلحة وتوجيهها للحرب لا للسلم والتنمية، والسؤال المُلِحّ هو: إلى متى نبقى لا حول لنا ولا قوة نتلقى اللطمات من اليمين والشمال؟! أما آن لنا أن نصحو وأن نحل مشاكلنا العالقة بأنفسنا، ونفوت على أعداء الأمة ما يخططون من أجله، ونسعى جاهدين إلى تطهير أراضينا من الألغام المزروعة فيها؟!

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news