العدد : ١٥٤٤٩ - الجمعة ١٠ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٩ ذو القعدة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٤٩ - الجمعة ١٠ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٩ ذو القعدة ١٤٤١هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

ترامب ينضم إلى المعترفين بالخطأ

بعد الغزو الأمريكي للعراق في مارس من عام 2003 صدرت عدة شهادات عن أكثر من مسؤول أمريكي سابق تتحدث عن الخطأ الأمريكي الكبير المتمثل في غزو أمريكا للعراق والإطاحة بنظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، من بينها شهادة كولن باول رئيس هيئة الأركان الأمريكي في عهد عراب الغزو بوش الابن، هذه الشهادات، سواء تمثلت في الاعتراف بما اسمته «الخطأ» في اختلاق إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن الذي قاد عملية الغزو، لأسباب تبرر العملية، أو وجود مصلحة وطنية أمريكية تستدعي القيام بمثل هذا العمل العسكري الكبير، بعد تلك الشهادات ها هو الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في حديث لصحيفة «نيويورك بوست» الأمريكية، يضع هو الآخر شهادته على هذه الجريمة إذ يصف عملية غزو العراق بــ«أسوأ قرار تم اتخاذه في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية حيث قتل ملايين الأشخاص من كلا الطرفين».

الرئيس ترامب لم يكن موفقا بوصفه قرار غزو العراق بـ«الخطأ» الذي اقترفته إدارة بوش الابن، فالقرار لم يكن وليد الصدفة ولا علاقة له بالهجمات الإرهابية التي اقترفها تنظيم «القاعدة» الإرهابي ضد المنشآت المدنية والعسكرية في الولايات المتحدة الأمريكية في الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، بل إن التخطيط لغزو العراق والإطاحة بنظام صدام حسين كان مخططا له من قبل، ومهدت له الإدارة الأمريكية الديمقراطية بقيادة بيل كلينتون من خلال خنق العراق بالحصار الجائر إلى أن تم إنهاكه ومن ثم نفذت إدارة بوش الابن جريمة الغزو.

شهادة الرئيس الأمريكي وغيره من المسؤولين عن هذا العمل اللاأخلاقي الذي اقترفته إدارة الرئيس الأمريكي السابق بوش الابن، رغم أهميتها من الناحية السياسية والأخلاقية والتاريخية أيضا، فإنها لن تغير من الأوضاع التي تسببت فيها جريمة الغزو شيئا، فالعراق عاد إلى الوراء، اقتصاديا واجتماعيا، وثقافيا ومعيشيا، بل وحتى سياسيا، عشرات السينين إلى الوراء وأن إمكانية نهوض العراق من جديد باتت عملية في غاية التعقيد والصعوبة في ذلك ترقى إلى درجة الاستحالة.

جريمة الغزو دمرت العراق كدولة ووطن وشعب أيضا، ولو افترضنا أن يعود العقل يوما ما إلى أي من الإدارات الأمريكية القادمة وتقوم بتعويض العراق ماليا على ما سببته جريمة بوش الابن من خسائر اقتصادية كبيرة، فإن أيا من هذه الإدارات لن تستطيع تعويض الشعب العراقي عن الخسائر البشرية التي تكبدها جراء ذلك، فالملايين من المواطنين العراقيين سقطوا بين شهيد وجريح ومعاق جراء هذه الجريمة وما أعقبها بعد انهيار الدولة العراقية وتحول العراق إلى مأوى خصب لشتى أنواع الجرائم الإرهابية التي حولت العراق إلى ما يشبه المسلخ البشري.

الأمر هنا لا علاقة له بطبيعة نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين وما إذا كان هذا النظام «ديمقراطيا» و«عادلا» مع شعبه أم لا، فهذه مسألة أولا تخص الشعب العراقي دون سواه، هذا من جهة، ومن الجهة الأخرى فإن جريمة الغزو لم تجلب إلى العراق نظاما سياسيا أفضل من النظام السابق، بل على العكس من ذلك، فقد خلقت نظاما لمحاصصات طائفية وعرقية مزقت النسيج الوطني الجميل لشعب العراق ووفرت تربة خصبة لاقتتال الأقليات العرقية والدينية والمذهبية في بلد الرافدين.

هناك حقيقة يجب عدم إغفالها، وهي أن اعتراف المسؤولين الأمريكان بخطأ غزو العراق لم يكن ناجما عن «صحوة» ضمير لهؤلاء المسؤولين، وليس إيذانا بتصحيح بوصلة السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية، فجريمة غزو العراق ليست الجريمة الأولى التي تقترفها الولايات المتحدة، فالسجل الأمريكي في هذا الأمر مليء بالعديد من الغزوات والحروب، وعلى رأسها الحرب ضد الشعب الفيتنامي التي خلفت خسائر بشرية واقتصادية كبيرة، ناهيك عن غزوات أخرى مثل غزو غرينادا أو التخطيط والمشاركة في الإطاحة بالنظام الوطني الديمقراطي للرئيس سلفادور أليندي في تشيلي عام 1973.

فالمسؤولون الأمريكان عادة ما يصفون حساباتهم مع بعضهم البعض بالبحث عن أخطاء بعضهم البعض في العديد من المجالات، فاعتراف الرئيس ترامب بخطأ غزو العراق ومقارنة ذلك بخطواته بسحب القوات الأمريكية من أفغانستان وتقليل تواجدها في العراق، دوافعه ليست الاعتراف بالأخطاء السياسية لهذه الإدارة أو تلك، وإنما الترويج لما يراه «صوابا» في سياسته الخارجية، فسجل هذه الإدارة ليس نظيفا من مثل هذه الأخطاء، فإدارة الرئيس ترامب هي الإدارة الأمريكية الأولى التي تخالف القوانين والقرارات الدولية الخاصة بوضع الأراضي العربية والفلسطينية المحتلة باعترافها بالقدس عاصمة لــ«إسرائيل» وكذلك بتبعية هضبة الجولان السورية المحتلة للكيان الصهيوني. 

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news