العدد : ١٥٤٠٩ - الأحد ٣١ مايو ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٨ شوّال ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٠٩ - الأحد ٣١ مايو ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٨ شوّال ١٤٤١هـ

الاسلامي

المنهج النبوي في القيادة والإدارة: وضوح الوجهة

الجمعة ١٥ مايو ٢٠٢٠ - 02:00

بقلم: الدكتور زكريا خنجي

يعني ببساطة أن يكون القائد واضح الهدف، واضح الرؤية، واضح الرسالة، يعرف إلى أين يمكن أن يصل، ولماذا يريد أن ينتقل من النقطة (أ) إلى النقطة (ب)؟ ليس ذلك فحسب وإنما يجب أن يعرف السبيل والوسيلة التي يمكن أن يستخدمها للوصول إلى تحقيق أهدافه، بالإضافة إلى أنه يجب أن يكون ذا قدرة على إقناع أصحابه وأتباعه بكل تلك الأهداف والرؤيا وكل ما يؤمن به، وحتى يكون كذلك فإنه ينبغي أن يكون مؤمنًا بصدق بكل تلك الأهداف والرؤية وكل ما يتعلق بفكره ودعوته، أما خلاف ذلك فإنه سيكون كربان سفينة الذي لا يعرف إلى أي ميناء يمكن أن يلجأ وهو يسير في البحر، فتعصف به الأعاصير وتتقاذفه الأمواج التي تنافس الجبال في ارتفاعها، وعلى الرغم من ذلك فهو يسير ولا يعرف إلى أين المسير.

يحكى أن مجموعة من الرجال خرجوا إلى زيارة صديق يسكن في أطراف الغابة من غير أن يحملوا معهم بوصلة أو خريطة، وفي منتصف الطريق تاهوا عن الطريق الرئيسي الذي يمكن أن يوصلهم إلى وجهتهم التي لا يعرفون عنها شيئًا غير أن فيها منزل صديقهم الذي يسكن في مكان بعيد نوعًا ما عن الطريق الرئيسي، فوقفوا في الطريق ينتظرون أي مساعدة.

وهم في حالهم تلك إذ شاهدوا رجلا يسير في وسط الغابة، فذهبوا إليه يسألونه أن يرشدهم، فقال لهم: وأين يسكن صديقكم؟

قالوا: لا نعرف بالضبط.

ثم بدأ يسألهم عن صفات المنزل، وأي معلومات يمكن أن يمتلكوها، إلا أنه وجد أنهم لا يعرفون ولا يملكون أي شيء، سوى أن المنزل في مكان في أطراف الغابة، فتبسم الرجل، فقال لهم: أذهبوا في هذا الاتجاه.

فقالوا: فهل هذا الاتجاه سوف يوصلنا إلى غايتنا؟

فقال لهم: لا أعرف، ولكن بما أنكم لا تعرفون إلى أين تريدون الذهاب، فيمكن أن تسلكوا أي طريق، فلا فرق، فحتمًا كل الطرق ستؤدي إلى مكان ما.

وهذا بالضبط هو حال القائد الذي لا يعرف إلى أين يريد الذهاب، بمعنى لا يعرف وجهته، ولا أهدافه، وليست له رؤية، وربما لا يؤمن بكل الأفكار التي يبثها.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم واضحًا وعارفًا لوجهته محددًا لأهدافه منذ لحظاته الأولى من الدعوة، فعن ابن عباس قال: «صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم الصفا فقال: يا صاحباه، [وهي كلمة تقال لمن أراد أن يجمع الناس لخبر مهم وعام] فاجتمعت إليه قريش، فقالوا مالك، قال: أرأيتم لو أخبرتكم أن العدو يصحبكم أو يمسيكم كنتم تصدقوني؟ قالوا: نعم أو بلى، وفى رواية قالوا: ما جربنا عليك كذبًا، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقال أبو لهب: تبًا لك ألهذا جمعتنا؟ قال: فأنزل الله عز وجل: (تبت يدا أبي لهب وتب..)». أخرجه البخاري.

يقول شريف عبدالعزيز في الموقع الإلكتروني بالنظر في هذا الحديث نرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فهم مراد قوله عز وجل (وأنذر عشيرتك الأقربين) سورة الشعراء – الآية 214, أتم وأكمل فهم، وطبقه على الوجه الأمثل الذي يدل على حكمة وبلاغة الرسول صلى الله عليه وسلم. 

ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم من على جبل صفا وعاد إلى بيته، ولكن صيحته ودعوته لم تعد، إذ ظلت مدوية يتردد صداها في كل بيوت مكة، فلم يكن لأهل مكة حديث يومها إلا عما قاله محمد الصادق الأمين، ولم يكن أحد يشكك في صدق حديثه – إلا ما كان من أبي لهب لعنه الله – وبات الجميع يفكرون في هذا الكلام ومعناه ونتائجه. لم تمض سوى أيام معدودات حتى نزل قوله تعالى (فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين) سورة الحجر – الآية 94. فكان ذلك إيذانًا بمرحلة جديدة وفصل جديد في الدعوة، وهي مرحلة بيان عوار الباطل وزيف الجاهلية وفساد المعتقدات التي عليها المشركون من أهل مكة.

وقد كانت وجهته صلى الله عليه وسلم وهدفه واضحًا فعن تميم بن أوس الداري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليبلغنَّ هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك اللهُ بيتَ مَدَرٍ ولا وَبَرٍ، إلا أدخَله الله هذا الدين بعزِّ عزيز أو بذلِّ ذليلٍ، عزًّا يُعِزُّ الله به الإسلام، وذلا يُذِلُّ الله به الكفر»؛ رواه الإمام أحمد والطبراني والبيهقي، وصحَّحه الحاكم والعلامة الألباني.

وهكذا يستمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الوضوح، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَعْرِضَ نَفْسَهُ عَلَى قَبَائِلِ الْعَرَبِ خَرَجَ – وَأَنَا مَعَهُ وَأَبُو بَكْرٍ – إلى مِنًى حَتَّى دَفَعْنَا إلى مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ الْعَرَبِ [وهذا الحديث طويل ولكن سنستشهد بجزء منه، وجاء في نهاية الحديث] أنه حين عرض نفسه على بني شيبان قال له المثنى بن حارث: إن هذا الأمر الذي تدعو إليه مما تكرهه الملوك، وإنما نزلنا على عهد أخذه علينا كسرى، ألا نحدث حدثًا، ولا نؤوي محدثًا، فإن أحببت أن نمنعك وننصرك مما يلي مياه العرب فعلنا؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أسأتم بالرد إذ أفصحتم بالصدق، إن دين الله لا ينصره إلا من أحاطه من جميع جوانبه». رواه البيهقي في الدلائل، وحسنه الحافظ ابن حجر.

ويمكن أن يلاحظ أن بنو شيبان علموا أن دعوة النبي صلى الله عليه وسلم ستصل إلى الأرض التي يعيشون عليها وأنها ستهدد عروش الأكاسرة والأباطرة والقياصرة، ولكنهم شعروا أنهم غير مستعدين لمواجهة الفرس التي تربطهم معها معاهدات حسن جوار تمنع النزاع العسكري، إلا أنهم أبدوا استعدادهم التام لمواجهة عرب الجزيرة بأسرهم إن رغب، إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان واضحًا كعادته، فكان جوابه «ما أسأتم بالرد إذ أفصحتم بالصدق، إن دين الله لا ينصره إلا من أحاطه من جميع جوانبه»، فقد ثمن صلى الله عليه وسلم فيهم صدقهم وبيان أمرهم، ولكن رسول صلى الله عليه وسلم يعلم هدفه ومراده، شدد على قضية مهمة وهي أن من يريد أن ينصر الإسلام ودولته فعليه أن يكون مستعدًا لمواجهة العالم بأسره، فدين الله وحكمه لا بد أن يعم الأرض كلها وأن ينتشر في البلاد شرقًا وغربًا، محطمًا الحواجز المادية ومسقطًا حكم الطواغيت في كل مكان لينشر نور الإسلام في ربوع الأرض، حتى لا يذر الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله في هذا الدين.

وهذا اليقين وهذا الإيمان بهذه المبادئ وبهذه الدعوة وبهذا الإسلام لم يكن ذلك محصورا في عقلية رسول الله صلى الله عليه وسلم أو بين جوانحه هو فقط، وإنما كان واضحا لجميع الصحابة والأتباع من بعده، فربما تكفينا قصة المواجهة التي كانت بين الصحابي ربعي بن عامر ورستم قائد الفرس قبيل معركة القادسية مثلاً:

قال رستم: ما جاء بكم؟ وهو يكلم ربعي.

ربعي: لقد ابتعثنا اللهُ، (لماذا؟)

لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، 

ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، 

ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، 

فمن قَبِلَ ذلك منا قبلنا منه، وإن لم يقبل قبلنا منه الجزية، وإن رفض قاتلناه حتى نظفر بالنصر.

رؤية وأهداف واضحة ومحددة، فالمهمة ليست للبحث عن الغنائم، أو الطغيان في البلاد، وإنما نشر الإسلام، ونشر التوحيد، وتحرير البشرية من ظلم العباد إلى عدل الإسلام.

فإن كانت الرؤية والأهداف والرسالة واضحة عند الأتباع وبهذا الوضوح الذي لخصه ربعي بن عامر، فهل يمكن أن تكون ضبابية وغائبة عند القائد الذي يُعد هو ناشر الفكرة والرؤية والأهداف؟

إذن، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف إلى أين الوجهة والمسير. 

Zkhunji@hotmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news