العدد : ١٥٤٠٧ - الجمعة ٢٩ مايو ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٦ شوّال ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٠٧ - الجمعة ٢٩ مايو ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٦ شوّال ١٤٤١هـ

الاسلامي

الإنسان في القرآن/4

الجمعة ١٥ مايو ٢٠٢٠ - 02:00

بقلم: عاطف الصبيحي

عجبًا لسمو مكانة هذا الإنسان عند بارئه ورفعة القيمة التي يتمتع بها، بحيث يكون له هذا النصيب الوافر من الاهتمام، وعندما تسترسل في سورة البقرة، تصادفك وللمرة الرابعة الآية الكريمة «الذين يُنفقون أموالهم في سبيل الله ثمّ لا يُتبعون ما أنفقوا منًا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون» 262 البقرة، المعنى العام لهذه الآية لا يُغادر الإحسان المُشار إليه في الآية 112 من سورة البقرة، ولكنه هنا يُحدد وجهًا معينًا مهمًا من جوانب الإحسان تقوم عليه الحياة، وقرنه قرنًا قويًا بشرط نفسي حضاري «تجنب المن والأذى»، والذي لا يكاد يقل أهمية عن الإنفاق ذاته، ليُعلمنا أهمية الجانب المادي في حياة الإنسان، ولنُدرك قيمة الجانب النفسي فيه أيضًا، والارتباط العضوي بينهما في صالح المتفضل والمفضول، المُعطي والمُتلقي.

في الآية الكريمة آنفة الذكر بديهيات نتناولها بعجالة، أولها التعبير عن المساعدة والعون بكلمة الإنفاق، وما لها من دلالة عمومية لا تقف عند حدود الزكاة والصدقة، مما يُدلل على أهمية الجانب المادي في ديمومة الحياة عند الإنسان المحتاج، وما للإنفاق العام من ظلال عظيمة على مد جسور المحبة والأُلفة بين الناس، كما ورد في الأثر «أنّ النفوس مجبولة على حُب من يُحسن إليها», وهذا أمر بغاية الأهمية للوصول إلى حالة الجسد الواحد، أو الاقتراب منها.

وثاني اللفتات البديهية هي أن نحرص على «في سبيل الله» للتخلص من حظ الذات عند العطاء، والأمر الثالث مركوز في أداة التعقيب المتراخية «ثمّ» والتي تحمل بين طياتها تحذيرًا طويل الأمد من اتباع الإنفاق بالمن والأذى، وعدم اقتصار ذلك على لحظة الإنفاق أو ما يعقبها مباشرة، وذلك لضمان قبولها عند الله، لأنها تقع في كف الرحمن قبل كف الإنسان «فمن ذا الذي يُقرض الله».

التخصيص الوارد في هذه الآية الكريمة، وتحديده بالإنفاق، لما يحمله من دلالات غاية في السمو ففيه إدامة الحياة وما يترتب عليه من ترطيب للنفوس التي لا تجد ما تنفقه، أو التي لا تجد الكفاية من الإنفاق، وفيه توثيق عُرى المحبة بين أبناء الدين الواحد والوطن الواحد واللسان الواحد والمُختلف معهم أيضًا، فإحياء النفوس بالأمل مما يترتب على الإنفاق أيضًا، وتخفيض منسوب الانحراف المادي نتيجة حتمية لمجتمع يسوده التواد من خلال الإنفاق.

ولعل اللغة تفرض نفسها في هذا المقام، والمعاني اللغوية المُتعلقة بعميلة الإنفاق تعتبر مُحفزًا، ودافعًا لأصحاب النفوس الكبيرة والهمم العالية، وخاصة إذا ما كانت الدلالات ذات صلة بأسماء الله الحسنى، فكما هو معلوم فالله تسمّى بالجواد، والجواد هو الذي يعطي بغير سؤال تفضلاً ورحمةً، وهذه هي الحالة المُثلى لذلك ارتضاه ربنا لنفسه العلية صفةً، فما علينا نحن العباد سوى الامتثال بها ومحاولة امتثالها في حياتنا اليومية مع من هم دوننا ماليًا، كما وأضفى على نفسه صفة الكرم أيضًا فتسمّى بـ«الكريم» وهذه لا يُطيقها إنسان لأنها لا تكون إلا في المحاسن الكبرى كالرزق الكريم والمُدخل الكريم، وأما على المستوى الإنساني يُقال أنّ فلانًا سخي لأنه يُسأل فيعطي، وهذا شهر السخاء والعطاء لكن من دون المن والأذى، فهل من مُدكر.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news