العدد : ١٥٤٠٧ - الجمعة ٢٩ مايو ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٦ شوّال ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٠٧ - الجمعة ٢٩ مايو ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٦ شوّال ١٤٤١هـ

مقالات

البحث عن «دليل إرشادي» للتعامل مـع مـرحـلـة مـا بـعد الجـائـحـة يعد هدرا للوقت

{ بقلم: فرانسوا فرج الله

الجمعة ١٥ مايو ٢٠٢٠ - 02:00

قد تكون مقارنةُ التصحيحاتِ السابقة للأسواقِ المالية بما تمر به اليوم في ظل انتشار وباء كورونا بمثابةِ اختيار أعظم لاعب كرة قدم أو بطل ملاكمة للوزن الثقيل في التاريخ؛ هل هو بيليه أم مارادونا؟ محمد علي أم جو لويس؟

نعلم في قرارة أنفسنا أن هذه المقارناتِ مستحيلة لكننا نقومُ بها رغم ذلك. بما أن الوباءَ زعزعَ الأسواقَ المالية العالمية، من الطبيعي أن نبحثَ عن دروس مستفادة من أزمة عام 2009. أو حتى أزمة عام 1929 مع تدهور الوضع بشكل أكبر.

وكما أننا لا نضع استراتيجياتنا الاستثمارية المستقبلية بناءً على الأداء السابق لفئات الأصول، فلا ينبغي لنا أن نفترض أن هناك دليلًا إرشاديًّا جاهزًا للتعامل مع الأزمات السابقة الذي بدوره يمكن أن يوفر حلولاً للتحديات الحالية التي تواجهها الأسواق. هذا لأن الأزمات السابقة كانت ذات طبيعةٍ مالية، أما الأزمة الحالية فهي أزمة وجودية.

 كما أنها تغير سلوكياتنا اليومية بطريقة لم تفعلها الأزماتُ السابقة، وبالتالي لا بد لها أن تغير سلوكَ المستثمرين أيضًا. وهذا لا يعني بالطبع أن الانهيارات التاريخية في الأسواق المالية لا تحمل بعض الدروس المستفادة التي تنطبق على ما يحدث اليوم. نحن نعلم، على سبيل المثال، أن معظم تصحيحات السوق تجري على مدى أسابيع قليلة تتبعها فترة من التقلبات، ثم يليها انتعاش السوق.

سيعتمد معظم ما سيحدث في الأسواق المالية على موعد بدء ذروة وباء فيروس كورونا «كوفيد-19»، والذي سيحدد متى ننتقل مما يسمى «لحظة مينسكي»، التي تشير إلى الانهيار المفاجئ لقيم الأصول ونهاية دورة النمو، إلى فترة جديدة من الاستقرار.

وعلينا أن نتذكر في تتبعنا لهذه العملية أن ما نشهده الآن في قيم الأصول لا يتعلق بكامله بتبعات الوباء في حد ذاته، بل بكيفية استجابة الأسواق لفترة ممتدة من النمو المعتمد بشكل كبير على الاقتراض المرتبط بعصر انخفاض أسعار الفائدة والتيسير الكمي في العقد الذي أعقب الأزمة المالية الأخيرة.

انتهت أزمتا عام 1929 وعام 2009 تاركتين وراءهما العالم غارقًا في الديون. وسوف يتكرر ذلك مرة أخرى، الأمر الذي يعطينا فكرة عن السياسات المحتملة التي سيضعها البنك الاحتياطي الفيدرالي والبنك المركزي الأوروبي وأهم حكومات العالم استجابة للأزمة، في سعيهم إلى تخفيف العبء المالي على قطاعاتهم الرئيسية وعوامل توليد الثروة والسكان.

نحن نشهد اليوم عدم استجابة أصول «الملاذ الآمن» في هذه الأزمة كما توقعنا في الماضي، لأن فكرة الملاذ الآمن نفسها تواجه تحديًا بسبب هذا الوباء.

من الناحية الموضوعية، ستصبح الصحة والديموغرافيا، والتكنولوجيا خاصة، جزءًا أكبر بكثير من المحفظة الاستثمارية في مرحلة ما بعد الوباء.

فالتكنولوجيا هي التي أبقت العائلات المتباعدة على اتصال في الأسابيع الأخيرة، وهي التي سمحت لنا بالقيام بوظائفنا من المنزل وتدريس أطفالنا في نفس الوقت. كما أن التكنولوجيا هي التي ساعدت الحكومات على رسم خريطة لانتشار فيروس كوفيد-19 وتتبعه، وبالتالي إنقاذ الأرواح.

وسيواصل الإحلال الرقمي الذي كان قيد التنفيذ في بعض القطاعات والعمليات قبل أن نسمع عن هذا الفيروس في التقدم، ويستمر دوره في التأثير على المحافظ الاستثمارية وتعديلها وفقًا لذلك.

وبعيدًا عن هذه القطاعات الفردية التي تجتذب بالفعل مزيدًا من الاستثمارات، من المرجح أن نرى تركيزًا أكبر على الاستدامة مع تصدر الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات المشهد مرة أخرى. لقد كان الوباء درسًا للجميع، إذ علّمنا كيف يمكن لمشكلة، كان يُنظر إليها على أنها مسألة نظرية وبعيدة الحدوث، أن تتحقق بشكل مفاجئ وتقلب الموازين.

ربما يكون الفيروس الغريب الذي ظهر في مدينة في الصين قبل بضعة أشهر فقط قد شغل تفكيرنا قليلاً بشكل عرضي، تمام كمسألة ذوبان الجليد في القطبين بسبب التغير المناخي؛ التي قد تكون مُقلقة، ولكنها لن تحرمك النوم مثلاً - ما لم تغمر المياه شقتك على الأقل. لكن الوضع اليوم مختلف تمامًا. لقد علمنا الوباء أننا بحاجة إلى الاستثمار في أسلوب حياة أكثر استدامة بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى.

‭{‬ الرئيس العالمي لشؤون الشرق الأوسط وإفريقيا لدى شركة «إندوسويس» لإدارة الثروات

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news