العدد : ١٥٤٥٣ - الثلاثاء ١٤ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٣ ذو القعدة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٥٣ - الثلاثاء ١٤ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٣ ذو القعدة ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

أبوابٌ ليس لها أقفال

بقلم: فاطمة عادل سند

الأربعاء ١٣ مايو ٢٠٢٠ - 02:00

يعود علينا الشهر الفضيل بما يحمله من رحمات ونسمات إيمانية وأبوابنا للمرة الأولى مغلقة.. المكوث بالمنزل وتحري السلامة لنا ولمن نحب وسَّع أفقنا للتأمّل، لتعود بي الذاكرة إلى مرحلة الطفولة وتحديدًا «فريجنا» بالمحرق قرب مسجد بومنارتين وكأنني أرى المكان الآن أمامي، عائلة ممتدة كبيرة يسكن أفرادها معًا في بيت واحد أبوابه مفتوحة دائمًا كصدورنا، أرى نساء الفريج داخلات على فترات متقطعة من اليوم، ومجلس البيت عامرٌ في كلّ المناسبات لا يتوقّف عن استقبال الرجال. توقّفت قليلًا لأبحث عن قفل للأبواب في ذاكرتي فلم أجده، إنها البحرين.

البيت العود أصبح فارغًا، بل تحوّل إلى موروث أثريّ في تفاصيله العمرانيّة، وتحوّلنا إلى بيوت متفرّقة في المحرق وما جاورها، وليس عجبًا أنْ تظلّ بيوتنا بلا قفلٍ، مفتوحة مُشرَعة كأحضاننا تستقبل الجيران والأهل والأصدقاء.. لكن، استطاع اليوم مجرد فيروس مَهين مُتناهٍ في الصغر لا يكاد يبين، أن يُوصِد هذه الأبواب ولو إلى حين، أبوابا لطالما لم تقفل على مرّ السنين.. واستطاع أن يؤجل اجتماع العوائل الكبيرة زمنا غير قصير.. وأن يعطّل إحياء العادات والتقاليد الرمضانية في شهرنا هذا، فيكسر خاطر الكبير قبل الصغير.

ولكن الخير استطاع الاستمرار ولم يمنعنا أن نبارك بالشهر ونتبادل التهاني، بعزيمتنا لم تقف هذه الجائحة دون تكاتف أهل البحرين.. فكعادتهم هبّوا إلى تلبية نداء الواجب؛ فقدّموا المساعدات، وتهاطلت التبرعات، وتنادى الجميع إلى التطوّع، كل بما يستطيع، حتّى عمّ الخير على الجميع.

عندما فتحتُ أبواب الذاكرة على بيوت البحرين وأهلها، تأكّدت أنّ القلوب كانت ولا تزال مفتوحة قبل الأبواب، وازددتُ يقينا أنّ سياسة «الأبواب المفتوحة» ليست شعارات مُناسباتيّة جوفاء، وإنّما هي حقيقة من تاريخ هذا البلد الأصيل، هي أساس قيمنا الوطنية البحرينية الجامعة التي تعكس تكاتفنا وتضامننا وتواضع أهل البحرين الذين تَواصَوْا بالصبر على المحن، وتواصَوْا بِبَذْل الخير لأجل الوطن. نعم، إنّ الانفتاح والتسامح وقبول الآخر ليست شعارات مُستوردة من كتب الغرب، بل هي من صميم تكوينة «فرجان ديرتنا» وتوليفة «أهلنا لول»، فلا يجدون حرجًا في التزاور وطلب العون، وفي الفزعة تجدهم سبّاقين، ولنجدة الآخرين ملهوفين، فلله درّكم يا هَلِي، يا أهل البحرين.

عندها فقط تلاشى ما اعتراني من حزن في أن نشهد رمضاننا هذا في ظروف مغايرة.. لكن، إنّ الأبواب وإنْ رُدَّت احترازيّا، فإن ليس لها أقفال في بيوتنا. الخير دائما يجمعنا والتواصل يستمر بما هيّأته لنا ويسّرته وسائل التواصل الحديثة، وإنّ القيم البحرينية والحسّ الوطني والانتماء الذي يجمعنا هو الذي يحثنا على الالتزام بالتدابير الاحترازية واتباع التعليمات من الحكومة الموقرة.

مرورا بذاكرة الماضي، عبورا بتلك الأيام الخوالي، وصولا إلى واقعنا الحالي.. استوقفتني مشاهد من المفارقات في زمن الكورونا؛ حيث نرى دولا صُنِّفت متقدمة بين الدول ومُصدّرة للفكر المنفتح وحقوق الإنسان، وسَوّغَت لنفسها سنوات تقييم غيرها من المجتمعات.. نجدها اليوم تغلق أبواب الأمان والطمأنينة أمام رعاياها المواطنين، وتنذرهم بأيام صعبة وفقدٍ للأحبة، وتمنع العلاج عن الناس العالقين أو المقيمين. في حين أنّنا تحت مظلة هذا الوطن بيتنا الكبير وظلنا الوفير نفتح مجالات العلاج والعناية والتوعية لجميع من هم على أرض البحرين من مواطنين ومقيمين ووافدين بجواز عبور وحيد يسمّى الإنسانيّة. 

في جائحة كورونا لم تترك البحرين بابًا موصدًا في هذه الأزمة إلا وجعلت منه مخرجًا؛ فانظر إلى العناية الصحية المتقدمة، إلى حماية الطفل ومراعاة المرأة وتكييف الظروف لهما، وانظر إلى الإجراءات المتخذة لدعم الاقتصاد الوطني، وتعويض خسائر الأفراد والمؤسسات، وانظر إلى القرارات والإجراءات في التربية والتعليم وكيف تمّ إنقاذ الفصل الدراسي.. وانظر كيف حافظت البحرين لكلّ من هو موجود على هذه الأرض الطيبة أمنه وكرامته.

عسى الله  أن يحفظ هذه الأرض وتنعم بأمنها وأمانها، فالبحرين، قيادة وحكومة وشعبا ستظلّ أبوابها مفتوحة للخير دائما، وسيبقى التعاون واجبا مقدّسا، وستبقى قوّتنا في لحمتنا الوطنية، وسنظلّ على العهد في كل أزمة نبرهن للعالم تماسكنا وانتماءنا ونبذنا للعنصرية والأنانية في التعامل مع التحديات الجماعية.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news