العدد : ١٥٤٥٣ - الثلاثاء ١٤ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٣ ذو القعدة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٥٣ - الثلاثاء ١٤ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٣ ذو القعدة ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

نظريات المؤامرة حول مرض كورونا

بقلم: د. إسماعيل محمد المدني

الأربعاء ١٣ مايو ٢٠٢٠ - 02:00

في كثيرٍ من الكوارثِ والأحداثِ الرهيبةِ الغامضةِ التي تنزلُ على البشريةِ، نجدُ أن هناك الكثيرَ من نظرياتِ المؤامرةِ المطروحةِ والتي تحاولُ تفسيرَ مصدرِ وأسبابِ نزول هذه الوقائعِ المؤلمة، وتسعى إلى توجيه أصابعِ الاتهامِ نحو أشخاصٍ، أو مؤسساتٍ، أو دولٍ بأنها تقف وراءها.

وعادةً ما تتمخضُ عن كلِّ هذه النظرياتِ المختلفة، نظريةٌ واحدةٌ عامة تكونُ هي النظريةُ التي تسودُ أمامَ العالم وهي التي تقدِّمُ التفسيرَ «الرسمي» لتفاصيلِ الكارثة، وهذه النظريةُ تحظى بالاتجاه العام العالمي واعتمادِ الدولِ والمنظماتِ الأمميةِ الدولية، إضافةً إلى تغطيةِ وسائل الإعلام في كل أنحاءِ العالم.

أمَّا النظريات الأخرى فتكون في الغالبِ مهمشةً واستثنائية، وعادة لا تحتوي على الدليلِ العلمي المحسوس، ولا تُقدم الوثائقَ الدامغة، والتفسيراتِ القوية لتبريرها. 

فهناك الآن عدةُ نظرياتٍ وتفسيرات لمصدر فيروس كورونا الجديد، أو «كوفيد-19» فأمَّا النظرية السائدة والمقبولة والتي تحظى حتى الآن بقبولِ الكثير من الدول والمنظمات والعلماء فتتلخص في أن مسقطَ رأس الفيروس ومكان ولادته هو مدينةُ ووهان الصينية، وبالتحديد سوق هيونان لبيع الكائنات البحرية (Huanan Seafood Wholesale Market)، وفي هذا السوق تُباع كل أنواع الكائنات البرية والفطرية المستأنسة وغير المستأنسة والنادرة والمهددة بالانقراض. ومن هذا السوق انتقل الفيروسُ الغامضُ من أحد الحيواناتِ إلى الإنسان، ثم انتقل من الإنسانِ الحاملِ للفيروس والمريض إلى الناسِ الآخرين الذين اختلطوا معه. فهذه النظرية التي يتداولها معظمُ الناس تُفيد بأن الفيروس «طبيعي»، أي أنه غير مصنَّع أو محور جينيًّا من قبل البشر في المختبرات، وأنه موجودٌ في الخفاش، إذ انتقل من الخفاش إلى الإنسانِ مباشرة، أو من خلال حيوانٍ آخر وسيط انتقل إليه الفيروسُ من الخفاش، ثم وصل أخيرًا إلى بني آدم.

وفي المقابل هناك نظرية المؤامرة الأولى التي بدأتْ تأخذ زخمًا قويًّا هذه الأيام، وتلقى قبولًا في بعض الأوساط السياسية، وهذه النظرية يتزعمها البيتُ الأبيض الأمريكي ممثلا في الرئيس ترامب ووزير الخارجية بومبيو. فقد قال ترامب في 30 أبريل إن مصدر فيروس كورونا هو معهد ووهان لعلم الفيروسات (Wuhan Institute of Virology)، وهو أول مختبر للأمن الحيوي من المستوى الرابع، وأفاد بأن الفيروس تسرَّب إلى البيئةِ ربما عن طريق الخطأ، ثم أشار ترامب في الثالث من مايو إلى أن الصين قد تكون عمدًا سمحت بالمصابين الصينيين عند بدء الوباء في الخروجِ من الصين لنقل العدوى، وجاء بعدها وزيرُ الخارجية في الثالث من مايو في مقابلة مع الشبكةِ التلفزيونية الإخبارية أي بي سي ليؤكد أن «لديه أدلة كثيرة تُثبت بأن الفيروس نتج في المختبر». وعلاوة على ذلك، فقد اتهم تقرير منشور في الأول من مايو من وزارة الداخلية، أو وزارة الأمن الداخلي الأمريكي (US Department of Homeland Security) دور الصين في نشر الفيروس وإخفائها الحقائق الأولية المتعلقة بتفشي المرض، وصمتها عمدًا أمام المجتمع الدولي بعدم تقديم المعلومات الصحيحة والدقيقة. وكان الهدف من ذلك هو استيراد أكبر عدد ممكن من الأجهزة واللوازم الطبية لمواجهة المرض، إضافة إلى منع الصين الشركات من تصدير الأجهزة الطبية منذ مطلع شهر يناير والقيام بتخزينها، إذ زادت استيرادات الصين من الكمامات بنسبة 278%، والملابس الطبية 72%، والقفازات 32% بحسب التقرير الصادر من الشبكة الإخبارية الأمريكية أي بي سي ومجلة بوليتيكو (Politico)، كما خفضت في الوقت نفسه تصديراتها بنسبة 45% من أجهزة التنفس الصناعية، و53% من أجهزة قياس الحرارة، و48% من القفازات، و71% الملابس، و48% من الكمامات الطبية. 

وجدير بالذكر فإن هناك جهاتٍ رسمية وخبراء أمريكيين لا يوافقون البيت الأبيض كليًّا على هذه النظرية المؤامراتية، فقد صرح أنتوني فوشي خبير الأمراض المعدية وعضو فريق العمل الاتحادي المعني بإدارة وباء كورونا أنتوني فوتشي بأن الفيروس لم يتسرب من المختبر، وأنه جاء من البيئة ودخل في أحد الأنواع الحيوانية. كما أن هناك نحو 17 وكالة تجسس واستخبارات أمريكية أشارت بحسب تحقيق صحيفة الواشنطن إكْزَمينر (Washington Examiner) في الثاني من مايو، إلى أن الفيروس ليس من صنع البشر، أي أنه لم يُنتج في المختبر، ولم يحوَّر جينيًّا باستخدام تقنيات الهندسة الحيوية، ولكن الفيروس من المحتمل أنه قد تسرب أثناء وقوع حادثة بالصدفة من غير قصد، ومن دون أي تعمد من مختبر ووهان. وتضيف هذه الوكالات أن مصدر الخطأ، إما أنه كان عن طريق انتقال الفيروس من الحيوان الذي يحمل الفيروس إلى الإنسان عن طريق الاتصال الجسدي، أو هروب الحيوان من المختبر ونقل العدوى الفيروسية، أو أخطاء أخرى وقعت في المختبر. 

وعلاوة على ذلك فإن «ائتلاف أمم العيون الخمس» (Five Eyes) وهو وكالات استخباراتية تضم الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وكندا وأستراليا ونيوزلندا، قد أكد بحسب تقرير صحيفة النيويورك تايمز في الرابع من مايو وتحقيق من سي إن إن في الخامس من مايو، بأن الصين أخفت عمدًا الأدلة عند بدء انتشار الفيروس، وفي الوقت نفسه أشار الإتلاف الاستخباراتي إلى أن الفيروس جاء من سوق في الصين، وليس عن طريق حادثة بالصدفة وقعت في مختبر بالصين. ولذلك نجد عدم وجود توافق تام بين أجهزة الاستخبارات الغربية حول مصدر الفيروس، كما أن هناك عدمَ توافقٍ كلي بين آراء البيت الأبيض بالنسبة إلى نظرية المؤامرة وآراء أجهزة الاستخبارات بشكلٍ عام.

أما نظرية المؤامرة الثانية التي ظهرت لتفسير وقوع هذا البلاء العقيم على البشرية فتتمثل في توجيه أصابع الاتهام نحو الرئيس السابق لشركة ميكروسوفت الأمريكية العملاقة، بيل جيتس، وتحميله المسؤولية في هندسة هذا الوباء، واستغلاله التربح من ورائه والسيطرة على الناس. فقد ورد في تقرير الواشنطن بوست في الثاني من مايو بأن أسباب وجود الشكوك حول جيتس تُعزى إلى تصريحات أدلى بها في عام 2015 وحذَّر فيها من أن الفيروسات أشد تهديدًا للصحة العامة وللبشرية جمعاء، وأن الفيروسات تعد السلاح الأخطر الذي يجب مواجهته والتصدي له. كذلك من مبررات اتهام جيتس بأنه يقف وراء الوباء هو دفاعه عن منظمة الصحة العالمية عندما أوقف ترامب التمويل عن المنظمة، إضافة إلى أنه في فبراير من العام الحالي خصص مبلغ 100 مليون لمكافحة المرض وطرق التحاليل والعلاج والكشف عن الدواء واللقاح والتطعيم ضد المرض، ثم في 15 أبريل أضاف 150 مليونا لهذه الجهود العلاجية والوقائية.

وعلاوة على ذلك، تصدرت وسائل الإعلام الروسية الوقوف وراء هذه المؤامرة وادعتْ بأن بيل جيتس يحاول زرع رقائق الكمبيوتر في الناس، وبالتحديد من خلال القناة الروسية الأولى التي بثت برنامجًا تحت عنوان: «رجل وقانون» في شهر أبريل من العام الحالي، بحسب ما جاء في تقرير مجلة النيوزويك في السادس من مايو من العام الحالي. كما أن بعض وسائل الإعلام الروسية روجت لنظرية مشابهة بأن الفيروس «سلاح حيوي محوَّر جينيًّا تم إنتاجه لزرع رقائق الكمبيوتر في الناس من أجل إنشاء نظام عالمي جديد».

ونظرية المؤامرة الثالثة فهي تدور حول شبكة الجيل الخامس «5 جي» من وسائل الاتصال اللاسلكية، حتى أن مفتي مصر السابق علي جمعة دخل على خط اتهام الجيل الخامس بالمسؤولية عن تفشي المرض في 14 أبريل، إذ قال إن «إطلاق آلاف الأقمار الصناعية لبدء العمل في شبكات الجيل الخامس قد هيأ الأجواء لتفشي الفيروس لأنه غيّر من كهرومغناطيسية الأرض». وقد لاقت هذه النظرية آذانًا صاغية من البعض في بريطانيا إلى درجة أن بعض المشاغبين في مدينة بيرمنجهام أحرقوا أبراج الهواتف النقالة وتعدوا على مهندسي شركات الهواتف المعنية بالجيل الخامس في الثالث من أبريل. وقد قُدِّمت عدة تبريرات لهذه النظرية، منها أن مدينة ووهان الصينية هي أول مدينة تدشن هذه التقنية وهي أول مدينة يتفشى فيها المرض، كما أفاد المدافعون عن هذه النظرية بأن هناك علاقة بين وقت انتشار فيروس كورونا والشروع في استخدام الجيل الخامس، وأن هذا الوباء سينتشر في كل مدينة بدأت باستعمال الجيل الخامس. 

وبناءً عليه فإننا نعيش في عصر «النظريات» حول وباء كورونا ومصدر هذا الفيروس الغامض والجديد، والنظرية التي تقدم الأدلة العلمية الدامغة هي التي ستفوز في نهاية المطاف، وحتى ذلك الوقت فأنا مع النظرية السائدة التي تقف وراءها منظمة الصحة العالمية والكثير من العلماء، والتي هي في حد ذاتها عليها الإجابة عن عدة أسئلة أطرحها شخصيًا: كيف وصل الفيروس إلى سوق الحياة البرية في ووهان؟ وما هو اسم الحيوان المتهم بحمل الفيروس؟ وكيف انتقل هذا الفيروس من الحيوان إلى الإنسان؟ وبعد كم يوما بالضبط تظهر الأعراض على الإنسان المصاب بالمرض؟ وهل ينتقل الفيروس عبر الهواء فيعدي الناس؟

bncftpw@batelco.com.bh

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news