العدد : ١٥٤٥٣ - الثلاثاء ١٤ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٣ ذو القعدة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٥٣ - الثلاثاء ١٤ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٣ ذو القعدة ١٤٤١هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

حكومة العراق في مواجهة المأزق

هل انتهت اللعبة الأمريكية الإيرانية على الساحة العراقية، أم أنها مجرد استراحة مؤقتة قبل استئنافها في مختلف الميادين فوق هذه الساحة التي تحولت إلى أكبر ملعب سياسي واقتصادي وأمني وعسكري مفتوح أمام لاعبين كثر منذ الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، فالحكومة العراقية الجديدة التي أبصرت النور بعد تعثر تشكيلها على مدى أكثر من خمسة أشهر، هذه الحكومة التي يرأسها مصطفي الكاظمي، ما كانت لتخرج إلى النور لو لم تطفأ الأنوار الحمراء الأمريكية والإيرانية التي عطلت على مدى الخمسة الأشهر الماضي جميع محاولات تشكيل مثل هذه الحكومة، رغم ما يعانيه العراق من اضطرابات شعبية واسعة احتجاجا على تردي الأوضاع المعيشية وتفشي الفساد وتغلغله في معظم مفاصل الدولة العراقية.

العراق بعد الغزو الأمريكي فقد استقلاليته الحقيقية، المسألة لا تتعلق بإدارة شئونه الداخلية والخارجية أيضا، وإنما بقدرته على اتخاذ القرارات الاستراتيجية فيما يتعلق بعلاقاته الخارجية، ذلك أن ما تملكه على سبيل المثال لا الحصر، كل من إيران وأمريكا من أوراق على الساحة العراقية، ينعكس سلبا على استقلالية القرار الوطني العراقي، وقد تجلى هذا بوضوح خلال أزمة تشكيل الحكومات العراقية وآخرها الحكومة الأخيرة التي تعطلت على مدى أكثر من خمسة أشهر، ليس لأسباب داخلية كما يتم الترويج له، وإنما بسبب الضغوط التي مارستها كل من واشنطن وطهران على المشهد السياسي الداخلي في العراق.

رغم اللعبة الديمقراطية التي تمارس في العراق منذ الإطاحة بنظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين ومشاركة أحزاب ذات توجهات سياسية وأيديولوجية مختلفة في هذه اللعبة، ورغم ما تظهره هذه الأحزاب من صراعات سياسية بينها على الساحة الوطنية، وتقدم صورة للعراق شبيهة بصورة البلدان الديمقراطية الأخرى، رغم كل ذلك، فإن كل متابع للشأن العراقي يدرك ويعلم أيضا، أن جل الأحزاب السياسية العراقية الكبيرة لها ارتباطات وثيقة بالقوى الخارجية وهي تحرص كل الحرص على الدفاع عن مصالح تلك القوى، وتحديدا مصالح كل من أمريكا وإيران. 

رئيس الوزراء العراقي الجديد وبعد تأديته اليمين الدستورية تلقى ترحيبا واسعا من جانب كل من أمريكا والعراق الأمر الذي يوحي بأن هناك توافقا ضمينا بين اللاعبين الرئيسيين على الساحة العراقية فيما يتعلق بهذه القضية التي بقت معلقة لأكثر من خسة أشهر، ربما يعود ذلك إلى تقاطع مصالح أمريكية إيرانية، وربما كان لجائحة «كورونا» التي تجتاح العالم دور في «التهدئة» الأمريكية الإيرانية على الساحة العراقية، لكن العبرة ليس في تشكيل الحكومة العراقية، رغم أهمية ذلك، وإنما في قدرة الحكومة الجديدة على تحويل هذه «التهدئة» الأمريكية الإيرانية إلى هدنة دائمة على الساحة العراقية.

بلا شك فإن الترحيب الأمريكي الإيراني بالحكومة العراقية الجديدة برئاسة الكاظمي، يعني أن الطرفين قررا تهدئة غير معلنة على الساحة العراقية، ولكن من المشكوك فيه أن يحولانها إلى هدنة دائمة، لأن هذه الهدنة تعني بصريح العبارة التوقف عن التدخل المباشر في الشأن الوطني العراقي، وهذا أمر مستبعد جدا، وخاصة أن الساحة العراقية أصبحت أفضل ساحة بالنسبة إلى الطرفين لتحدي بعضهما البعض، بل والصدام أيضا، أما الجانب العراقي فهو لا يملك خيار منع مثل هذا التدخل لأسباب كثيرة، يأتي في مقدمتها فقدان السيادة الوطنية الكاملة بعد جريمة الغزو الأمريكي.

وجاءت ولادة الحكومة العراقية في ظروف غاية في الصعوبة، سواء تلك التي خلقها انتشار وتفشي فيروس «كورونا» مع ما يعانيه العراق من صعوبات اقتصادية كثيرة خاصة في ظل انهيار أسعار النفط الذي يشكل المورد المالي الرئيسي للدولة، وكذلك مواجهة احتجاجات الشارع المستمرة والمتواصلة، هذه الاحتجاجات ستشكل بكل تأكيد عقبة كأداء أمام رئيس الوزراء الجديد المطالب من قبل المحتجين بمعالجة أخطر ملف يوجهه البلد وهو ملف الفساد، وليس مستبعدا أن تطيح هذه الاحتجاجات برئيس الوزراء الجديد كما أطاحت بغيره، حتى في ظل «التهدئة» غير المعلنة بين أمريكا وإيران في العراق.

من المبكر جدا التنبؤ بقدرة رئيس الوزراء العراقي الجديد على مواجهة الملفات الثقيلة والمعقدة التي تراكمت خلال السنوات الماضية والتي بقت دون علاج من جانب الحكومات المتعاقبة، فإلى جانب الفشل السياسي الذي يعاني منه العراق بسبب نظامه السياسي الذي رسمه الحاكم العسكري الأمريكي السابق للعراق بول بريمر، أي نظام المحاصصة العرقية والطائفية، فإن البلد يواجه معضلة معيشية واقتصادية صعبة جدا، انعكست على حياة المواطن العراقي، وهذه المعضلة تعد واحدة من الأسباب التي حركت الشارع ودفعت بالمحتجين إلى النزول إلى الشوارع بعشرات الآلاف وفي مختلف المدن العراقية، مهمة رئيس الوزراء الجديد ليست سهلة، ليس فيما يخص معالجة المشاكل الداخلية فحسب، وإنما في توفيق علاقة العراق مع كل من إيران وأمريكا، فالدولتين هما الأكثر تأثيرا على مستقبل الحكومة العراقية.

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news