العدد : ١٥٤٠٩ - الأحد ٣١ مايو ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٨ شوّال ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٠٩ - الأحد ٣١ مايو ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٨ شوّال ١٤٤١هـ

رسائل

الرابحون والخاسرون من اتفاق «أوبك+» لخفض إنتاج النفط

مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية

الثلاثاء ١٢ مايو ٢٠٢٠ - 10:28

نجح تحالف (أوبك+)، والمكون من أعضاء منظمة الدول المنتجة للنفط (أوبك)، بقيادة السعودية، والدول الخارجية المنتجة له (بقيادة روسيا)، في التوصل إلى اتفاق لخفض الإنتاج العالمي من النفط، وصف بـ«التاريخي»، حيث يعد أكبر خفض من نوعه في تاريخ إنتاج الخام العالمي، وذلك بعد انخفاض الطلب الذي تسبب فيه الإغلاق الناجم عن فيروس كورونا، وما نتج عن ذلك من حروب أسعار النفط.

تضمن اتفاق (روسيا-أوبك) تأكيد التزام الدول المشاركة بتحقيق الاستقرار في أسواق النفط، وتوفير إمدادات آمنة واقتصادية، وذلك من خلال خطة لخفض إنتاج النفط بمقدار 9.7 ملايين برميل في مايو ويونيو، أي ما يعادل10% تقريبا من الإمدادات العالمية. ومن المقرر أن تستمر هذه التخفيضات حتى أبريل 2022 على الأقل. ونتيجة لهذا، سينخفض إنتاج النفط بما يعادل 7.7 ملايين برميل يوميا بحلول نهاية عام 2020، وبحلول أبريل 2022 ستنخفض مستويات إنتاج النفط العالمية بمقدار 5.8 ملايين برميل يوميا لتصبح مستويات الإنتاج أقل عما كانت عليه قبل الجائحة. ودعم الاتفاق كل من الولايات المتحدة والصين والهند واليابان، ووافقوا أيضا على إجراء تخفيضات خاصة بهم في إنتاج النفط. 

وفي البداية، فتحت المكسيك باب الجدل حول الاتفاق برفضها الالتزام بحصتها في خفض إنتاج النفط، بمقدار400.000 برميل يوميًا، بيد أنها أصرت على خفض يبلغ100 ألف برميل فقط. ووفقًا لـ«جوليان لي» من صحيفة «واشنطن بوست»، بدلا «من المخاطرة بمزيد من عدم الاستقرار بسبب انهيار المحادثات، اتفقت روسيا والسعودية على عدم الحاجة إلى التزام المكسيك». غير أن الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» أعلن التزام المكسيك بتقليص إنتاج النفط 100ألف برميل يوميا للمساهمة في التخفيضات العالمية.

ومنذ توقيع الاتفاق، أُثير الكثير من الجدل حول الفائزين والخاسرين في هذه الصفقة. وكتب «تيموثي بوكو» من صحيفة «وول ستريت جورنال»، أنه يعد «فوزا لصناعة النفط الأمريكية»، في حين رأى «ستيفن كوك» في مجلة «فورين بوليسي»، أن «العصر السعودي الروسي (لحدوث تقارب بينهما) لم يكن ليحدث، وأنه على الروس فقط أن يلوموا أنفسهم». ومع ذلك، فإن هذه التصريحات لم تثبت بعد عن طريق الأفعال. ومن المرجح حدوث ما هو أكثر من تحول نموذجي في النظام الجيوسياسي للشرق الأوسط، حيث ستتأثر القوى الكبرى لصناعة النفط، في حين أن الدول الأصغر التي تعتمد أكثر على صادرات النفط ستواجه مخاوف اقتصادية وأمنية كبيرة على المدى القصير والطويل.

وشهدت أسواق النفط في الفترة الأخيرة تراجعًا كبيرًا بعد انهيار تحالف (أوبك+)، وتزامن التراجع مع انتشار فيروس كورونا وتداعياته الاقتصادية، وبخاصة الطلب على الطاقة وهو ما زاد من معاناة الدول النفطية. وتم تشكيل التحالف عام 2016 في الأساس؛ بهدف التصدي للتهديد الأمريكي المتجدد لعائدات تصدير النفط السعودي والروسي. وانهار عندما رفضت الأخيرة الموافقة على الخطط السعودية لخفض الإنتاج في أوائل مارس2020. وبعد فشل المحادثات الأولية، تعهدت السعودية برفع إنتاج النفط إلى 10 ملايين برميل يوميا وبيعها بسعر رخيص لإجبار موسكو على استئناف المفاوضات. فيما ادعت الأخيرة قدرتها على الاستمرار. ومن هنا بدأت حرب الأسعار بين الدولتين، والتي انخفضت بأكثر من 50% وسط تهديدات بانهيار سوق النفط العالمية.

وفي أعقاب المحادثات، سارع المراقبون إلى وصف الرئيس الروسي «فلاديمير بوتين» بأنه الخاسر الأبرز في حرب أسعار النفط، وكان قد وافق على خفض 2.5 مليون برميل من 11 مليون برميل يتم إنتاجها يوميًا، وهو انخفاض أكبر بكثير مما رفضه في أوائل مارس 2020. ووصف «أندريه كورتونوف» من «مجلس الشؤون الدولية»، بأن «الصراع انضوى في النهاية على أخطاء استراتيجية، بالإضافة إلى كونه بمثابة انتصار للولايات المتحدة، وانتهى بجني روسيا خسائر أكبر من السعودية». وكان الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» قد أشاد بالاتفاق، قائلا: إنه «سيصون الوظائف في قطاع الطاقة بأمريكا».

وكتبت «إيليا أركيبوف» في «بلومبرج»، أن روسيا «فشلت في توقع التأثير المدمر للوباء على الاقتصاد العالمي عندما ابتعدت عن الاتفاق مع منظمة الأوبك». ومع ذلك، فإن هذا الانتقاد لا يُمكن تحميله للجائحة في أوائل مارس؛ لأنه لم يجتح أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية، بالإضافة إلى حقيقة أن جميع الدول المنتجة للنفط قد خفضت إنتاجها بما يتناسب مع انخفاض الطلب، وليس فقط روسيا».

وعلى العكس، قد تكون الفوائد الاستراتيجية للاتفاق مع السعودية مربحة أكثر على المدى الطويل لبوتين. وكان الهدف من حدوث التوافق بينهما عام 2016 -بغض النظر عن مواجهة المنافسة الشديدة من صادرات النفط الصخري- هو ترسيخ مكانة روسيا كأهم قوة خارجية في الشرق الأوسط، وخاصة بعد إصرار «ترامب» على الانسحاب عام 2019. بالإضافة إلى ذلك، لاحظ «هنري فوي» من صحيفة «فاينانشال تايمز»، كيف استطاع «بوتين» إظهار نفسه كشريك رئيسي لـ«ترامب». وشهدت الفترة ما بين نهاية مارس واتفاق (أوبك+)، محادثات هاتفية بين الرئيسين أكثر مما كان عليه في عام 2019 بأكمله.

وعلى الرغم من ذلك، أظهرت الأسابيع التي تلت الاتفاق أن روسيا هي الخاسر الأكبر. وبحلول شهر مايو أصبح اعتمادها على إيرادات صادرات النفط ضعيفا. ويعتمد تسعير الخام الروسي، «الأورال»، على أسعار خام «برنت». وعلى الرغم من أن انهيار النفط الأمريكي في أواخر أبريل 2020 لم يكن له تأثير مباشر في خفض أسعار النفط الروسي، إلا أن الهبوط اللاحق في سعر خام «برنت» إلى ما دون «20 دولارا» للبرميل أثار قلق موسكو. ومع ذلك تم بيع «الأورال» بسعر منخفض بلغ 8.48 دولارات للبرميل، في وقت تخضع فيه شركة «روسنفط»، أكبر منتج للنفط الروسي للعقوبات الأمريكية جراء عملياتها التجارية بفنزويلا في فبراير الماضي.

من ناحية أخرى، تبقى حقول «سيبيريا» عُرضة للتجمد خلال أشهر الشتاء، وبالتالي قد يكون إغلاق أي حقول نفط روسية أمرا نهائيا. وتوفر أرباح صادرات النفط والغاز50% من العائدات، أي ما يُقدر بـ130 مليار دولار سنويًا، ومن ثّم فإن تباطؤ إنتاج النفط سيهدد مصدر دخل رئيسي. بالإضافة إلى أن موسكو تواجه أيضًا كارثة اقتصادية نتيجة تداعيات وباء كورونا. وانخفض الناتج الصناعي بالفعل بنسبة 2.5% حتى الآن. ومن المتوقع أن تتضاعف البطالة إلى 10%. تقول «إيلينا ريباكوفا»، من «معهد التمويل الدولي»: «روسيا الآن بين شقي الرحى، وقد تصل نسبة 50% من الميزانية المُخصصة للوفاء بالدين إلى الصفر؛ لذا فهم يتوخون الحذر من حيث وعود الإنفاق».

ومع ذلك، لا يمكن الزعم أن «الرياض» أحدثت انتصارًا كاملاً في هذا الاتفاق. ومما لا شك فيه أن الجائحة قللت بشكل غير مسبوق من الطلب على صادرات النفط العالمية، وهو الأمر الذي كان له بالغ الأثر على الاقتصاد السعودي الذي يعتمد في إيراداته على صادرات النفط. ومع انخفاض الأسعار بنسبة40% منذ أوائل مارس الماضي، واشتعال حرب النفط مع روسيا أدى ذلك إلى إثارة المزيد من القلق. وخلال أبريل2020، أضافت الرياض المزيد من الإنتاج إلى حصيلة الـ100 مليون برميل التي تعتبر معدل الطلب العالمي بأكمله، في وقت كان فيه المنتجون المتنافسون يحاولون يائسين، إما تخزين وإما بيع الزائد من إنتاجهم النفطي. وعقب الاتفاق، شرعت في ضخ 12 مليون برميل من النفط كل يوم. وفي نهاية أبريل، بدأت بخفض إنتاجها ببطء إلى 11.4 مليون برميل يوميًا. ووفقًا للاتفاقية ستخفض إنتاجها إلى 8.5 ملايين برميل يوميًا. ويهدف هذا النهج إلى الاستفادة من السيطرة على سوق النفط بمجرد أن ينحسر الوباء.

علاوة على ذلك، زاد أعضاء أوبك إنتاجهم بمقدار 1.73 مليون برميل من النفط يوميًا خلال أبريل، رغم انخفاض الاستهلاك العالمي بمقدار 30 مليون برميل يوميًا. ومع ذلك يظل أعضاء أوبك الذين لا يملكون احتياطيات نفطية مماثلة للسعودية أكثر عرضة لانهيار أسعار الخام لديهم. وفي ظل اعتماد الحكومة الجزائرية في موازنتها لعام 2020 على أسعار نفط أعلى من هذا المستوى بكثير، اضطرت إلى خفض إنفاقها الحكومي بنسبة 30%. وأعادت «نيجيريا» تقييم موازنتها وطلبت 7 مليارات دولار كتمويل طارئ من دول ومنظمات أخرى لتجنب تعرضها لانهيار اقتصادي.

وعلى الرغم من أن (أوبك+) تشكلت في المقام الأول للتصدي للهيمنة الأمريكية على أسواق الطاقة، فإن الأخيرة بدت الطرف الأكثر استفادة بشكل واضح من الاتفاق الأخير لخفض الإنتاج. وفي السابق أخفقت كل من الرياض وموسكو في التعامل مع التهديدات الأمريكية للاستحواذ على حصتيهما السوقية، وخاصة خلال عام 2014. وكذلك فشلت استراتيجية الحد من الإنتاج، لدرجة أنه في منتصف 2018 ارتفعت الأسعار لتصل إلى 85 دولارًا للبرميل، وهو أعلى مستوى له منذ أربع سنوات. 

ونظرًا إلى نجاحها في الهيمنة على الحصة شبه الكلية لسوق النفط، أصبحت واشنطن الآن أكبر منتج للنفط الخام في العالم. ومع ذلك، تعرضت للضرر ولا سيما مع انخفاض إنتاجها النفطي بشدة بسبب قلة الطلب عليه. وأفاد «سكوت شيفيلد»، رئيس شركة «بايونير ناتشورال ريسورسز» لإنتاج النفط الصخري، أنه «يمكن أن ينخفض إنتاج النفط بما يصل إلى الربع يوميًا، أي ما يعادل 3 ملايين برميل يوميًا».

وفي 17 أبريل 2020، انخفضت قيمة «خام غرب تكساس الوسيط»، لتصل إلى 17.31 دولارا للبرميل، في أدنى مستوى تصل له منذ 18 عاما. وفي 20 من الشهر نفسه، تهاوت أسعاره إلى مستوى مذهل ليسجل سالب 37.63- دولارا للبرميل. واضطرت الشركات المنتجة إلى دفع مستهلكيها إلى إخراج النفط بعيدا عن أيديهم، وازداد البيع بشكل مكثف، ما أدى إلى وصوله إلى أقل من صفر دولار للبرميل للمرة الأولى. ولا يخفى أن حوالي 40% فقط من650 منصة من منصات النفط والغاز هي التي تعمل فقط، ومن ثمّ تعرضت الشركات الكبرى لخسائر قياسية. ولا تزال صناعة النفط الأمريكية تكافح من أجل البقاء.

على العموم، يمكن الجزم أن مسألة تقييم الأطراف المنتصرة والخاسرة المحتملة من وراء الاتفاق هي محاولة غير مثمرة في نهاية المطاف، وذلك عندما تكون كافة الأطراف يُحتمل تعرضها لخسارة إيرادات هائلة. وعلى الرغم من أن الاتفاق تم فعليًّا بين كل من روسيا و(أوبك+)، فقد انخفضت أسعار النفط نوعًا ما وسط استمرار حالة عدم الاستقرار والتذبذب، ليتراجع بذلك سعر خام برنت بنسبة 2.5% في اليوم التالي من إبرام الاتفاق. 

ولعل تأخر عملية التوصل إلى اتفاق يعني أيضًا أن آثاره لن تكون واضحة على المدى القريب. ومن المتوقع أن ينخفض الطلب بمقدار20 مليون برميل يوميًا على الأقل. فإذا زاد الطلب قبل أبريل 2022، تزامنًا مع انتهاء الاتفاق، فقد ترتفع أسعار النفط مرة أخرى. بينما إذا ظلت الأسعار منخفضة لعدة شهور فإن ميزانيات الدول التي تعتمد في إيراداتها على صادرات النفط سوف تعاني بشدة. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news