العدد : ١٥٥٨٧ - الأربعاء ٢٥ نوفمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١٠ ربيع الآخر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٨٧ - الأربعاء ٢٥ نوفمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١٠ ربيع الآخر ١٤٤٢هـ

رسائل

جهود التوصل إلى لقاح لفيروس كورونا والمسؤولية الأخلاقية
لمكافحة الوباء يجب عدم استثناء الدول النامية

الثلاثاء ١٢ مايو ٢٠٢٠ - 10:27

 تحقيق خاص من أورينت برس:

لا يمكن خروج العالم من الإغلاق التام الذي سببه فيروس كورونا قبل تطوير لقاح، وخصوصاً أنه لم يسبق لأعداد كبيرة من البشر والاقتصادات أن كانت مرهونة لهذه الدرجة بتدخل صحي وحيد.

ولكن فيما يتسابق العلماء لتطوير لقاحات محتملة، تقول المبعوثة الخاصة لمنظمة الصحة العالمية للتعاون العالمي لمكافحة كوفيد-19 وهذا الاسم الطبي لفيروس كورونا، ناغوزي لوليلا، إن على المجتمع الدولي أن يدرك أن الهدف المنشود لا يتمثل في إيجاد لقاح فعال، بل في القضاء على الوباء. ولا يمكن أن يتحقق ذلك إلا بعد توفير مليارات الجرعات بكلفة معقولة للجميع، وخاصة لأصحاب المداخيل الصغيرة.

«أورينت برس» أعدت التقرير التالي:

يتطلب مشروع اللقاح بهذا المستوى منظوراً جديداً ينهي مفهوم اعتبار اللقاحات شيئاً يحقق منافع عالمية عامة. ولا يجب السماح لأجندات محلية، ولا لمكاسب مادية، بأن توجه الجهود لنشر لقاح على أوسع نطاق في تاريخ البشرية.

وعلى الحكومات وشركات الأدوية والمنظمات المتعددة الأطراف العمل معاً لتطوير وإنتاج وتوفير اللقاح. وسوف يشكل إنتاج وتوزيع مليارات الجرعات من اللقاح الجديد تحديا، حتى في أفضل الأوقات. كما تتطلب تلك المهمة أثناء فترة الوباء بذل جهود دولية غير مسبوقة.

تفادي نقص

وعند الأخذ في الاعتبار ما شهده العالم مؤخرا من نقص في معدات الوقاية الشخصية ووسائل الاختبار، من الواضح أن هناك حاجة الى بذل جهد دولي منسق لتجنب حدوث نقص مماثل في اللقاح، وتفادي حرمان أعداد كبيرة من الناس من اللقاح.

والمؤسف أنه كثيرا ما شكل التوزيع العادل للقاحات مشكلة في الماضي. وعلى سبيل المثال، أعاق ارتفاع الطلب على لقاح فيروس الورم الحليمي البشري  HPV، وصوله إلى مراهقات معرضات للفيروس في الدول النامية.

لذلك فإن الوسيلة الوحيدة لضمان العرض الكافي والتوزيع العادل للقاح تكمن في إزالة بعض الحواجز التي أوجدتها حقوق الملكية الفكرية وقوانين نقل التقنيات، فضلاً عن تشجيع المصنعين ومجموعات الأبحاث على العمل معاً لتحقيق الهدف المشترك. وبهذه الطريقة يمكن عند ظهور أولى اللقاحات الآمنة والفعالة، أن يبدأ مصنعون بإنتاجها على الفور. وبالفعل، أظهرت بعض شركات الأدوية شيئاً من الاستعداد لهذا الأمر، كشركة معهد سيروم في الهند، التي أعلنت أنها لن تحتفظ بحقوق الملكية الفكرية على ترشيحها للقاح كورونا، وشركتي GSK وسانوفي اللتين شكلتا شراكة غير مسبوقة لتوحيد مواردهما، فضلاً عن موافقة عدد من منتجي الأدوية لعدم تحقيق أرباح من لقاحات كوفيد-19. وهذا يؤذن بالخير بالنسبة إلى مبادرة الوصول إلى أدوات كورونا التي أطلقها زعماء دوليون ومنظمة الصحة العالمية لتسريع إنتاج لقاحات وعلاجات وتشخيصات جديدة لفيروس كوفيد-19، مع توزيعها بشكل عادل.

تحديات كبيرة

إلا أن ضمان تصنيع اللقاح حال تطويره يمثل أيضا تحديات كبيرة. ويرجع ذلك لأن معظم لقاحات فيروس كورونا الواعدة تقوم على تطويرها منظمات تفتقر إلى قدرات تصنيع واسعة النطاق، ونظراً إلى أن بعض تلك المنظمات ستفشل في اكتشاف لقاح قابل للتطبيق، يجب أن توضع آليات لتقليل مخاطر الاستثمار في قدرات التطوير والتصنيع. وسيعني ذلك أنه يمكن إنتاج أفضل اللقاحات المرشحة بسرعة على نطاق واسع، وإنتاجها لكل من يحتاج إليها بغض النظر عن مكان إقامتهم.

وهناك، تحدي إيصال اللقاحات، لأنه حتى في ظل ظروف طبيعية، قد تتعطل تلك العملية بسبب قضايا تتعلق بالنقل وسلاسل التوريد والأنظمة التنظيمية والاضطرابات المدنية والصراعات والكوارث الطبيعية، لكن في وسط أزمة عالمية، يرجح أن تكون العقبات اللوجيستية أكثر صعوبة، وخاصة لدى أفقر دول العالم.

ضعف الأنظمة الصحية في تلك الدول حتى قبل جائحة كورونا، وهي اليوم تتعرض لضغط شديد ليس بسبب الوباء فحسب. فقد رفع فيروس كورونا خطر تفشي أمراض أخرى فتاكة، كالحصبة وشلل الأطفال والحمى الصفراء. ويعزى سبب ذلك إلى انه رغم توصيات منظمة الصحة العالمية باستمرار برامج التطعيم بقدر المستطاع خلال الوباء، فقد أوصت أيضاً بتعليق بعض الحملات في بعض المناطق من أجل تقليل خطر انتشار الفيروس، وللحفاظ على الموارد الصحية العامة النادرة.

إن ذلك أمر مقلق للغاية، لأن تعليق برامج تطعيم أخرى لا يؤدي فقط إلى وقوع عدد لا يحصى من الوفيات التي يمكن منعها، بل قد يعيق قدرة العالم على تقويض وباء كورونا. وسوف يؤدي تفشي أمراض أخرى، سواء خلال فترة الإغلاق أو بعده، الى فرض مزيد من الضغوط على أنظمة صحية ضعيفة.

وفيما لا يزال مستبعداً ترخيص لقاح فعال قبل 12 شهراً، ولكن رغم تعرض العولمة والتعددية لهجوم شديد، في السنوات الأخيرة، تقدم أزمة الوباء فرصة لدفع المجتمعات للتكيف والتطور من رأسمالية المساهمين إلى رأسمالية الأطراف المعنية لحشد جميع الطاقات حول هدف مشترك: عالم واحد محمي، لأن أحداً لن يكون بمأمن، ما لم يكن الجميع كذلك.

أزمة الإنفلونزا

إلى جانب ذلك، يدعو خبراء إلى الاستفادة من تجارب سابقة حدثت في التاريخ مع انتشار الأوبئة. ففي أوقات الشدة والأزمات، يفترض بالعلماء اتخاذ قرارات أخلاقية بشأن علاجات جديدة حتى لو كانت الأدلة غير مؤكدة. علما أن المقارنات بين الوباء الحالي وأوبئة قديمة تبدو خارقة.

على سبيل المثال، يتكرر ذكر دواء هيدروكسي كلوروكوين المضاد للملاريا الذي تسعى الهيئات التنظيمية حول العالم للتصريح باستخدامه لعلاج المصابين بكوفيد-19. وأبدى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ونظيره البرازيلي، جايير بولسونارو، حماستهما للدواء، حتى أن الناس انتهكوا قواعد التباعد الاجتماعي من أجل الحصول عليه، وسجلت حالات تسمم نتيجة أخذ جرعات غير مناسبة من الدواء.

التسابق للحصول على دواء هيدروكسي كلوروكوين جاء نتيجة تجربة صغيرة أجريت في مستشفى في مدينة مرسيليا الفرنسية. ورغم أن نتيجة التجربة واعدة، لكنها لا توفر الدليل الكافي على أن الدواء ناجع في علاج فيروس كورونا ناهيك عن معلومات حول توقيت فعاليته، ومقدار الجرعات اللازمة. وتجرى حالياً تجارب أوسع حول هذا العقار وعلاجات أخرى، ولكنها لن تعطي نتائج أولية قبل أسبوع.

بالعودة إلى التاريخ، عندما اجتاح وباء الإنفلونزا العالم في عام 1918، وصف الأطباء عقار الكينين، عقار آخر مضاد للملاريا، بالرغم من عدم وجود أي دليل على فائدته ضد الإنفلونزا. وفي الوقت نفسه لم يكن هناك فهم كافٍ بشأن كيفية تفاعل الدواء مع الجسم، وغالباً ما وصف الأطباء جرعات زائدة منه، ما سبب أعراضا جانبية كالدوار والطنين الأذني.

وفي كتابه حول التجربة البريطانية مع إنفلونزا 1918، أشار مارك هونيغسباوم الى رفض سكان لندن الأخذ بنصيحة الأطباء بشأن الغرغرة بالماء المملح، وحاصروا الصيدليات والأطباء من أجل الحصول على الكينين.

المسؤولية الأخلاقية

كشفت تلك الأمثلة حقيقة أعمق أنه عند وقوع أزمات، لا يضطر السياسيون فقط إلى اتخاذ قرارات أخلاقية، بل ينضم إليهم أطباء وعلماء. وفي عالم مثالي، يعرض العلماء الحقائق، ويدرسها السياسيون ويتخذون قرارات. ويتحمل السياسيون المسؤولية الأخلاقية، ولكننا لا نعيش في عالم مثالي، وذلك التقسيم في المهام عبارة عن وهم.

ونادراً ما يمتلك العلماء كل الحقائق. وقد يكون أفضل ما يستطيعون تقديمه هو نتائج محتملة مع احتمالات مرفقة. وفي بعض الأوقات يكون مدى تلك النتائج واسعاً لدرجة أنها تصبح غير ذات جدوى بالنسبة إلى صانع القرار. ولهذا السبب، نرى اليوم علماء ينتقدون بعضهم عبر وسائل الإعلام، كما جرى عام 1918. وبالفعل كتب أحد العلماء على تويتر حول تجربة المستشفى في مرسيليا: «هذا جنون».

وفي معرض رده على الانتقادات، يقول ديديير راولت، الطبيب الفرنسي الذي يقود التجربة في مرسيليا، إنه من غير الأخلاقي اتخاذ إجراءات وفق ما يطالب به منتقدو التجربة، في ظل وضع يقاوم فيه البعض المرض للبقاء على قيد الحياة، ويخاطر فريقه الطبي بحياته لإنقاذهم، ولا تتوافر أدوية أخرى بديلة.

راولت يدير مركز التميز في الأمراض المعدية، ويعد من أشهر العلماء في العالم في مجاله. وهو يدرك أنه في تصريحه بشأن فائدة معالجته للمرض، يتخذ قرارا أخلاقيا لا قرارا يستند إلى أدلة علمية. وعلى هذا الأساس، ذكَر في الأسبوع الماضي زملاءه الأطباء، بأن واجبهم الأول يحتم عليهم مساعدة مرضاهم، وليس الالتزام بأسلوب علمي. وهو يعتقد جازماً أن الزمن سيثبت صحة رأيه».

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news