العدد : ١٥٤٥٢ - الاثنين ١٣ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٢ ذو القعدة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٥٢ - الاثنين ١٣ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٢ ذو القعدة ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

أزمة تفشي كورونا تعصف بالإمبراطورية الأمريكية

بقلم: د. جيمس زغبي {

الثلاثاء ١٢ مايو ٢٠٢٠ - 02:00

أتابع هذه الأيام ما يكتب في مختلف أنحاء العالم من تعليقات حول الطريقة الكارثية التي تعاملت بها بلادي، الولايات المتحدة الأمريكية، مع أزمة تفشي جائحة كورونا، وأنا أشعر بكثير من الإحباط والغضب والإحراج. 

كتاب من أوروبا والعالم العربي وإسرائيل ومن داخل الولايات المتحدة الأمريكية أسهبوا في الحديث عن مواطن الخلل السياسي ورعونة وعدم كفاءة القيادة وفشلنا الذريع في رعاية شعبنا وحمايته وتقديم نموذج يحتذى به في القيادة للعالم. 

فيما يلي بعض المقتطفات من آخر ما كتب من تعليقات من كتاب يعرفون تاريخيا بأنهم من أصدقاء الولايات المتحدة الأمريكية: 

كتب أحد المعلقين الإسرائيليين يقول: 

«تبدو البلاد -أي الولايات المتحدة الأمريكية- مثل القطار الذي تحول إلى حطام. أنظمتها متداعية ومستشفياتها منهارة ومرضاها يبكون ويستغيثون طلبا للمساعدة وجثث أبنائها تتكدس في أكوام تملأ بيوت الأموات. أما مدينة نيويورك، جوهرة التاج، فقد تحولت إلى مدينة أشباح وواد للموت. العاصمة غير المعلنة للعالم الحر لا تستطيع أن تخفي عارها.. كان يمكن أن تكون أفضل ساعة تتألق فيها نيويورك وكان يمكن لهذه المدينة أن تكون نموذجا يحتذى به للآخرين غير أن الولايات المتحدة الأمريكية في عهد إدارة دونالد ترامب قد حولتها إلى أضحوكة سيئة أمام الجميع». 

أما هذه التعليقات فقد جاءتنا من منطقة الخليج العربي:

«خلال الأشهر القليلة الماضية أمضيت عدة ساعات.. وأنا أشاهد التلفاز وأتابع ما يقال عن تدهور الأوضاع في الولايات المتحدة الأمريكية وقد أذهلتني الأرقام التي تظهر انهيار الاقتصاد في أغنى بلد في العالم، ما الذي يجعل أغنى دولة في العالم وأكثرها تقدما وتحضرا وأكثرها استفادة من ثروات العالم تصل إلى حد أن عدد المتوفين على أراضيها جراء تفشي جائحة فيروس كورنا يتجاوز ثلث إجمالي عدد المتوفين في مختلف أرجاء العالم؟».

لم يكن النقاد في أوروبا أقل شدة في كتاباتهم اللاذعة التي راحوا يشككون فيها في حقيقة إدراك دونالد ترامب للواقع وهم يعبرون عن دهشتهم الكبيرة من التعليقات المربكة والمتناقضة التي تصدر عنه، ليخلصوا في النهاية إلى القول إن «الولايات المتحدة الأمريكية لم تعد مؤهلة للقيادة»، كما أن كتاباتهم تعطي الانطباع بأنهم يرثون «أطلال المدينة التي كانت تقف على التل شامخة». 

كيف وصل بنا الأمر إلى هذه الحال؟

بداية لا يتحمل دونالد ترامب أو جائحة كورونا المسؤولية عن تفكك الحياة السياسية في الولايات المتحدة الأمريكية، كما أنهما لا يتحملان المسؤولية عن تراجع القيادة السياسية في العالم. فقد ظلت الحياة السياسية تتفكك وقيادتنا السياسية للعالم أصلا تتراجع منذ مدة طويلة -أي من قبل مجيء دونالد ترامب أو تفشي جائحة كورونا- فترامب وجائحة كورونا كشفا النقاب وعريا حياتنا السياسية المتفككة وزادا في تفاقم الأوضاع أكثر من أي وقت مضى كما أنهما أظهرا مدى تراجع مكانة الولايات المتحدة الأمريكية في العالم. 

لقد انهار الاتحاد السوفيتي قبل ثلاثة عقود لتصبح الولايات المتحدة الأمريكية القوة العظمى الوحيدة التي تسود العالم. في نشوة ذلك الانتصار راح بعض المعلقين والنقاد يبشرون بظهور «نظام عالمي جديد» وتمادوا في صلفهم وبدأوا يخططون لما يسمونه بكل غرور «القرن الأمريكي». لقد استمر صلفهم عقدا من الزمن قبل أن تبدأ القيادة الأمريكية في العالم في التفكك والتراجع، وخاصة بسبب الطريقة الكارثية التي ردت بها إدارة جورج بوش الابن على هجمات 11 سبتمبر 2001 الإرهابية.

كانت أغلب الشعوب والأمم في مختلف أنحاء العالم مستعدة آنذاك للعمل مع الولايات المتحدة الأمريكية من أجل معاقبة منفذي الهجمات الإرهابية التي تسببت في إزهاق أرواح الأبرياء. غير أن إدارة جورج بوش دفعها صلفها وآيديولوجيتها العمياء إلى توريط الولايات المتحدة الأمريكية في حربين لم تعززا قيادة الولايات المتحدة الأمريكية وإنما تسببتا في إضعافها وقللت من احترامها ومكانتها وجعلتها أكثر عزلة من أي وقت مضى في تاريخنا الحديث. 

لقد تسببت الحرب في أفغانستان والعراق في خسائر بشرية ومادية فادحة وأضعفت ثقة العالم في الولايات المتحدة الأمريكية وقوضت مكانتها وخلقت فرصا سانحة للدول الكبرى الأخرى مثل الصين وروسيا، حتى تتمدد وتعبر عن قوتها إقليميا ودوليا وتفتح بالتالي الباب أمام ظهور العالم الحالي المتعدد الأقطاب. 

لقد أدرك الرئيس السابق باراك أوباما حجم المشاكل التي تركها سلفه وركز جهوده على إخراج الولايات المتحدة الأمريكية من العراق ومن أفغانستان ورد الاعتبار لصورة الولايات المتحدة الأمريكية في العالم غير أن جهوده قد فشلت في تحقيق أهدافها لأنه لم يدرك تعقيدات التحديات الناجمة عن الحرب وعن حالة الاستقطاب الحزبي الحادة في الولايات المتحدة الأمريكية. 

مازلت أذكر تلك النقاشات التي جمعتني ببعض كبار الشخصيات القيادية في إدارة جورج بوش والمسؤولين الجمهوريين المنتخبين مباشرة بعد الخطاب الذي ألقاه باراك أوباما في القاهرة وأعلن فيه عن «بداية جديدة»، وأدركت أنهم يستخدمون نفس النقاط والخطاب والمفردات، حيث إنهم راحوا يرددون أن أوباما خان الولايات المتحدة الأمريكية بتنديده بالتعذيب ويتهمونه بالضعف لأنه عبر عن معارضته للحرب ويزعمون أنه باع إسرائيل بمناهضته للاستيطان. 

عندما سألني أحد هؤلاء الذين تستضيفهم مثل هذه البرامج الحوارية عما إذا كنت أعتقد أن الرئيس باراك أوباما سينجح في سد الفجوة أجبت بالقوة بأن الفرصة قد أصبحت متاحة له كي يحقق التقارب مع العالمين العربي والإسلامي أفضل من الجمهوريين.

ورغم أن جهود الرئيس باراك أوباما لتغيير المسار وتعديل السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط لم تحقق أهدافها فإنه نجح على الأقل في إعادة بناء بعض نواحي الدبلوماسية العالمية التي مزقها سلفه جورج بوش الابن وتركها في حالة يرثى لها. 

لقد أبدى الجمهوريون معارضتهم الشديدة لهذه النقاط الثلاث التي ركز عليها باراك أوباما، الذي غادر البيت الأبيض وقد ترك البناء الذي أنشأه وهو لا يزال قائما على دعائم هشة. في نهاية الأمر سنظل نتذكر باراك أوباما نظرًا إلى الدور الذي لعبه في إنعاش الآمال ورفع سقف التوقعات التي لم تتجسد على أرض الواقع، وهو ما أثار المزيد من المخاوف والتساؤلات والشكوك حول قدرة الولايات المتحدة الأمريكية على الاستمرار في قيادة الولايات المتحدة الأمريكية. 

كان انتخاب دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة نتاجا لحالة الاستقطاب الحزبي الحادة. فقد تبنى خطابا «شعبويا» أججته كراهية الأجانب والعنصرية واستمد وقوده من شعور الغضب الذي ظل الحزب الجمهوري يزرعها وينفثها في الطبقة الوسطى على مدى عقود من الزمن. 

عندما تسلم دونالد ترامب السلطة تنصل من كل الاتفاقيات التي تفاوض بشأنها سلفه باراك أوباما وأدار ظهره للأوروبيين من حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية وراح يغازل زعماء التيارات والأجنحة اليمينية الصاعدة، كما بعث رسائل متناقضة بشأن إيفاء الولايات المتحدة الأمريكية بالتزاماتها في العالم. 

لم يكف دونالد ترامب عن تحريض قاعدته الشعبوية الانتخابية المؤيدة له وتسبب بالتالي في تعميق حالة الاستقطاب الحزبي الذي بلغ مستويات جديدة غير مسبوقة. لقد تسبب أسلوبه غير المألوف في الحكم وتصريحاته المتناقضة في حالة من الغموض الذي يلف سياساته، غير أنه لم يخرج عن خط الحزب الجمهوري فيما يتعلق بالضرائب ورفع القيود وتعيين القضاة المحافظين على وجه الخصوص. لقد عمل دونالد ترامب على تفكيك الكثير من المؤسسات الحكومية أو تسبب في إضعافها وعين الموالين له من عديمي الكفاءة في المناصب الحكومة الحساسة. 

ثم تفشت جائحة فيروس كورونا.

استخف دونالد ترامب في البداية بجائحة فيروس كورونا واعتبر أنها مجرد إنفلونزا عابرة، لكن عندما تبين له مدى تأثيرها في الولايات المتحدة الأمريكية والعالم هرع إلى حسابه تويتر وكثف من المؤتمرات الصحفية اليومية التي حولها إلى منابر للتبجح والتضليل واستهداف أعدائه.

وكدأبه على مدى مسيرته السياسية، ظل ترامب يعزف على وتر كراهية الأجانب ويؤجج الغضب ضد الديمقراطيين و«النخب» كي يتنصل من أخطائه ويتبجح بقيادته. 

قد يسهم ترامب بهذا الأسلوب في تقوية قاعدته الانتخابية ويجعل أنصاره يشعرون بأنه سينتصر على «العدو الخفي» غير أن الأرقام بدأت تثبت العكس. صحيح أن الناخبين من أنصاره معجبون بالثياب الجديدة التي يتدثرها «الامبراطور» غير أن العالم يقف اليوم فاغر الفاه وهو يدرك الحقيقة التي تظهر أن الولايات المتحدة باتت عاجزة، ليس فقط عن قيادة العالم وإنما أيضا عن حماية شعبها. 

كانت الولايات المتحدة في الماضي تقود الجهود العالمية بالتعاون مع البلدان الأخرى من أجل إيجاد العلاج وتقديم المساعدة ومد يد العون. لقد قطعنا المساعدات المالية عن الناس الذين يعانون من هشاشة أوضاعهم واقتحمنا الأسواق العالمية من أجل شراء المعدات الطبية التي فشلنا نحن في إنتاجها وتخزينها. في الوقت نفسه، تفاقمت أعداد المتوفين والمصابين حتى باتت تفوق مختلف دول العالم الأخرى. أما فحوصاتنا التي نجريها فهي أقل من تلك التي تجريها أغلب البلدان الأخرى. 

لقد أصبح العالم يدرك كل هذه الحقائق ويرثي الحالة التي أصبحت عليها الولايات المتحدة الأمريكية التي كانت تمثل القوة العظمى التي خرجت منتصرة من الحرب الباردة. إنهم يتساءلون عما إذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية قادرة أيضا على استعادة دورها القيادي في العالم بعد عقود من الاستقطاب الحزبي الحاد والتراجع المتواصل.

‭{‬ رئيس المعهد العربي الأمريكي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news