العدد : ١٥٤٥١ - الأحد ١٢ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ٢١ ذو القعدة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٥١ - الأحد ١٢ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ٢١ ذو القعدة ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

عولمة الوضع الطبيعي الجديد

بقلم: محمد أبوالفضل {

الاثنين ١١ مايو ٢٠٢٠ - 02:00

بدأت الكثير من الدول تفكر في العودة تدريجيا إلى الوضع الطبيعي، بعد أن تسبب فيروس كورونا في خسائر تتجاوز الأبعاد الاقتصادية المباشرة إلى انسداد شرايين في السياسة والأمن والحياة المجتمعية السليمة، وكادت بلدان عديدة تفقد مناعتها الذاتية للعيش في ظل الوضع الاستثنائي الراهن، حيث أرهقها التعب، ونال من قدرتها على الصمود لفترة طويلة.

ضرب البعض توقيتات متباينة للعودة، ولم تجرؤ دولة عظمى أو صغرى على تحديد مواعيد نهائية للشفاء من الوباء واستئناف العمل بالشكل الطبيعي، والذي لن يعود إلى صورته الأولى، فقد دخلت متغيرات قاسية أجبرت الكثير من الدول على تعديل مناهج حياتها، ووضع ضوابط لها، تتناسب مع حجم التداعيات التي تخلفها الجائحة.

يشير التردد في تحديد مواعيد حاسمة للنشاط إلى أن الأزمة ممتدة لأجل غير مسمى، ولا أحد يعرف عمق تأثيراتها الحياتية بالضبط، أو الحدود التي يمكن أن تقف عندها، أو حتى طريقة التوصل إلى لقاح يتكفل بوقف زحفها، فالأنواع التي أعلن عنها مؤخرا لا تزال في طور التجارب السريرية، ولم تتمكن جهة واحدة من تأكيد الثقة في دواء معين يمكن تعميمه رسميا.

كما أن الأخطار المترتبة على التسرع في العودة قد تكون جسيمة، ومن الصعوبة تحمل تكاليفها المادية والمعنوية، فالكل يعلم أن ضحايا كورونا لم يبلغوا أرقام ضحايا الإنفلونزا الموسمية وثمة مبالغات في بعض التقديرات، ومع ذلك يمثل الاعتراف بذلك وتبني سياسة مناهضة للعزل مجازفة كبيرة تكبح قيادات تصرخ ليلا ونهارا من خسائر التباعد الاجتماعي.

تحتاج العودة إلى مسودة سلوك تحدد المرغوب والمسموح، وهي مسألة ليست هينة وتتطلب حزما وصرامة من الحكومات، وقبولا وتجاوبا وتعاونا من الشعوب، وذلك أشد وعورة في الدول التي اعتادت الحياة بقدر من العشوائية، لكنها لا تستطيع إعلان عدم قدرتها على ضبط منظومتها الحياتية، فهناك سباق محموم نحو الالتزام بالطقوس التي فرضها كورونا.

تكمن المشكلة في الجزء الغاطس من الفيروس الذي لم يتم اكتشافه بعد، فكثير من المعلومات المتداولة متضاربة ومتناقضة، وتحمل ازدواجية لافتة في المنشط والمكره، وبدت هذه النتيجة رادعا في البداية للخوف من المجهول، لأنه لم تتم معرفة تفاصيل المرض ومصدره وأسبابه وطرق عدواه ووسائل علاجه. عقب مضي نحو ثلاثة أشهر من الفزع العالمي العام بدأت تظهر علامات تمرد وعدم استسلام للجائحة ومخاوفها، وتعلو أصوات جهات كثيرة على الخمول، ويتبنى البعض فكرة التكيف معها كسائر الأمراض المتوطنة، كي يدب النشاط في الحياة، ويتم الاستعداد لوضع قواعد رشيدة وجديدة تساعد في تجاوز الآلام.

تعتزم بعض الدول الخروج من المأزق تدريجيا في الزمان والمكان، ولا توجد بيانات مؤكدة حول موعد العودة في أي دولة أعلنت استعدادها لذلك ووضعت توقيتات مبدئية وحددت مناطق للحركة وما يحمله ذلك من ضوابط، كأن هناك اتفاقا على عدم الخروج عن الإجماع العالمي، والمراقبة الدقيقة لتصرفات الآخرين، ومرجح أن يصل الأمر إلى التوصل إلى وثيقة ضمنية يمكن الاسترشاد بها في رسم خارطة للممكن والمستحيل من الخطوات المتبعة لاحقا.

بدأ كورونا يستنزف الكثير من الوقت والجهد والقدرات بطريقة تضاعف من التريث وتفرض المزيد من الحذر، وتتمهل بعض الدول في الإقدام على تحرك ما بشأن العودة إلى الحياة الطبيعية قبل أن تنظر إلى ما يفعله غيرها، بما يوحي بأن هناك خارطة طريق قد يتم التوافق عليها والاسترشاد بها، الأمر الذي يفتح المجال نحو عولمة سلوك الدول، فقد أثبت كوفيد-19 حجم الترابط الإنساني، فما يظهر من أمراض ينتقل بسهولة بين القارات.

تعلي دول عدة من تبني توجهات وتعميم مبادئ سياسية واقتصادية وقيم مجتمعية لدى الآخرين، لكن لم يخطر على بالها أن تفرض مصفوفة صحية عليهم، وهو ما يميل إليه الكثير من التوقعات. فلم يعد العالم قرية صغيرة، فقد صار غرفة واحدة يعيش داخلها الجميع، المتقدمون والمتخلفون، الأغنياء والفقراء، الأصحاء والمرضى، الأمر الذي يقود إلى رسم معالم واضحة يهتدي بها الجميع أيضا.

تتضمن المعالم وصفة صحية في الظاهر، غير أن مضمونها سوف يكون شاملا لأدبيات وسلوكيات مختلفة تندرج في سياق العولمة الجديدة التي لن تتوقف عند الأطر الثقافية التقليدية، وتتسع لتشمل جوانب مؤثرة في خصوصيات الحياة، ما يفضي على المدى القريب إلى تلاشي الكثير من القيم التي تميز كل دولة، لأن ما يجري داخل دولة يؤثر على غيرها أو حتى له أصداء ضئيلة خارجها، فمن الضروري اتباع الأسس التي ترسمها التوجهات البازغة.

تقود هذه المنظومة إلى تنحية سيناريوهات متعددة تم تداولها مؤخرا حول الصدام بين الولايات المتحدة والصين، متوقع أن يخسر فيه الطرفان جزءا من مقوماتهما الفاعلة، وتنشب حالة طويلة من العداء، وتظهر استقطابات حادة في العالم، تتخطى عملية التقسيمات التي تدور في فلك الشرق والغرب، والشمال والجنوب، وتتشظى أقاليم عدة، وربما تدخل في نفق يصعب الخروج منه بسلام.

تتجاوز المنظومة الجديدة انعكاسات كورونا المباشرة التي ستكون المدخل لما هو أوسع نطاقا منها، وتضم مناحي استراتيجية في صميم الحياة التي يعيشها العالم، وتجعل بعض الدول الأقوى تتحكم فيها وتحدث تأثيراتها بشكل جماعي وأسهل، حيث يتطلب الوضع الحالي التعامل مع كل دولة على حدة مطلوب إحداث تحول ما فيها، ما يفرض دفع تكاليف مرتفعة من دون امتلاك يقين كاف للحصول على العائد المطلوب.

لا تتوقف قضية العولمة على رغبة دولة بعينها لها قوة وسلطان ونفوذ على مستويات مختلفة، بل تمكن أكثر من دولة من امتلاك الآليات المناسبة للتعاطي مع الأوضاع العالمية، وكلما زاد الانخراط في هذه المعادلة ارتفع عنصر التأثير والتأثر. وقد يبدي البعض ممانعة أو رفضا، لكن في النهاية هناك شبكة تضم مسودة عالمية يصعب الفكاك منها.

ظهرت ملامح منها مع عدوى العزل والتباعد اللذين أوقعهما كورونا، فكل دولة تشد الأخرى. انظر إلى طرق الوقاية التي جرى التعامل بها مع المرض، وحجم النشاط الذي دب في دبلوماسية الصحة، ولاحظ معالم الانسحاب منها حتى الآن، تكتشف أن مفردات المنظومة بدأت تغزو وتتشكل فعلا، وتنتظر الإعلان عن مكوناتها، وضوابط التقيد بها، والعقوبات المنتظرة لمن يخرق قواعد العولمة الجديدة.

‭{‬ كاتب مصري.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news