العدد : ١٥٤٤٦ - الثلاثاء ٠٧ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٦ ذو القعدة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٤٦ - الثلاثاء ٠٧ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٦ ذو القعدة ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

أزمة كورونا اختبار حقيقي للعمل الجماعي الدولي

بقلم: د. أشرف محمد كشك {

الاثنين ١١ مايو ٢٠٢٠ - 02:00

مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية بمركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة «دراسات»

في ظل استحواذِ أزمةِ كورونا على جلِّ اهتمامِ كلِّ دولِ العالم وانشغال تلك الدول بمحاولةِ وقف انتشار ذلك الفيروس وعلاج ممن أُصيبوا بل في بعض الدول كان دفنُ الموتى جراء الفيروس تحديًّا آخر، فقد أُثيرت لدي تساؤلاتٌ حولَ العملِ الجماعي الدولي خلال الأزمات، ألخصها في ثلاثة الأول: هل شهدَ العالمُ بالفعل عملاً جماعيًّا دوليًّا من قبل خلال الأزمات؟ والثاني: لماذا تعثر العملُ الجماعي الدولي لمواجهةِ أزمة كورونا؟ والثالث: ما متطلبات العمل الجماعي الدولي الفاعل لمواجهة أزمات مماثلة؟

والواقع أن لتلك التساؤلات ما يبررها لأنه توجد أطرٌ دولية للعمل الجماعي بالفعل تتمثل في منظمة الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة، تلك المنظمة التي نشأت على أنقاض عصبة الأمم المتحدة، ليس هذا فحسب بل إن ميثاق الأمم المتحدة في الفصل الثامن منه قد أتاح لمجموعة من الدول التي تقع ضمن إقليمٍ واحد تأسيسَ منظماتٍ للأمن الإقليمي تؤدي دورًا مكملاً للمنظمة الأممية في حفظ الأمن والسلم الدوليين ومن ثم فقد ظهرت تنظيماتٌ للأمن الإقليمي بالفعل ومنها الاتحاد الأوروبي والآسيان والاتحاد الإفريقي بالإضافة إلى أن دولَ العالم مهما تباينت مصالحُها وازدادت حدةُ صراعاتها فإن مصالحها تتداخل وتتشابك بشكلٍ كبير يصعب معه القول بأنه في الأزمات الكبرى هناك دول في مأمن منها، فضلاً عن أن العمل الجماعي وخاصة خلال الأزمات قد أكد فاعليته بالنظر إلى كونه الإطار الذي تنتظم فيه كل الجهود.

وعود على بدء، بالنظر إلى الأزمات الدولية فإن مجلس الأمن الدولي هو الجهازُ المعني بالتعامل معها والذي أتاح له ميثاقُ الأمم المتحدة حقَ الطلب من دول العالم قوات مسلحة تكون تحت إمرته للتدخل في الأزمات التي تمثل تهديدًا للأمن والسلم الدوليين وفقًا للفصل السابع من الميثاق، كما نص الميثاقُ في المادة 47 منه على تشكيل لجنة حرب من رؤساء أركان الدول دائمة العضوية بالمجلس تختص بتقديم المشورة وقيادة القوات خلال الأزمات إلا أن تباينَ مصالحِ الدول الأعضاء قد حال دون ظهور تلك الآلية على أرض الواقع، ولهذا أسباب كثيرة لا يتسع المقال لتناولها وبالتالي تمثل العمل الجماعي الدولي في الأزمات في التحالفات وهي كثيرة بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية ابتداءً بالتحالف الدولي لتحرير دولة الكويت عام 1991 والمكون من 32 دولة ومرورًا بالتحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش عام 2014 وانتهاء بالتحالف العسكري البحري لأمن الملاحة في الخليج العربي 2019. وإذا ما نظرنا إلى الأزمات المرتبطة بالتحالفات الثلاثة نجد أنها كانت تهديدًا للمصالح الاستراتيجية على المستويين الإقليمي والعالمي، بمعنى آخر تجاوز ما يسمى «الخطوط الحمراء» التي تطلبت ذلك التدخل في ظل صعوبة إيجاد توافق دولي من خلال المنظمة الأممية للتعامل مع تلك الأزمات على نحو ما تمت الإشارة إليه سابقًا.

ومع التسليم بأن آلية التحالفات الدولية قد أثبتت نجاعتها في مواجهة الأزمات الأمنية فإن ذلك يقودنا إلى التساؤل التالي وهو لماذا لم تجد تلك الآلية سبيلها نحو التنفيذ في مواجهة أزمة كورونا في ظل أمرين الأول: أن التحالفات المُشار إليها لم تقتصر على القضايا الأمنية فحسب إذ قادت الولايات المتحدة تحالفًا دوليًّا يضم عشرات الدول والمنظمات لمكافحة وباء إيبولا في غرب إفريقيا ما بين عامي 2014 و2016 شاركت فيه المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا «ايكواس» والمراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها،فضلاً عن المفوضية الأوروبية، بالإضافة إلى عدد من المنظمات منها منظمة أطباء بلا حدود والصليب الأحمر، وكان التعاون بين تلك الجهات نموذجًا يُحتذى في مواجهة الأزمات، الأمر الثاني: أن نسبة الإصابات بفيروس كورونا في الولايات المتحدة والدول الأوروبية كانت مرتفعة قياسًا بالدول الإفريقية والعربية، وواقع الأمر أن أسباب عدم تمكن المجتمع الدولي من بلورة تحالف دولي مماثل لكورونا عديدة ولكن يمكن إجمالها في ثلاثة أسباب الأول: هو أن الأزمة كانت كاشفة- ولم تكن منشأة- وبجلاء لحدة الصراع الدولي الراهن ما بين قوى لا تزال تمسك بمفاصل النظام العالمي ولديها القدرة على حسم الأزمات وأخرى تسعى إلى رسم ملامح نظام عالمي جديد ذي أسسٍ مختلفة وهو ما اتضح خلال الحرب الكلامية بين الولايات المتحدة والصين وسعي الأخيرة إلى إرسال وفود ومعدات طبية للدول الأكثر تضررًا من الوباء، أما السبب الثاني: فهو أن الأزمة قد أعادت تأكيد حقيقة مؤداها أن المنظمة الأممية عامة ومجلس الأمن خاصة ليس حكومة فوقية بين الأمم وإنما هي حاصل جمع إراداتها فقد تعثر إصدار قرار أممي بشأن أزمة كورونا، فبعد جلسة مغلقة استمرت ثلاث ساعات استمع خلالها أعضاء مجلس الأمن لشرح من الأمين العام للأمم المتحدة حول ثمانية مخاوف كبرى بشأن تداعيات كورونا على الأمن والسلم الدوليين فقد دعا المجلس إلى الوحدة والتضامن ضمن ما يطلق عليه «عناصر صحفية» وهي أدنى مستوى من القرارات، فعادة ما يصدر مجلس الأمن قرارات أو بيانات رئاسية أو بيانات صحفية، أما السبب الثالث: فهو طبيعة الأزمة المفاجئة وغير المتوقع انتشارها على هذا النحو، لأن غالبًا ما يكون لدى أجهزة الاستخبارات في الدول الغربية تقديرات وتوقعات لكل التهديدات وهو ما يثير تساؤلات هل بالفعل لم تتمكن من رصد مقدمات وقوع تلك الأزمة أو أنها رصدتها وتجاهلتها؟

ويقودنا ذلك إلى الإجابة على التساؤل الثالث: هل ثمة آمال للعمل الجماعي الدولي خلال الأزمات من هذا النوع؟ وخاصة أنها لا ترتبط بحروب تقليدية ولكن بمصير البشرية جمعاء، صحيح أن دور الدولة الوطنية برز وبقوة خلال تلك الأزمة إلا أن الدول لا تعيش في جزر منعزلة فهناك حركة اتصال يومي من خلال تنقل الأفراد والبضائع عبر المنافذ المختلفة، والواقع أن السبيل لذلك العمل الجماعي سيكون من خلال آليتين الأولى: محاولة إصلاح المنظومة الأممية وهذا موضوع مطروح للنقاش منذ سنوات وسوف يستغرق الكثير من الوقت لارتباطه بتوازن القوى الدولي أو على الأقل دعم منظماتها المتخصصة وكذلك منظمات العمل الإنساني والتي يبرز دورها خلال الأزمات، أما الآلية الثانية أن تكون هناك جهود منتظمة لدعم منظمات دولية لها حضور دولي مهم وخاصة على الصعيد الاقتصادي العالمي وفي مقدمتها مجموعة العشرين التي تترأسها المملكة العربية السعودية في الوقت الراهن. 

وخلاصة القول إن دول العالم التي ارتضت تأسيس منظمة أممية في أعقاب الحرب العالمية الثانية لحفظ الأمن والسلم الدوليين، عليها أن تدرك الآن أن ثمة تغيُّرًّا جذريًّا في مفهوم ذلك الأمن ليس أقله «حروب الفيروسات» التي تتطلب عملا ينهض على التعاون وليس الصراع.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news