العدد : ١٥٤٠٧ - الجمعة ٢٩ مايو ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٦ شوّال ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٠٧ - الجمعة ٢٩ مايو ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٦ شوّال ١٤٤١هـ

اطلالة

هالة كمال الدين

halakamal99@hotmail.com

«كورونا» قبيح أزاح الستار عن الجمال

نعم، هناك خسائرٌ فادحةٌ لهذه الجائحة، تقدر بحوالي 4.1 تريليونات دولار حتى أيام قليلة ماضية، وذلك بسبب تداعيات فيروس كورونا، هذا إلى جانب الضحايا البشريةِ التي تتساقطُ يومًا بعد يوم، ولكن ورغم قبح هذا الوباء، فإنه قد أزاح الستارَ عن نوعٍ ما من الجمال، كنا قد افتقدناه خلال الفترةِ الأخيرة.

ففي عصر العالمِ الافتراضي الذي نعيشه اليوم يمكنُ أن نجزمَ جميعًا بأننا غرقنا في الزيفِ وخسرنا أشياء حقيقيةً جميلة، فتفاقمت الكثيرُ من الأزماتِ والأمراضِ الاجتماعية، التي كادت أن تنفجرَ في وجوهنا، ودمرت بالفعلِ مجتمعاتٍ أخرى من حولنا، وهذا ما أعربت عنه خبيرةُ علم الاجتماع الدكتورة هدى زكريا في حديثٍ رائع لها بأحد البرامج الفضائية.

فبرغم النكات المضحكات المبكيات التي يتداولها الكثيرون الآن ويتناولون فيها الخلافاتِ الزوجيةِ والعائلية التي تحدث في بيوتنا بسبب البقاء في المنزل الذي فرضه هذا الفيروس، إلا أن التجمعَ العائلي الحادث اليوم له وجهٌ آخر إيجابي يتمثل في العودةِ إلى أيامٍ جميلة، أو بالأحرى العودة إلى حياتنا الطبيعية الأولية، التي سرقتها منا مشاغلُ الحياةِ ومسؤولياتها وضغوطاتها.

علينا أن نعترفَ بأننا ركزنا جلَّ الاهتمامِ في السنواتِ الأخيرة علي جني المال، وتأمين متطلبات الحياة، فكان اللهثُ وراء الأمانِ المادي سببًا في فقدانِ الأمانِ الاجتماعي والعائلي، حتى وجدنا أفرادَ الأسرة الواحدة يعيشون حالةً من الاغتراب، ويغلب عليهم أحيانًا الوحشية بل الصراع في التعامل، فانتشرت ظواهرُ سلبية عديدة ومخيفة منها العنفُ الأسرى اللفظي والجسدي، والتوحدُ والخرس الزوجي، والانفصال العاطفي، والطلاق، والخيانة و...وغيرها من الأمراضِ الاجتماعيةِ الخطيرة.

نعم هناك مكاسبٌ مادية في عصر العالم الافتراضي، ولكن في المقابل هناك أيضا خسائرُ جمةٌ اجتماعية وعاطفية ومعنوية، لذلك جاء كورونا ليرأب الصدع، ولينقذ مفهومَ الأسرة الحقيقي، وليحييه من جديد، وليوحد أفرادها، بل ليصالحنا مع أنفسنا وأحبائنا، وجميع من حولنا، لأن الهم أصبح واحدا، والخطر واحد، والهدف واحد.

لقد أذاب كورونا الفوارقَ بين الناس داخلَ المجتمع الواحد، وبين المجتمعات بعضها بعضا حول العالم، بل صالح حكوماتٍ علي شعوبها، وأصلح العلاقةَ بينهما، بعد أن كشف عن المعادن الطيبة الأصيلة لكثير من القيادات، وعن تحضرها وإنسانيتها في التعامل مع المحكومين وقت الأزمات، حتى أصبح الكثيرون من العالقين خارج أوطانهم يحلمون بالعودة إلى أرضهم الطيبة، للعيش في كنفها، والارتماء في أحضانها، ولنا في البحرين ومصر نموذجان «وهما الأقرب إلى قلبي» يجسدان ذلك علي أرض الواقع وبمنتهي القوة.

فما أجمل كورونا الذي ذهب بنا إلى حجرة العمليات الاجتماعية، لإنعاش الترابط، وإحياء الانسجام بين أفراد العائلة، وعلاج فيروس التباعد الذي أصابهم في مقتل، بعد أن أداروا ظهورهم لبعضهم بعضا، وصاروا اليوم يكتشف كل منهم الآخر من جديد، ويقترب منه، ويلتحم معه، ويشعر بنعمة لم الشمل، ويتذوق طعم الألفة الذي فقدناه لسنوات طوال.

إقرأ أيضا لـ"هالة كمال الدين"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news