العدد : ١٥٤٥٢ - الاثنين ١٣ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٢ ذو القعدة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٥٢ - الاثنين ١٣ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٢ ذو القعدة ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

التفاؤل والإيجابية في زمن الكورونا

بقلم: د. زكريا خنجي

الأحد ١٠ مايو ٢٠٢٠ - 02:00

التفاؤل والإيجابية ليستا كلمتين نرددهما على ألسنتنا فحسب، وإنما من المفروض أن يكونا منهج حياة، وخاصة في زمن الكوارث والأوبئة التي يمكن أن تؤدي إلى وضع غير طبيعي يمر على الإنسان، كما الوضع الذي نحن نعيشه الآن.

فالتفاؤل هو الاستعداد والتهيئة النفسية لرؤية الجانب الجيد والإيجابي في الأشياء والاطمئنان إلى الحياة، والتفاؤل كمنهج حياة يساعد على تحمُّل مصاعب الحياة، ويؤدي إلى الانشراح الدائم والتام، وعندما يصل الإنسان عند هذا الحد فإنه يرى كل شيء جميلا، حتى وإن كان يظهر للناس على أنه قبيح. وفي الجهة الأخرى فإن الإيجابية تعني التفاؤل والنشاط وتحمّل المسؤولية. 

ونحن في زمن الكورونا وعلى الرغم من كل ذلك الإجهاد النفسي والمجتمعي الذي نعيش فيه، وكل تلك الخسائر الاقتصادية والتباعد الاجتماعي وكل تلك الظروف القاسية التي تمر على البشرية جمعاء، فإننا تعلمنا الكثير من هذا الفيروس وهذه الجائحة، وهذه هي النظرة التفاؤلية الإيجابية للحالة الكارثية التي نعيشها، لذلك نجد أنه يجب أن نتوقف بعض الوقت لنتدارس كل ما تعلمناه من هذه الجائحة، سواء كان تعلمنا برغبتنا أم لا، إلا إننا -شئنا ذلك أم أبينا- تعملنا كل تلك الأمور التي كنا نرفض تعلمها فيما سبق، ومن ذلك:

الرجال والخروج من المنزل

كان الرجل لا يستطيع المكوث في المنزل وبين أفراد أسرته إلا لسويعات قليلة، لذلك فإنه كان يهرب من المنزل بصورة دائمة إلى أصحابه، فيجتمعون سواء في مقاهي الشيشة أو في ديوانية أي أحد، فيقضون الساعات الطويلة هناك، وعادة ما يقضون الوقت في لا شيء، ربما لمشاهدة التلفزيون ولعب الورق أو الكيرم أو غيرها من الأمور غير المهمة، المهم أنه لا يرغب في الجلوس في المنزل وبين أولاده وزوجته على اعتبار أن الجلوس في المنزل ممل ومتعب ولا شيء مثير فيه، وأن الأطفال وشقاوتهم مزعجة، وأن المرأة تشتكي -طوال الوقت- من الجهد والتعب والارهاق وأنها لا تخرج من المنزل وأنه -أي الرجل- غير مهتم بها، ففي اعتقاده أنه يكفيه من التعب والإرهاق والإزعاج الذي يعانيه طوال الصباح في فترة الدوام الرسمي، ومشاكل الدوام الرسمي، وبسبب كل ذلك فإنه يهرب إلى المجالس والمقاهي والأصحاب فيجتمعون ليس لشيء إلا للقضاء على الوقت وقتله والهروب من المنزل، ولكن هل في تلك المجالس التي يرتادونها أمور مثيرة، لا أعتقد.

هذا الكلام ليس من عندي، ولكنه شكوى الكثير من النساء قبل الكارثة الوبائية، وفي الكثير من الدورات التدريبية التي قدمناها، فمعظم النساء يشتكين من هذه الظاهرة.

ولكن اليوم وقد مضى أكثر من شهر، وخلال كل هذه الفترة فإن الرجال أجبروا على الجلوس في البيوت ومشاهدة الأطفال ومراقبة الزوجة وهي تعاني الأمرين، سواء من العمل المنزلي أو تربية الأطفال. 

وبحسب علمي فإن الكثير من الرجال بدأوا يعيدون ترتيب حياتهم وفق ما تعلموه اليوم، فبعدما كانت حياة الرجل الخاصة هي محور حياته غدت أسرته هي محور حياته الجديدة، وبنظرة جديدة وبتفاؤل جديد، وبدأ يعيد تفكيره في حياته الزوجية والأسرة، وأصبح لا ينزعج من لعب ومشاغبة الأطفال، ولا حتى شكوى زوجته من الجهد والتعب، إذ بدأ يشعر بتعبها ومعاناتها، ليس ذلك فحسب وإنما -كما قال لي الكثير من الرجال- بدأوا يساهمون في الأعمال المنزلية وبكل رحابة صدر، أليست هذه إيجابية حدثت بسبب الفيروس الصغير جدًا.

نساؤنا والأسواق وشهوة الشراء

قالت لي إحداهن ذات مرة في دورة تدريبية: أنا مغرمة جدًا لا بالأحرى مهووسة بشراء الماركات التجارية، ذات مرة اشتريت حقيبة يد بحوالي 3 آلاف دينار.

وفي الحقيقة لم أكن أعلم إن كانت قالت ذلك لفخر أو أنها كانت تتألم من هذا السلوك الغريب، وربما لا تعرف هي إن كانت تتألم أم تفتخر بهذا السلوك الذي نطقت به.

فدار نقاش عام في تلك الدورة، حول شهوة شراء الماركات التجارية، لماذا نهتم بشراء الماركات التجارية؟

قالت إحداهن: أنا لست مهووسة بشراء الماركات، وإنما أنا أعاني من شهوة التسوق، بمعنى أني أذهب للتسوق كلما ضقت ذرعًا من البيت، أو كلما أردت الخروج من المنزل حتى وإن لم تكن لدي رغبة في التسوق، المهم أني آخذ حقيبتي ومفاتيح السيارة والمال أو بطاقة البنك وأذهب أتنقل بين المجمعات وأحاول شراء أي شيء، سواء لي أو لأحد من أطفالي أو أطفال أخواتي، المهم أني أقوم بعملية الشراء، لست أنا فحسب وإنما العديد من صاحباتي كذلك.

قالت الأخرى: أنا وأهلي -إخوتي ووالداي- نجتمع بصورة أسبوعية لتناول وجبة الغداء في واحدة من المطاعم المشهورة في البلاد، وهذه عادتنا منذ سنوات، كل شخص مع زوجته أو زوجها وطبعًا الأولاد وهكذا. ذات مرة اتفقنا على تناول الغداء في واحد من المطاعم الموجودة في أحد المجمعات التجارية الكبيرة، وعندما دخلنا المجمع مع زوجي وأطفالي دلفنا محل لبيع الساعات الفاخرة، فوقع بصري على ساعة شعرت حينها أن هذه الساعة ما صنعت إلا لي أنا شخصيًا، فدخلت مع زوجي المحل وسألته عن ثمن الساعة وقال إنها بحوالي 4 آلاف دينار ونصف، وللأسف لم يكن معي نقود بهذا القدر في تلك اللحظة، واليوم الجمعة والبنوك مغلقة، فماذا أفعل؟ قال لي زوجي دعي الأمر ويمكن أن نأتي يوم الأحد بالنقود اللازمة لشرائها، فرفضت وتذكرت أنه عندي نفس ذلك المبلغ في المنزل في الخزينة الخاصة بي، فطلبت من زوجي العودة إلى المنزل وإحضار النقود لشراء الساعة، وفعلاً عدنا إلى المنزل وأخذت النقود وأتينا إلى المحل واشترينا الساعة، وعلى الرغم من أننا تأخرنا تمامًا عن موعد الغداء في ذلك اليوم، إلا أن ذلك لا يهم، المهم أني اشتريت الساعة التي ما صنعت إلا لأجل أن تتزين بها يدي. 

ثم بدأت الاعترافات، ومن خلال كل تلك الاعترافات توصلنا إلى أن معظمنا يذهب للتبضع والشراء كلما وجد أنه فارغ وليس لديه ما يفعله. 

كل ذلك وأنا واقف في القاعة التدريبية وأنا في حالة من الذهول، هل هذا معقول؟ عندما قلت لهن ما يجول في خاطري، ضحكن باستخفاف من عقلي المتحجر، كيف يا رجل تفكر بهذا المنطق المتخلف؟

والآن في زمن الكورونا، وجدنا كلنا أنه يمكننا أن نستغني عن كل ذلك، يمكننا أن نجلس في البيوت ولا نذهب إلى المجمعات التجارية ولا نشتري الماركات، ويمكننا أن نتحكم في شهوة الشراء، والتغلب على هوس شراء الماركات، فكل شيء يمكن التحكم فيه إن رغبنا ذلك، ولكن المهم أن تكون لدينا الرغبة في ذلك. 

افتقدنا أهلنا وأحباءنا

الكثيرون منا عندما يجتمعون مع الأهل والإخوة والأخوات، وربما مع الآباء والأمهات لسويعات في البيت العود كما يقال، يجتمعون على مضض وكأنه واجب أسبوعي ملزم ومظهر مجتمعي وبرستيج جميل يتباهى به أمام الناس وفي المجالس التي يرتادها، على أساس أنه إنسان راعي واجب، إذ إنه يجالس إخوته ووالديه على الأقل مرة في الأسبوع.

إلا أن الإنسان منا وفي قرارة نفسه يؤمن بأن الجلوس مع إخوته ووالديه جزء من الوقت غير المهم -الضائع- والذي سوف ينقضي بطريقة أو بأخرى وعندئذ سيذهب كل في طريقه، لذلك فإن من يجلس في مثل هذه اللقاءات يشاهد العجب، يشاهد أن الكثير منا لا يترك الهاتف النقال من يديه، فهو ينتقل عبر هذا الهاتف ومن خلال شاشته من الواتساب إلى الانستغرام، يبحث في كل وسائل التواصل الاجتماعي عن لا شيء، لعل هناك أمرا جديدا يقضي فيه وقته بالقراءة أو التعليق أو أي شيء، وإن انتهى من كل ذلك يقوم بفتح بعض الألعاب التي قد خزنها سابقًا في الهاتف ويلعب، ويستمر في اللعب لساعات وطوال الفترة التي يكون جالسا في هذا اللقاء مع والديه وإخوته، وربما حادثه والده أو كلمته والدته إلا أنه لا يسمع لهما، وإن ناداه أحدهما فإنه بالكاد يرفع رأسه من الهاتف، ومن ثم ينظر إلى من يناديه بنظرة ثقيلة وبعد ذلك يعود إلى الشاشة من جديد، وفي الحقيقة هو لا يدري عن ماذا يتحدث من يحيطه، فهو موجود بين الأهل كجسد ولكن عقله وروحه في كل مكان من الكون إلا في المكان الذي هو فيه.

هذا قبل جائحة كورونا، ولكن اليوم -الكثير منا- وجد نفسه محاصرا في البيت، لا يرى أهله وإخوته ووالديه، لذلك شعر الكثير منا بأنه لو تعود تلك الأيام فإنه سوف يتغير، وسوف يستمر في الجلوس مع أهله وإخوته ووالديه، ويستمر بالتحدث إليهم. الكثير منا شعر بأنه فقد كل أهله وكل أحبائه وافتقدهم وأنه يتوق إلى ذلك اليوم الذي يجتمع فيه مع من افتقدهم وكل من أحبهم، وأنه سوف يتغير، ونحن نقول نرجو ذلك.

غياب التافهين وبروز الأبطال

في زمن انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح كل تافه بطلا، وكل جاهل عالما، وكل من لا يستحق نجما، وبسبب ذلك طفح الخشب -اللوح- إلى أعلى، وأصبح المطبلون والراقصون يتصدرون المجالس ويتسلمون الجوائز التكريمية وهم الذين يستلمون تلك المبالغ المالية التي تقدر بآلاف الدنانير لمجرد أنه قد خرج لدقائق معدودة لتقديم دعاية لمطعم أو أي شيء أو كل شيء، وتلك الفاشنستا التي تعرض جسدها الجميل من أجل أن تقدم إعلانات للملابس، أو الأنواع المختلفة من المكياج. في ذلك الزمن أصبح كل تافه يقدم فكره التافه وثقافته التي لا قيمة لها من خلال ذلك الجهاز الذي بين يديه، وأصبح كل صاحب سلعة يبحث عن هؤلاء، حتى ظن هؤلاء أنهم هم سادة الزمن الحالي.

وفي المقابل وجد رجال الفكر والأطباء والعلماء أنفسهم في خارج الركب وخارج السرب، فلا يلتفت إليهم أحد ولا يُكرمّون ولا يُذكرون، فاختفي البطل والعالم والإنسان الحقيقي وذلك لأنهم وجدوا أنه من العقل أن يسمو على كل هذا الزبد وهذه تلك المظاهر الكذابة، فرجاحة عقلهم تمنعهم المشاركة في مثل هذه الإسفافات.

ثم جاء زمن الفيروس الصغير جدًا، وكشف المكياج ونزع ورق السلوفان الملون الذي كان يتزين به الكثير من خلال وسائل التواصل، فغاب التافهون والمطبلون والراقصون والراقصات، وبرز رجال الفكر والأطباء والعلماء وتصدروا الموقف، وكل من خلال موقعه، عندئذ بدأت الدول والمجتمعات تتحكم وتسيطر على الجائحة، وهذا هو الفرق بين أن نعطي الفرص المناسبة للعلماء ورجال الفكر بتسيير الأمور وبين أن نترك الحبل على الغارب لكل من هب ودب.

عمومًا، ها هو فيروس كورونا قد علمنا بعض الدروس المهمة، ومازال يعلمنا.

Zkhunji@hotmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news