العدد : ١٥٤٥٤ - الأربعاء ١٥ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٤ ذو القعدة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٥٤ - الأربعاء ١٥ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٤ ذو القعدة ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

لا تحسبوه شرا لكم!

بقلم: عبدالرحمن علي البنفلاح

الأحد ١٠ مايو ٢٠٢٠ - 02:00

يقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن: إن أصابته سراء شكر، فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيراً له» رواه مسلم.

رسول الإسلام (صلى الله عليه وسلم) يعجب أشد العجب من أمر أمته، فهي مأجورة حين تشكر، وهي مأجورة حين تصبر، وأصل ذلك وفصله في أمرين اثنين هما: أن الإيمان شطره شكر، وشطره صبر! فالمؤمن في خير وعطاء، وهو دائماً يرى العطاء في البلاء، يقول سبحانه وتعالى: «كُتِبَ عليكم القتال وهو كُره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون» (البقرة/216).

نحن إذًا نؤمن بإله حي لا يموت، وبإله يعلم ما لا نعلم، وهو سبحانه يختار لنا الأسلم والأنفع في ديننا ودنيانا، فقد يدعو الإنسان بالشر دعاءه بالخير وهو لا يعلم، ولكن الله تعالى يعلم، فيختار لعبده ما يعلم أنه خير وإن بدا للعبد أنه شر، ونحن اليوم نواجه عدوا مشتركا لم يستثن أمة من الأمم، ولا دولة من الدول، فالجميع في هذا البلاء سواء، الدول المتقدمة والدول المتخلفة.. الكل يصرخ ويستغيث، ويطلب العون والمساعدة، المؤمن وحده في هذا البلاء يثاب في سرائه، وفي ضرائه إذا صبر واحتسب، لأنه يؤمن: بأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، والمؤمن وحده الذي لا يبالي أوقع على الموت أم وقع الموت عليه، كما قال الإمام علي بن أبي طالب (رضي الله عنه)، وعلى المؤمن أن يحرص على أن يخطو الخطوة الصحيحة، وأن يضع قدمه على الصراط المستقيم الموصل إلى الغاية، قال سبحانه وتعالى: «فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين (98) واعبد ربك حتى يأتيك اليقين (99)». (سورة الحجر).

هل يُعْقَل أن العالم بحضارته ومدنيته، وإنجازاته العلمية في كل شأن من شؤون الحياة، ورغم فتوحاته الطبية والعلاجية، هل يُعْقَل أن يقف عاجزا ومهزوماً أمام هذا الغازي الذي استنفر العالم جميع إمكاناته في سبيل دفعه والانتصار عليه؟!

إنك حين تشعر بأنك سوف تفقد ما في يدك من حياة تصبح هذه الحياة أغلى شيء تمتلكه، وحين يتبين لك أن ما حققته من إنجازات علمية، وانتصارات في شتى جوانب الحياة مهدد بالدمار، تشعر بقيمة ما أنت مهدد بفقده، وأن يضيع من يدك.. هذا ما أحدثه فيروس كورونا في العالم، وصدق الله العظيم: «.. حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلاً أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون» (يونس/24).

هذه هي حقيقة الدنيا التي ازينت، وقرب زفافها على عشاقها كشفت عما تخفيه من وهم بأنها دنيا فانية، محدودة في متعها، قصيرة في أجلها، حلالها حساب، وحرامها عذاب، والإنسان مخدوع بها، مغرر بمتعها وملذاتها، هل كان لازما أن يتعرض العالم لمثل هذا الامتحان الصعب حتى يقروا ويسلموا أن لهذا الوجود إله قادر، عليم، حكيم، إنما أمره بين الكاف والنون، يقول سبحانه وتعالى: «إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون (82) فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون (83)». (سورة يس)، ألم يأتهم رسل، ألم تنزل إليهم كتب، ألم يُقِمْ عليهم الله تعالى الحجة، ألم يتحاكم وإياهم إلى العقل والبرهان؟ لقد حدث كل هذا، وأكثر منه قد حدث، لقد قص عليهم التاريخ الصادق بعضا من قصصه التي جعلها الله تعالى عبرة لمن يريد العبرة والموعظة، ودرسا لمن أراد أن يدرس ويتعلم.

إن ما تمر به الحضارة المعاصرة بكل معطياتها لأمر يصعب على الوصف، فها هي الأمم الكبيرة والمتقدمة تُلْقِي سلاحها، وتُسْلِمَ أمرها إلى خالقها رغماً عنها، وتعلم أنه لا ملجأ من الله إلا إليه، وأن على البشرية أن تفر إلى الله سبحانه طوعاً أو كرهاً لا أن تفر منه، وتحاول أن تتلمس الأعذار والسبل من أجل الشرود عن منهجه، واتباع سبل الغواية والضلال.

البشرية اليوم على مفترق طرق، فهل تختار سبيل الرشد أم تختار سبيل الغي؟

وعلى من ينكرون وجود الخالق، وهيمنته على الوجود، عليهم أن يتعقلوا قوله سبحانه لا بقلوبهم الخالية من الإيمان، بل بعقولهم التي صعدوا بها إلى الفضاء، ويفاخرون بها، ويتعالون بها على الخلق، عليهم أن يقرأوا آيات الله في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم الحق، وستدلهم عقولهم إن كانت راشدة راجحة إلى أن للوجود خالقا، مدبرا يمسك السماء أن تقع على الأرض، ويحكم بعلم وحكمة الأجرام في مساراتها، فالشمس تجري لمستقر لها، والقمر قدره منازل، وكل في فلك يسبحون.

لقد أقام الله تعالى الحجة على خلقه حين قال سبحانه: «من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا» (الإسراء/15).

إضافة إلى كل هذا، فقد قص عليهم التاريخ أخبار الأمم السالفة، وما جرى لها حين كفرت بأنعم الله تعالى، وبَيَّن سبحانه للناس أنواع العذاب الذي أنزله بكل أمة، قال سبحانه: «وقارون وفرعون وهامان ولقد جاءهم موسى بالبينات فاستكبروا في الأرض وما كانوا سابقين(39) فكلاً أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصباً ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (40)» (سورة العنكبوت).

وبعد، فها هو الله الخالق البارئ، العليم الحكيم الرزاق ذو القوة المتين غَفَّار الذنوب، سَتَّار العيوب.. يعفو عن الكثير، ويجازي على القليل بالكثير، وحين يغفر يختار من الذنوب أسوأها، وفي الثواب يتخير من الأعمال أجودها وأرجاها عند الله تعالى مثوبة، سبحانه وتعالى، جل جلاله، وتقدست أسماؤه وصفاته لا إله إلا هو سبحانه وتعالى.. أيها الناس لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news