العدد : ١٥٤٥٣ - الثلاثاء ١٤ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٣ ذو القعدة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٥٣ - الثلاثاء ١٤ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٣ ذو القعدة ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

في ذكرى انتهاء الحرب العالمية الثانية والدروس المستفادة

بقلم: د. نبيل العسومي

السبت ٠٩ مايو ٢٠٢٠ - 02:00

إذا كانت الحرب العالمية الأولى محدودة ومقتصرة على أوروبا، فإن الحرب العالمية الثانية كان محيطها أوسع ونطاقها أشمل وأحداثها جرت في ثلاث قارات هي أوروبا وآسيا وإفريقيا فكانت نتائجها كارثية على العالم ومأساوية على سكان المعمورة التي نعيش عليها، حيث جلبت الكوارث والمآسي والمصائب للبشرية جمعاء وكادت تعود بالعالم عقودا إلى الوراء، إلى عالم متوحش يبطش القوي بالضعيف في ظل سيادة قانون الغاب.

لقد كانت أوروبا الأكثر تضررا من هذه الحرب الدموية، وخصوصا الاتحاد السوفيتي الذي كانت أراضيه مسرحا لأعنف المعارك الشرسة التي دارت بين الجيش الأحمر السوفيتي والجيش الألماني النازي الذي أشعل شرارة الحرب بقيادة زعيم الفاشية والنازية هتلر لتحقيق حلمه بالسيطرة على أوروبا كمقدمة لاحتلال العالم أجمع وإقامة إمبراطوريته الفاشية، التي أعلنها في ثلاثينيات القرن الماضي للتحكم في مصير البشرية جمعاء، معتمدا على قوته العسكرية والاقتصادية مقارنة باقتصاديات وقوة الدول الأوروبية الأخرى التي كانت تعاني من الركود الاقتصادي الذي شهده العالم في تلك الفترة.

وكمقدمة للحرب، فقد تم الترويج للفكر والإيديولوجية الفاشية في أوروبا وتحديدا في ألمانيا وإيطاليا؛ لجذب المؤيدين لهذا الفكر المعادي للقيم والمبادئ الإنسانية، وخصوصا من الشباب، وبالتالي إعدادهم وتدريبهم وانخراطهم في الجيش النازي الذي أعد العدة لاجتياح الدول الأوروبية في إطار الخطة الهتلرية لاحتلال العالم بدءا من أوروبا كما أسلفنا.

وهكذا ومع نهاية الثلاثينيات، استطاع الجيش الألماني اجتياح واحتلال البلدان الأوروبية والسيطرة عليها من دون صعوبة أو معوقات، فقرر هتلر في غمرة انتصاراته الكبيرة والسريعة التي حققها في أوروبا اجتياح الاتحاد السوفيتي لاستكمال حلقات حلمه بالسيطرة على العالم.

وبما أن الاتحاد السوفيتي كانت تربطه اتفاقية عدم اعتداء مع ألمانيا لم يكن مستعدا لهذه الحرب؛ ولذلك لم يجد الجيش الألماني في بداية اجتياحه للاتحاد السوفيتي أي صعوبة في احتلال مساحات واسعة من أراضيه، حتى وصل إلى مشارف موسكو التي كادت تسقط في يد الجيش الألماني لدرجة أن الحكومة السوفيتية درست بجد إمكانية تغيير موسكو كعاصمة للاتحاد السوفيتي بمدينة سوفيتية أخرى خوفا من سقوطها في أيدي الجيش الألماني، وبالتالي إعلان هزيمة الاتحاد السوفيتي وإحكام سيطرة هتلر على هذه الدولة المترامية الأطراف، إلا أن شجاعة وبسالة الجيش الأحمر السوفيتي ووطنية شعوب الاتحاد السوفيتي حالت دون تحقيق هذا الحلم الهتلري، وكانت معركة الدفاع عن العاصمة السوفيتية موسكو أول مسمار في نعش الجيش الألماني الفاشي الذي تلقى أولى هزائمه في هذه المعركة الشرسة، وأتذكر في هذا السياق أنه عندما كنت أدرس في موسكو شاهدت العلامة الموضوعة على الطريق التي تبين نقطة وصول الجيش الألماني إلى العاصمة موسكو قبل إيقافه وإلحاق الهزيمة به ودحره، كما تبين الأفلام الوثائقية عن الحرب كيف كان ستالين يدير المعركة من الكرملين على إيقاع أصوات ودوي الطائرات الألمانية التي كانت تحلق في سماء موسكو.

لقد تحولت الأراضي السوفيتية إلى مقبرة للجنود الألمان بعد أن توالت الهزائم للجيش النازي الألماني على يد الجيش الأحمر السوفيتي الذي وصل في النهاية إلى عقر دار هتلر ودخل الرايخت الألماني ورفع العلم السوفيتي عليه وإعلان استسلام ألمانيا من دون قيد أو شرط، إلا أن هذا النصر كان ثمنه باهظا جدا دفعته البشرية جمعاء اقتصاديا وبشريا، وخصوصا أن هتلر استخدم سياسة الأرض المحروقة قبل خروج من المدن والقرى التي احتلها، فكانت فاتورة هذه الحرب مكلفة، دفعتها بلدان العالم من اقتصادها وبدماء شعوبها ورفاهية مواطنيها. وقد تحمّل الاتحاد السوفيتي الجزء الأكبر من هذا الثمن؛ لأنه لم يكتف بتحرير أراضيه من الفاشية، بل واصل معركته مع الجيش النازي إلى أن حرر دول أوروبا الشرقية بدماء الجيش الأحمر الذين ضحوا بحياتهم من أجل إنقاذ البشرية من هذا الكابوس الذي ظل جاثما على العالم حتى تمت إزالته فكانت خسارة الاتحاد السوفيتي هي الأكثر سواء بالنسبة إلى عدد القتلى الذي تجاوز 27 مليون شخص أو بالنسبة إلى الاقتصاد الذي تلقى ضربات موجعة جراء هذه الحرب، وكذلك الحال بالنسبة إلى البنية التحتية والمدن التي تمت إبادتها بالكامل.

وبغض النظر عن كل ذلك، فإن العالم قد استوعب الدروس المستفادة من هذه الحرب وأدرك أن السبيل الوحيد للمحافظة على الأمن والاستقرار الدوليين هو التفاهم والتعاون والتشاور بعيدا عن الصراعات والخلافات والتهديد باستخدام القوة، ولذلك كان إنشاء الأمم المتحدة التي تنضوي تحت مظلتها 193 دولة ثمرة من ثمار ونتائج هذه الحرب، وإذا كان العالم قد شهد حربين عالميتين خلال ثلاثة عقود من الزمن، فإنه لم يشهد حربا عالمية أخرى والحمد لله رغم مرور 75 سنة على انتهاء الحرب العالمية الثانية.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news