العدد : ١٥٤٠٧ - الجمعة ٢٩ مايو ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٦ شوّال ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٠٧ - الجمعة ٢٩ مايو ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٦ شوّال ١٤٤١هـ

الاسلامي

المنهج النبوي في القيادة والإدارة
مرحلة تنفيذ خطة الهجرة النبوية

الجمعة ٠٨ مايو ٢٠٢٠ - 02:00

بقلم: الدكتور زكريا خنجي

في اللحظة التي صرح فيها صلى الله عليه وسلم لصديق عمره أبي بكر الصديق بأنه قد أذن له بالهجرة، تحولت العملية من التخطيط إلى مرحلة التنفيذ، عندئذ قام الصديق رضي الله عنه بجزء كبير من تنفيذ الخطة، فهو يمكن أن يعتبر -بلغة العصر- المدير التنفيذي للخطة.

كيف جرى تنفيذ خطة الهجرة النبوية؟

• تشكيل فريق العمل: يمكن الملاحظة أنه تم تشكيل فريقي عمل، الأول: هو الفريق الذي شكله رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ لحظة التفكير في الهجرة والخروج من مكة المكرمة، وهذا الفريق مكون من أبي بكر الصديق وأهل بيته وعليّ بن أبي طالب رضوان الله عنهم أجمعين. 

أما الفريق الآخر فتشكل أثناء وجود رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت أبي بكر الصديق، وهذا الفريق مكون من خليط من الرجال ذوي الأعمار المختلفة، بينهم شيخ كبير يقرب من عمر الرسول نفسه وهو الصديق، وكذلك بعض الشباب وامرأة، ليس ذلك فحسب وإنما كان من ضمن الفريق شخص كافر لم يسلم بعد، وهو عبدالله بن أريقط، وهذا لا يعني أنه يمكن الاستعانة بمشرك أيًّا كان، وإنما يجب أن تكون هناك ثقة بين الأطراف، إذ ربما يقوم هذا المشرك بالخيانة، فماذا يمكن أن يحدث وخاصة في مثل هذا الحدث العظيم؟ 

عمومًا، قام فريق العمل بتنفيذ الجزء الأكبر من المخطط الذي وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنام عليّ بن أبي طالب كرم الله وجه في فراشه صلى الله عليه وسلم، ولم تكن تلك وظيفته فحسب وإنما كُلف من قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم بإعادة الأمانات والودائع التي كانت بحوزته صلى الله عليه وسلم إلى أصحابها بعد مغادرته أرض مكة.

استعد أبو بكر الصديق وقام بتجهيز وسيلة النقل التي ستنقلهم من مكة إلى المدينة وكذلك قام بتوفير المبالغ اللازمة للرحلة، وتم توزيع مهام أفراد الفريق، فكل واحد يعرف ماذا يفعل وفي أي وقت.

وظيفة عبدالله بن أبي بكر أن يستمع الأخبار ويختلط بالناس وفي نهاية اليوم ينقلها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وظيفة ذات النطاقين أسماء بنت أبي بكر الصديق أن تجلب الماء والطعام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه في الغار.

وظيفة عامر بن فهيرة -مولى أبي بكر- أن يرعى الغنم والتي من ضمنها غنم أبي بكر الصديق على الطريق الذي يسلكه عبدالله وأسماء أبناء الصديق ليخفي آثارهما ويخلطها بآثار الأغنام، بالإضافة إلى تزويد رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه بالحليب وربما باللحم والغذاء.

وظيفة عبدالله بن أريقط -وكان مشركا- أن يقودهما إلى المدينة المنورة بطريق غير مأهول، ولا تسلكه العرب عادة.

الثقة في فريق العمل

ربما كان الإمام الشافعي على حق عندما قال قصيدته والتي جاء فيها «ما حك جلدك مثل ظفرك.. فتول أنت جميع أمرك»، إلا أن حدثا مثل الهجرة النبوية ذلك الحدث العظيم لا يمكن أن يندرج تحت مثل هذه الفردية، إذ ربما هذه الفردية يمكن أن تصح لبعض الأعمال الصغيرة إلا أنه يصعب تحقيقها في الأمور والأحداث العظيمة.

ليس ذلك فحسب وإنما عندما شكل رسول الله صلى الله عليه وسلم فريق العمل فإنه يمكن أن يلاحظ أن الفريق كان مكونًا من خليط من البشر، ففيهم الشيخ الكبير والشباب بأعمال مختلفة وكذلك العنصر النسائي بالإضافة إلى مشرك، كل هؤلاء كان يجمعهم هدف واحد وهو نجاح مشروع الهجرة، ولكل سبب، فربما تختلف نوايا الاشتراك في هذا الحدث العظيم، فلا يمكن أن نضع نية ابن أريقط ونحسبها بنفس نية أسماء رضي الله عنها، إلا أنه من المهم أن الجميع عمل لهدف واحد وكانوا يعزفون بنفس السيمفونية حتى تخرج الألحان ناعمة شجية.

ولكن كيف يمكن أن يتناسق الفريق ويعمل وفق منهجية واضحة متناغمة على الرغم من اختلافات الأفراد والفروق الفردية بينهم؟ فإن الإجابة حتمًا ستتوجه إلى قائد الفريق، فقائد الفريق المتمكن من نفسه ومن قدراته هو الذي يستطيع أن يجعل الفريق والأتباع يعملون وفق ما يريد، أليس هذا هو تعريف القيادة؟

فرسول الله صلى الله عليه وسلم وضع الخطة وأصدر التعليمات، ووزع الأدوار والمهمات، ومنح الفريق والأعضاء الثقة اللازمة للعمل وحفزهم وقدر مهاراتهم وقدراتهم، وفي الوقت ذاته، وقام أبو بكر الصديق رضي الله عنه بتوفير مستلزمات الرحلة كلها، عندئذ حانت ساعة الصفر، وبدأت الرحلة العظيمة التي غيرت مجرى التاريخ. 

• الخروج في الوقت غير المعتاد: ويمكن الملاحظة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج في وقت لم يعتاد الناس أن يروه خارج منزله، تقول عائشة رضى الله عنها: «كان لا يخطئ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتي بيت أبي بكر أحد طرفي النهار، إما بكرة وإما عشية، حتى إذا كان اليوم الذي أذن فيه لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالهجرة والخروج من مكة من بين ظهري قومه، أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهاجرة في ساعة كان لا يأتي فيها».

• استخدام الطرق الخلفية وغير المعتادة: اعتاد العرب أن يسلكوا طريقًا محددًا حينما يريدون أن ينتقلوا ما بين مكة والمدينة وبالعكس، لذلك فإنه صلى الله عليه وسلم لم يسلك ذلك الطريق وإنما استعان بمرشد ليأخذه في طريق غير مأهول ولا تسلكه العرب عادة.

• المبيت والاختباء لمدة ثلاثة أيام: لم يرحل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد مغادرته مكة إلى المدينة مباشرة، وإنما ظل في الغار والمنطقة المحيطة بالغار لمدة ثلاثة أيام وذلك حتى تهدأ نفوس أهل مكة وتهدأ المطاردة في تلك المنطقة، أو أن يتغير اتجاه سكان قريش في البحث، وهذا ما حدث، فبعدما يئسوا من منطقة الغار ذهبوا يبحثون في المناطق الأخرى المأهولة، ولكنهم فشلوا كذلك.

هذا الاختفاء والمبيت جعل أهالي قريش يتخبطون في قراراتهم، فكيف خرج صلى الله عليه وسلم؟ ومن أين؟ ومتى؟ لذلك فإنهم قرروا لمن يأتي برسول الله صلى الله عليه وسلم مكافأة تقدر بحوالي 100 ناقة، وهذه كانت آنذاك تقدر بثروة، كل ذلك من أجل إثارة حفيظة النفوس والرغبات الدفينة في النفوس من أجل الثروة.

إلا أن الهجرة نجحت، والخطة نجحت والتنفيذ تم على أعلى المستويات، فنجح صلى الله عليه وسلم في التخطيط والتنفيذ، ونجح فريق العمل في تنفيذ الخطة بدقة متناهية حتى بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة المنورة، وهذه قصة أخرى. 

وغدًا لنا وقفة أخرى مع واحدة من سماته صلى الله عليه وسلم القيادية. Zkhunji@hotmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news