العدد : ١٥٤٠٧ - الجمعة ٢٩ مايو ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٦ شوّال ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٠٧ - الجمعة ٢٩ مايو ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٦ شوّال ١٤٤١هـ

الاسلامي

الإنسان في القرآن (8)

الجمعة ٠٨ مايو ٢٠٢٠ - 02:00

بقلم: عاطف الصبيحي

عندما استوقفني قول الحق سبحانه وتعالى «فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون» لأول مرة في بدايات سورة البقرة، وكانت خاتمة للآية 38، تولدت سلسلة من الأسئلة في الذهن حول الخوف والحزن الذي يريد الله سبحانه وتعالى أن يُطمئن الإنسان بالنجاة منه يوم الحشر، وبربطها مع شرطها في كل آية تحمل هذه البشرى، يجد الإنسان نفسه أمام منظومة قيم وأعمال، إن قام بها نال الأمن من الخوف والحزن، وكل ما في الأمر أن تجمع هذه الآيات وتنظر في المقدمات كلها، التي تؤدي إلى النتيجة الوحيدة، ونحن نتبع منهجية الترتيب في تقصي هذه القيم المودوعة في الآيات، واليوم نحن بصدد الآية «إنّ الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم والآخر وعمل صالحًا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون» 69 المائدة، وقد تكررت هذه في المقال الثاني، وسنتناولها هنا من جانب آخر.

في هذه الآية ثلاثة شروط جلية لتحقيق النتيجة، وهي الإيمان بالله تعالى إلهًا إيمانًا طوعيًا، لا جبر فيه ولا إكراه، وهذا ما يحتم علينا التعريج السريع على أن الإقبال على الله هو محور الخلاف في كل الرسالات، حيث لا خلاف على أن الله هو رب الناس، ورب الحجر والشجر ورب الشمس والقمر، لكن الله هو إله الناس لأن الألوهية تستلزم شرطًا مسبقًا وهو العقل، لذا كان هو إله المؤمن به طوعًا وعقلاً مختارًا حرًّا، بينما الله أشهدنا على أنه ربنا ونحن في عالم الغيب، في الأصلاب «وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم، قالوا بلى شهدنا...»172 الأعراف، فالحسم واضح في الإقرار بالربوبية، وإنما انحصر الخلاف في الاعتراف بالألوهية عقلاً وبمطلق الحرية، وهما الشرطان الضروريان اللازمان اللذان يوجبان الحساب أمام الله، وإلا من حقنا أن نتساءل عن ماهية الخلاف بين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وقريش؟ وإن في ذلك إعلاء من شأن الإنسان، وتمييزًا له وتكريمًا.

والشرط الثاني ذو الصلة الوثيقة بالأول، هو الإيمان بالبعث ولقاء الله وأن هناك حياة أُخرى، وأن الموت أول مرحلة في تلك الرحلة، ومن «فلسفة» حكمة «الموت أن عليه تقوم عمارة الأرض، وهو المُحفز للاستزادة من الأعمال الصالحة، فلو لم يكن هناك موت لكان التقدم الإنساني تقدمًا سلحفائيا، ولما أقدم إنسان على فعل خير على اعتبار أنه خالد في هذه الدنيا، فكان الموت بابا ظاهره العذاب وباطنه الرحمة، وفي ذلك خدمة للإنسان يجتمع فيها التراحم والتعاطف والبذل للفوز في اليوم الآخر.

والشرط الثالث كنتيجة للشرطين السابقين هو العمل الصالح بعموم اللفظ وسعته، فإذا كان الشرطان الأول والثاني ضمن المعتقد، فهذا الشرط هو الصفحة التي يُدون الإنسان عليها أعماله على مدى خط الزمن لحياته الخاصة، وصفحته هذه هي الدنيا ومجالها أخوه الإنسان، من حيث حاجته النفسية والمالية وكل ما يتعلق به من أُمور يُجبر من خلالها خاطره، من الابتسامة حتى عظائم الأمور، من لحظة الولادة حتى يوارى الثرى، وينال جائزته التي أكدها الله في كل الآيات التي استشهدنا بها «لا خوف عليهم ولا هم يحزنون» ما أكرم هذا الإنسان على خالقه، فهلّا أكرمناه في هذا الشهر العظيم، شهر القرآن الكريم. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news