العدد : ١٥٤٥١ - الأحد ١٢ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ٢١ ذو القعدة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٥١ - الأحد ١٢ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ٢١ ذو القعدة ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

كورونا ومستقبل الاقتصاد العالمي

مركز الخليج للدراسات الإستراتيجية

الجمعة ٠٨ مايو ٢٠٢٠ - 02:00

لا تزال جائحة «كوفيد-19» هي الحادثة المسيطرة على الساحة الدولية. وعلى الرغم من أن العالم لا يزال في المراحل الأولى من هذه الأزمة، فإن الآثار الاقتصادية القصيرة والطويلة الأجل بدأت تتضح وتسبب قلقا كبيرا في الأسواق المالية العالمية، ما قد يثبت أن هذه الجائحة هي أكبر كارثة اقتصادية في تاريخ العالم الحديث.

ومع خضوع التوقعات الطويلة المدى لإعادة تقييم مستمرة، فإنه من المفيد تحليل التغييرات القصيرة المدى في الاقتصاد العالمي، والتي يمكن قياسها بالنظر إلى القيمة الحالية للعملات العالمية. وعلى الرغم من أن مراقبة قيم العملات تقدم مؤشرا على قوة اقتصادات العالم، فإنها في الوقت الحالي لا تقدم الصورة الكاملة، حيث توفر أخبار عمليات الإنقاذ الاقتصادي والبطالة الجماعية والانخفاضات الحادة في أسعار السلع صورة أكثر حيوية للصعوبات الاقتصادية التي سيواجهها العالم في المستقبل.

وخلال المراحل الأولى من الجائحة، تباينت قيمة العملات العالمية، حيث حافظ بعضها على استقرار قيمتها أو ارتفاعها، وانخفضت الأغلبية الأخرى. ومع أن العملات الأساسية في العالم تجنبت حتى الآن الانخفاضات المدمرة؛ لكن كلما استمرت الأزمة فترة أطول، زادت مخاطر فقدانها جزءا كبيرا من قيمتها.

وعلى المدى القصير، كان الدولار الأمريكي مستفيدا اقتصاديا من الأزمة؛ فمع انتشار الفيروس وتردد الأسواق العالمية، ارتفعت قيمته؛ بسبب قيام الدول الأجنبية بزيادة احتياطياتها منه، لحل مشاكلها الاقتصادية والانخفاض السريع في قيمة عملتها، باعتبار الدولار واحدا من أقوى العملات في العالم. وهذا يعني ارتفاع الطلب عليه في البداية من العملاء الأجانب. 

وحاليا، يعد الدولار الأمريكي أعلى بنسبة 10% من الدولار الأسترالي، وبنسبة 25% من «البيزو» المكسيكي، وظل طوال الأزمة هو المعيار الاقتصادي الأساسي في العالم؛ حيث استخدم في 44% من جميع معاملات الدفع الدولية في مارس 2020 فقط. في المقابل، لم يمثل «الرنمينبي» الصيني (اليوان) سوى 1.23% من معاملات الدفع.

وعلى الرغم من أن الدولار قد استفاد على المدى القصير، فمن غير المرجح أن يستمر هذا النجاح. ووفقا للمحللين الاقتصاديين، من المقرر أن ينخفض في نهاية عام 2020؛ بسبب نقص الطلب عليه من الدول التي قامت بالفعل بتخزين احتياطياتها منه، وانخفاض أسعار الفائدة. وقبل الجائحة، كان للولايات المتحدة أعلى معدلات فائدة للاقتصادات المتقدمة. 

وعلى خلفية الأزمة، بدأ «البنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي» بخفض أسعار الفائدة إلى ما يقرب من 0%، وسار على هذا النهج بنك إنجلترا والبنك الاحتياطي الأسترالي. ومع إصدار أمريكا حزمة تحفيز اقتصادي بلغت 2 تريليون دولار، ظهرت العديد من التوقعات بفقدان الدولار قوته في ظل أن مكانة واشنطن في تراجع قياسا ببعض القوى الصاعدة التي التقت في شنغهاي، شهر مارس2020، واتفقت على تتبع نظام مدفوعات يجنبها التعامل بالدولار؛ وهو ما أعطى إشارة إلى انتهاء عصر «هيمنة الدولار».

وفي واقع الأمر، لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها تطوير نظام مدفوعات عالمي بديلا عن الدولار. فقد أعلنت دول الاتحاد الأوروبي العملة الموحدة عام 2002، ومع ذلك لم تنجح في تعزيز مكانة «اليورو» في التعاملات الدولية، وبقي الدولار يشكل حوالي80% من احتياطيات البنوك المركزية في العالم، ولم تتراجع تلك النسبة رغم الأزمات المتتالية. وينطبق الأمر كذلك على «اليوان» الصيني. ورغم جهود بكين والضمانات الكبيرة لتنظيم تجارة ما عرف بـ«البترو-يوان»، فإن حجم التعاملات بها مازال محدودا جدا.

وترجع هيمنة الدولار لسبب رئيسي، هو الثقة في الاقتصاد الأمريكي الأكبر عالميا والأكثر انفتاحا بحجم بلغ في نهاية عام 2019 حوالي21 تريليون دولار، فضلا عن أنه المستهلك الأكبر عالميا، ويتصدر اقتصادات العالم من حيث العديد من المؤشرات المرتبطة بالإبداع والابتكارات، والدليل على ذلك أن نظام المدفوعات الخاص بالصين ينفذ معاملات في سنة كاملة تعادل ما يمر عبر مصارف نيويورك في يوم واحد.

أما الاقتصادات الرائدة الأخرى، فقد شهدت نتائج متباينة فيما يتعلق بتقييم عملاتها. وسجل «الجنيه الإسترليني»، مستويات منخفضة في منتصف2019. وبعد فترة تعافٍ قصيرة، حدث انخفاض حاد آخر في منتصف أبريل 2020. وفي الوقت الحالي، ارتد ليتداول عند 1.25 دولار، وهو ما يعادل المستويات المنخفضة لعام 2019. فيما انخفض «البيزو» المكسيكي، و«الراند» الجنوب إفريقي أيضا بأكثر من20% من قيمتهما. ومع ذلك، لم تمنع الصعوبات الاقتصادية بكين من طرح عملة افتراضية جديدة هي «الرنمينبي» الإلكتروني، الذي طوره البنك المركزي الصيني كأول عملة رقمية يديرها اقتصاد عالمي كبير.

أما بالنسبة الى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فقد أصبحت مخاوف تذبذب قيمة العملة أكثر إلحاحا من أي وقت مضى. وتسعى العديد من البلدان للحفاظ على قيم عملاتها ثابتة أو لتتماشى مع قيمة الدولار الأمريكي. ويعد الريال السعودي أحد العملات التي ترتبط بقيمة الدولار، والذي يعادل الآن 3.75 ريالات سعودي، كما أن الليرة اللبنانية مربوطة رسميا الآن عند1500 مقابل الدولار، وتنخفض قيمتها مع ارتفاع أسعار السوق السوداء  لتعادل 4000 دولار.

ومن الثابت أنّ هذا النظام يحمل مخاطر كبيرة، حيث قد تنخفض قيمة الريال السعودي بحيث لا يمكنه الوصول الى ذات القيمة مقابل الدولار. ويوضح «جيسون تورفي»، من مؤسسة «كابيتال ايكونوميكس للبحوث الاقتصادية»، أن «انهيار أسعار النفط أدى إلى تجدد الضغط على ربط العملات بالدولار في دول الخليج». وتراجعت قيمة «الليرة» التركية مع تنفيذ خفض كبير لأسعار الفائدة لدعم الاقتصاد. وأدت السياسة الاقتصادية التي اعتمدت على النمو الاقتصادي الذي يغذيه الائتمان إلى زيادة الطلب على السلع الخارجية والدولار الأمريكي على حساب الليرة.

وبالمثل في مصر، دعمت الحكومة سوق الأوراق المالية باستثمار 1.27 مليار دولار، وحاولت تثبيت قيمة الجنيه مقابل الدولار الأمريكي عن طريق زيادة الاحتياطيات الأجنبية بمقدار 45 مليار دولار. وارتفعت رسميا، قيمة الجنيه بنسبة 2%، لكن «بنك أوف أمريكا» قدر أن هذا السعر مبالغ فيه بنسبة تصل إلى 15%. ومع ذلك، مثّل هذا التعارض بين القيمة النظرية والفعلية للعملة أحد سمات الأسواق الاقتصادية طوال الأزمة. لذلك، قد لا تعطي القيمة الحقيقية للعملات العالمية حاليا مؤشرا مثاليا لقوة الاقتصادات العالمية.

ومن ناحية أخرى، تعطي التطورات الاقتصادية المتعلقة بميزانيات الدولة والشركات الكبيرة المتعددة الجنسيات، وما سيطرأ من تغيرات على الناتج المحلي الإجمالي، صورة أوضح للاقتصادات المختلفة بديلا عن عرض تقييمات العملات وحدها. 

وفي حالة الولايات المتحدة، فإن التفاوت بين تقييم العملات والتوقعات الاقتصادية على أرض الواقع للمستقبل تبدو صارخة. وعلى الرغم من أن الدولار لا يزال قويًا، فإن الاقتصاد الأمريكي على وشك أن يشهد انهيارا كارثيا على غرار الكساد الكبير الذي وقع في أواخر عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين. وفي الوقت الحالي، يطالب أكثر من 30 مليون شخص بإعانات البطالة، وانخفضت أسعار النفط الأمريكي إلى مستويات قياسية، «40 دولارًا» للبرميل، وشُلت العديد من الصناعات. وأخفقت الإجراءات التي اتخذتها إدارة ترامب في كبح التراجع مع وجود مطالبات بالعودة إلى النشاط الاقتصادي الكامل على الرغم مما يمثله ذلك من مخاوف على الصحة العامة.

أما الاقتصاد الأوروبي، فيواجه أيضا مستقبلا قاتما، حيث تقلص اقتصاد منطقة اليورو بنسبة 3.8% في الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2020. وانخفضت النواتج المحلية الإجمالية، لـ(فرنسا بنسبة 5.8%، وإسبانيا بنسبة 5.1%، وإيطاليا بنسبة 4.7%). ويمثل هذا أكبر انخفاض منذ عام 1949. وحذرت «كريستين لاغارد»، رئيس «البنك المركزي الأوروبي»، من أن هذه الأرقام «تشير إلى أنه من المرجح أن يكون التأثير أكثر حدة في الربع الثاني من العام مع انكماش اقتصادي متوقع يتراوح بين 5% و12%». 

ويوضح «بيرت كوليجن من «اي ان جي للاستشارات المالية»، أن «كل الضرر حدث تقريبًا في الأسبوعين الأخيرين من ربع السنة، ما يدل على مدى عمق الانكماش الذي يمكن أن يحدث تحت وطأة الإغلاق». ويقول «أوغو لانسيوني»، من شركة «نيوبرغر بيرمان» للاستثمار، إنه «ليس هناك شك في أن النشاط الاقتصادي سوف يسترد عافيته مرة أخرى بعد الإغلاق، ومع وقوع كل تلك الأضرار الماضية، ستدفع الحكومات الفاتورة بأكملها في ظل أن معدلات الديون مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي للدول تتحرك إلى أعلى بشكل ملحوظ على مستوى العالم».

وفي منطقة الشرق الأوسط، تزداد التهديدات التي تنذر بمزيد من الأضرار الاقتصادية. وبالفعل، تضررت دول مجلس التعاون الخليجي بشدة من الانخفاض الحاد في الطلب على النفط الخام. ومن المتوقع أن تشهد السعودية انكماشًا بنسبة 2.3% في نمو اقتصادها، والإمارات بنسبة 3.5%. وشهد البنك المركزي السعودي تراجعا في مستوى الاحتياطيات الأجنبية إلى أدنى مستوياتها منذ عام 2011، وواجهت الرياض عجزا في موازنتها قدره 9 مليارات دولار في الربع الأول من العام الجاري، كما انخفضت عائدات النفط بنسبة 24% لتصل إلى 34 مليار دولار في الأشهر الثلاثة الأولى من العام الحالي، واقترضت المملكة 12 مليار دولار من أسواق السندات العالمية في الأشهر الأولى من عام 2020 لدعم اقتصادها.

أما بالنسبة الى اقتصادات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا فهي معرضة بشكل استثنائي للعواقب والتداعيات الطويلة الأجل. ووفقًا لصندوق النقد الدولي، من المتوقع أن تنخفض النواتج المحلية الإجمالية، لـ(العراق بنسبة 4.7%، وإيران بنسبة 6%، ولبنان بنسبة 7.2%) في عام 2020 وحده. واعترفت الحكومة العراقية بالفعل بأنها قد لا تكون قادرة على دفع رواتب جميع موظفي القطاع العام في الأشهر المقبلة، وتعهدت نظيرتها الجزائرية بخفض الإنفاق الحكومي بنسبة تصل إلى30%. وكانت موازنة الجزائر وإجراءاتها التقشفية لعام2020 محددة بالفعل على اعتبار أن أسعار النفط الجزائري تقف عند50 دولارًا للبرميل، لكن حاليًا تقف أسعاره عند أقل من 20 دولارًا. وفي لبنان، تشير توقعات «البنك الدولي» إلى ارتفاع التضخم أكثر من 25%، مع احتمال أن يعيش حوالي 50% من المواطنين في مستوى الفقر بحلول نهاية عام 2020. يقول «جاد شعبان»، من «الجامعة الأمريكية» في بيروت: «لدينا ركود وتضخم. وهذا يسرع من وتيرة الفقر ويزيد من تفاقم الاضطرابات الاجتماعية». 

وإلى جانب هذه التوقعات السلبية بالنسبة إلى المنطقة، انخفضت أسعار النفط الخام وانخفض الطلب عليه. ووصلت قيمة «خام برنت» حاليا إلى ما دون20 دولارًا للبرميل، كما سيكون انهيار صناعة السياحة أمرًا مؤثرا للغاية للعديد من البلدان؛ حيث سيخفض الناتج المحلي الإجمالي لكل من الأردن ومصر وتونس بنسبة 2% جراء الأضرار التي ستلحق بهذا القطاع.

وفي حين أن حكومتي السعودية والإمارات كانتا قادرتين على إتاحة المزيد من الدعم لتعزيز اقتصادهما، فإن حكومات مثل، تونس والمغرب والأردن، قدمت مستوى دعم أكثر تواضعًا. ومع ذلك، قدمت المنظمات الدولية شكلاً من أشكال المساعدة. وعرض «صندوق النقد الدولي» على الأردن قرضا بقيمة 1.3 مليار دولار، في حين أن المغرب وتونس يناقشان أيضًا الحصول على المزيد من الدعم المالي. ومع ذلك، لن تثبت هذه الإجراءات أنها كافية لمواجهة معدلات الانهيار الاقتصادية إذا استمرت الأزمة عدة شهور وحرمت هذه البلدان من فرصة زيادة إيراداتها من الاستثمارات الأجنبية والسياحة الخارجية.

على العموم، تبدو الآفاق المستقبلية للاقتصاد العالمي قاتمة مع توقع حدوث تضخم مستشرٍ للعملات الرئيسية بما فيها الدولار الأمريكي، وهو ما كان أحد أسباب اندلاع الأزمات الاقتصادية السابقة. ومع ذلك، فإن خضوع التوقعات طويلة المدى لإعادة تقييم مستمرة، وخاصة في أوقات الأزمات المالية في ضوء أن الاستنتاجات الملموسة للأحداث المستقبلية تصعُب صياغتها أو تقديرها، حيث تخضع دائما للتطورات الجديدة في الأسواق الدولية، فإن ذلك قد يعطي مزيدا من الأمل لحدوث تغير مفاجئ.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news