العدد : ١٥٤٥٢ - الاثنين ١٣ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٢ ذو القعدة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٥٢ - الاثنين ١٣ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٢ ذو القعدة ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

مــلاحـظات حــول مـسـلـسـل أم هــــارون

بقلم: يوسف صلاح الدين

الخميس ٠٧ مايو ٢٠٢٠ - 02:00

في كل عام، وخاصة في شهر رمضان الكريم تتسابق المحطات الفضائية بعرض كم هائل من المسلسلات المتنوعة منها: الاجتماعية، التاريخية، الترفيهية، السياسية، الدينية، الدراما ومنها مسلسلات الفنتازيا التي تتناول الأحداث من رؤية غير مألوفة للواقع والمنطق ويتداخل بها الخيال وتحوير الأحداث والواقع ومن دون الاهتمام بتبعياتها ويلقى القبول أغلبها وبعضها يلقى الصدود والنفور إذا لم تراع مشاعر الصائمين وتقاليد المجتمع والأعراف السائدة ويقع بعضها في أخطاء تاريخية وسياسية، وخاصة إذا كان العمل الفني مرتبطا بحقبة زمنية معينة وله خلفيات ورواسب عاطفية وقومية، ومن ذلك مسلسل «ام هارون» الذي تعرض لانتقادات عديدة قبل وبعد عرض حلقاته بدعوى أنه تطبيع للعلاقات مع إسرائيل بعد أن أشاد به متحدث الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي، وهذا ما نفاه كاتبا المسلسل البحرينيان الأخوان علي ومحمد شمس والبطلة الكويتية القديرة والمحبوبة حياة الفهد والسيد مازن حايك المتحدث الرسمي لمجموعة «أم بي سي» في العديد من التصريحات الصحفية وأن رسالة المسلسل إنسانية. 

ان من الظلم الحكم على أي عمل فني من دون متابعته كاملا حتى نهايته ولكني أبدي ملاحظات على بعض أحداث المسلسل وهي باختصار:  

* لا أعتقد أن المسلسل دعوة إلى التطبيع كما يقال وليس كل عمل فني أو مقال صحفي ينشر ويتناول أحداثا ووقائع عن الأقليات الدينية التي كانت موجودة ومازالت في أغلب الدول الإسلامية والعربية، وخاصة اليهودية سواء كانوا من السكان الأصليين أو الوافدين يمس القضية الفلسطينية التي هي في وجدان المسلمين والعرب ومنهم المسيحيون واليهود الذين يعارضون الفكر الصهيوني الذي يختلف اختلافا كليا عن الديانة اليهودية الموسوية. 

* تعامل المجتمع العربي قبل وبعد الإسلام بعقلية منفتحة مع الأقليات والديانات الأخرى في أغلب الأوقات وكل من ينكر ذلك فعليه الرجوع الى الحقائق الحالية بوجود الأقليات الى يومنا هذا والتاريخ الاسلامي والعربي به كثير من تلك الأحداث المشرفة، وما حدث في السابق والحاضر في بعض الدول من تهجم على الأقليات هو هجمة مدبرة لتشويه صورة الإسلام الصحيح، ولكن هذا لا يمنع من وجود أشخاص من جميع الأطراف لا تريد السلام فهناك الطيب والشرير.  

* غاب عن مسؤولي المسلسل أن أي عمل فني له تبعيات وخلفيات خاصة إذا كان له صلة مباشرة بأفكار ومعتقدات وميول الناس، ما يؤدي الى ظهور فريقين من مؤيد ومعارض بحسب فهم كل فريق لدوافع وأحداث هذا العمل، فالمؤيد للمسلسل يرى أنه رسالة تعايش وحب وسلام والمعارض يرى أنه ترويج لفكرة تطبيع مع الصهاينة. 

* تفتقر بعض أحداث وسياق القصة الى الترابط والدقة والمنطق ولا تمثل حياة «أم جان» التي نعرفها، وكان من الممكن تفاديها حتى بعد تضارب التصاريح بأن مسلسل «ام هارون» يمثل أو مقتبس من قصة حياة «أم جان» أو مأخوذ من قصة حياة «أم شاؤول» التي عاشت في البصرة وهاجرت الى إسرائيل، ولكن مهما يقال فإن الكاتبين استلهما قصة أم جان وأضافا بعض الفنتازيا لإعطاء حبكة للمسلسل، لأن من دونها لن ينجح في استقطاب المشاهدين بنسبة عالية لم تكن في الحسبان بعد اشتعال محطات التواصل الاجتماعي من مؤيد ومعارض.  

* أحداث المسلسل كما أعلن في السابق تحكي قصة ولادة يهودية (الداية) وليست طبيبة في مملكة البحرين والمعروفة باسم «أم جان» واسمها الحقيقي «فلورا دلفي» وقد اختلف في أصولها وديانتها وعدل مكان إقامتها وغير اسم الداية إلى «أم هارون» حتى لا يوحي بأنه اسم مسيحي ليكون مقبولا لدى اليهود والمسلمين، ولا يخفى على أحد بأن أي عمل فني لا بد من عمل حبكة للمشاهد تشده وفي اعتقادي أن تغيير اسم المسلسل ومهنة البطلة وعدم تحديد المكان كان مقصودا لأن مهنة أم جان وعلاقاتها الحميمة بجيرانها ولكن ليس بالصورة المحورية التي تم تقديمها في المسلسل والذي تقمصته الفنانة حياة الفهد بكل اقتدار ولكنه أكبر من دور داية ومع احترامنا لدور كل الدايات، وخاصة أن أم جان لم تكن الداية الأولى في مدينة المنامة أو المحرق، فهناك الكثير من الدايات في مختلف مناطق مملكة البحرين معروفات وسبقن «أم جان» التي كان لها ميزة تعلمها التمريض في مدينة البصرة قبل وصولها مع زوجها الى البحرين في عام 1937 وعملها بعد سنوات في مستشفى النعيم، وكان لديها إلمام بالأمور الطبية الحديثة ووصف بعض الأدوية واستخدام الحقن والتعقيم أكثر من الدايات الأخريات اللواتي تفوقن عليها في أمور الممارسات الشعبية. 

* أم جان لها ذكرى طيبة في مملكة البحرين، وخاصة في مدينة المحرق وما أذكره لا ينقص من ذكراها وعملها الإنساني البحت وحبها للبحرين والمواطنين واهتمامها ومودتها للناس وأطفال الحي، لكنها لم تسع الى شهرة وحافظت على أسرار البيوت، لذا محاولة إظهارها بأنها صاحبة نفوذ وتحل مشاكل جيرانها من اليهود والمسيحيين والمسلمين وذهابها الى مركز الشرطة غير منطقية ومبالغ فيها، فقد سكنت في مدينة المنامة فترة وجيزة وانتقلت بعدها الى مدينة المحرق للعمل في عيادة حكومية وسكنت في الطابق العلوي. ومن المعروف أن أغلب العوائل اليهودية والمسيحية كانت موجودة بأحياء معينة في مدينة المنامة، لذا لم يكن متاحا لها مخالطة تلك العوائل، كما أن المسلسل أظهر أن مكون البلد الخليجي من مواطنين متساوين في العدد بثلاث ديانات بصورة غير واقعية، وتم إبراز رمزوها الدينية بطرق ملفتة وليس لها داع.  

* كنت أتمنى من القائمين على المسلسل الإلمام بحياة أم جان وأعمالها الإنسانية المشرفة والاستعانة بالحلقة التلفزيونية التي أعدها تلفزيون البحرين في السابق، والمقالات العديدة التي نشرت عنها وعن زواجها وأولادها في صحف البحرين وتفادي الأحداث غير المنطقية حتى لا يؤدي الأمر إلى تفسيرات في غير محلها، وكما أن إظهار العلم البريطاني أثناء استدعاء «أم هارون» الى مركز الشرطة خطأ فادح؛ لأن علم البلاد هو الذي كان يرفع في جميع مقرات الحكومة، ولم يتم رفع العلم البريطاني مطلقا في أي منها، ولأن رفع العلم البريطاني كان في أماكن وجود السلطة البريطانية مثل مقر المقيم السياسي وثكنات الجيش البريطاني فقط.

* تعرض العائلات اليهودية لتهجم ومضايقات في الدول العربية هي أحداث حقيقية، وأغلبها كان مفتعلا من قبل الحركة الصهيونية لإجبار العوائل اليهودية على الهجرة إلى فلسطين. والحمد لله أن الكل يشهد أن من قام بذلك العمل المشين في مملكة البحرين لم يكونوا من جيرانهم بل كانوا مندسين في المسيرة الشعبية، ما دعا منظمي المسيرة إلى إلغائها والتواصل مع العائلات اليهودية واستنكارهم تلك الأحداث المؤسفة. وقد تجلت سمة التعايش السلمي والانفتاح مع المعتقدات الدينية في أحسن صورها بقيام الكثير من المسلمين بحماية اليهود والتصدي للمندسين. وقد أظهر اليهود ولاءهم لوطنهم البحرين، وأصدروا بيانا بأن ليس لهم أي ميول صهيونية ولا يدعمون قيام إسرائيل على أرض فلسطين. 

عرض المسلسل عادة «المزوزا» عند دخول اليهود إلى البيت بلمس الباب أو الحائط وتقبيل الأصابع، ولكن لم يعرض إعداد وجبة «الشبات» والاحتفال باستقبال يوم الراحة حين توقد ربة البيت الشموع يوم الجمعة قبل غروب الشمس بوقت قصير، لأنه يظهر العلاقة الحميمة التي كانت موجودة ومازالت في مملكة البحرين والدول الأخرى، حيث كان اليهود يطلبون من جيرانهم في يوم السبت تسخين طعام «البيوتي» والشاي الذى يتم إعداده يوم الجمعة. كما عرض المسلسل تدريس الحاخام البنات في المعبد «كنيس» بقراءة «هاكاده» وهو نص سفر خروج سيدنا موسى عليه السلام من مصر وإعداد فطيرة من غير استخدام الخميرة، وقد أخطأ الحاخام بقوله ان خروج بني إسرائيل بعد أن سمح لهم فرعون، وهذا جهل بالحقائق الدينية والتاريخية، فإذا سمح فرعون لليهود بالخروج لما حدثت معجزة شق البحر المذكورة في التوراة والقرآن الكريم.

لا بد من تقديم أفلام ومسلسلات تظهر الوجه الحضاري عن تعامل المسلمين والعرب مع الأقليات الأخرى، وخاصة اليهودية، التي لم تكن مقتصرة على دول الخليج، بل كانت منشرة في جميع البلدان الاسلامية والعربية، ومنها فلسطين قبل صدور وعد بلفور في عام 1917، الذى واجه معارضة من أغلب الطوائف اليهودية وقرار التقسيم في عام 1947 وإعلان قيام إسرائيل على الأراضي الفلسطينية في عام 1948. وأود أن أشير إلى أن السيد حاييم وايزمن الذي يعد أشهر شخصية صهيونية بعد تيودور هرتزل في التراث الصهيوني، والذي لعب دورا مهما في إصدار وعد بلفور له صداقات عديدة مع كثير من الزعماء والأفراد العرب والمسلمين والفلسطينيين، وهناك تاريخ قديم مشترك في اليمن عن عرب اليمن اليهود، كما كانت هناك علاقة قوية بين السيد محمد ويب زعيم المسلمين في الولايات المتحدة الأمريكية والسيد ريتشارد عوتهيل زعيم اليهود الأمريكي، وقد حاول محمد ان يثنيه عن دعم وعد بلفور.  

 yousufsalahuddin@gmail.com 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news