العدد : ١٥٥٢١ - الأحد ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٣ صفر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٢١ - الأحد ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٣ صفر ١٤٤٢هـ

مقال رئيس التحرير

أنـــور عبدالرحمــــــن

نقاش ساخن حـول عـروبـة الخـلـيـج

قبل أيام خرج أحد قادة الحرس الثوري الإيراني ليتحدث عن «فارسية» الخليج وليعيد إلى الأسماع أطماع إيران التوسعية في المنطقة.

الأمر ليس جديدا ولا غريبا. هذا النظام الإيراني منذ قيامه وابتلاء الشعب الإيراني به قبل عقود وهو لا يكف عن الإفصاح عن نواياه العدوانية وأطماعه الطائفية التوسعية.

حين يصر قادة إيران على الحديث عن «الخليج الفارسي» فهم لا يستندون إلى أي حقيقة تاريخية أو معاصرة. كل الأدلة والوقائع التاريخية والمعاصرة تؤكد عروبة الخليج بما لا يدع أي مجال لذرة من شك.

ومن الملاحظ أن بعض الساسة والمسؤولين في دولنا حين يردون على تصريحات الإيرانيين المستفزة بهذا الشأن يكتفون بالتنديد بها وإدانتها سياسيا، وهو موقف مطلوب بالطبع.

لكن نحن بحاجة إلى أن نقدم للأجيال الجديدة بالأخص الأدلة والوقائع التاريخية التي تدحض مزاعم الإيرانيين وتفضح أطماعهم لكي تكون هذه الأجيال قادرة على الدفاع عن حقوقنا العربية عن وعي ومعرفة.

ولهذا رأينا أن نعيد نشر هذا المقال الذي كتبه الأستاذ أنور عبدالرحمن رئيس التحرير تحت عنوان «نقاش ساخن حول عروبة الخليج» وسبق أن نشرته «أخبار الخليج» في 6 مايو عام 2014، فهو يتعلق بهذا الموضوع بالأخص.. عروبة الخليج. والمقال يتضمن بعض وليس كل الحقائق التاريخية التي تؤكد أن الخليج عربي بلا أدنى شبهة ويفند أكاذيب النظام الإيراني.

 

 يوم الأربعاء الماضي تلقيت مكالمة هاتفية من سيامك دهقانبور، مقدم البرامج في تلفزيون صوت أمريكا الناطق بالفارسية، ومقره واشنطن دي سي، يدعوني إلى المشاركة في حوار مع اثنين آخرين، أحدهما من طهران والثاني من الولايات المتحدة.

موضوع الحوار كان موضوعا مثيرا، هو: هل الخليج فارسي أم عربي؟

مقدم البرنامج بدأ بتوضيح مناسبة تنظيم هذا الحوار، وهو أنه في هذا اليوم تحتفل إيران بيوم الخليج، وسأل الدكتور هرميدوس باواند من طهران عن رأيه.

كان واضحا أن الدكتور باواند واسع الاطلاع، لكنه في حديثه اختار فقط المعلومات التي اعتقد أنها تؤيد منطقه ووجهة نظره القومية المتطرفة. حاول أن يشرح أن كل كتاب قرأه يشير إلى الخليج باسم الخليج الفارسي، وادّعى أن هناك مراجع تؤكد هذا تعود إلى قرون ما قبل الميلاد، وادّعى أيضا أنه في ذلك الوقت لم تكن هناك أي دولة عربية موجودة في المنطقة، في حين أن الامبراطورية الفارسية تأسّست في القرن السادس قبل الميلاد.

بدوره، أكّد الدكتور عباس ميلاني من الولايات المتحدة أنّ كلّ ما ذكره الدكتور باواند هو حقائق مجرّدة، تؤكّدها الوقائع والحقائق التاريخية، وأنه لا شيء يمكن أن يغيّر هذا الواقع.

وجاء دوري في الحديث..

قلت: أيها السادة، ينبغي ألا تغيب عن ذاكرتنا حقيقة أنّ العرب كانوا يعيشون في اليمن، وفي صحراء الجزيرة العربية، وعلى سواحل الخليج قبل أن تظهر إلى الوجود دولة اسمها فارس بقرون. العرب لم يعيشوا في أي مكان آخر غير هذه المنطقة. الجزيرة العربية هي موطنهم الأصلي. وقد احتل العرب دائما مكانة خاصة في تاريخ البشرية، وكانوا أهل معرفة وحضارة. وبحسب الموسوعة البريطانية فإن أقدم ثلاث أبجديات في التاريخ هي: السومرية والعربية والعبرية، والتي يعود ظهورها إلى عام 1500 قبل الميلاد.

عندما قلت هذا قاطعني الدكتور باواند فجأة، وقال إنهم كانوا سومريين وليسوا عربا.

كان ردي عليه ببساطة أن سألته: ولماذا -إذن- اخترعوا أبجديتهم الخاصة في الفترة التاريخية نفسها؟.. لو أنهم كانوا سومريين لكانوا قد اعتمدوا -بداهةً- الأبجدية السومرية.

«ينبغي أنْ نذكرَ هنا أنّ الفرس ليست لديهم أبجدية خاصة، وإنما يستخدمون الأبجدية العربية».

من الواضح أنّ المشاركين الآخرين في الحوار لم يكونوا على علم، أولا لا يريدون أن يعترفوا بحقائق تاريخية أساسية.

من هذه الحقائق التاريخية -مثلا- أنّ التاريخ الموثق يوضح أنّ القحطانيين العرب أسّسوا أول دولة لهم في اليمن في عام 2300 قبل الميلاد، ظلت مزدهرة حتى عام 800 قبل الميلاد. وهذا دليل تاريخي أكيد، يؤكد ببساطة أنّ العرب كانت لهم دولة وسيطرة في المنطقة قبل أن تقوم أول إمبراطورية فارسية بـ17 قرنا.

الأكثر من هذا أنّ وقائع وحقائق التاريخ تؤكد أنّ الفرس لم يكونوا أصلا من أهل الأرض التي عرفت بعد ذلك بفارس. الذي حدث تاريخيا هو أنّ الفرس كأحد عناصر الجنس الآري كانوا موجودين في منطقة الأورال جنوب روسيا، وبسبب المجاعات هاجروا من هناك إلى الهند. حدث هذا في حدود عام 7000 قبل الميلاد (على الرغم من أنّ المؤرخين الهنود يختلفون حول التاريخ الدقيق لهذه الهجرة).

وبسبب المجاعات أيضا والكوارث الطبيعية حدثت هجرة جماعية أخرى من الهند إلى المنطقة المعروفة باسم إيران حاليا. حدث هذا قبل خمسة آلاف عام فقط.

وعبر السنين بعد ذلك هاجر البعض غربا، حيث ألمانيا والنمسا حاليا، وعاد آخرون إلى الهند، بينما بقي كثيرون في المكان نفسه، أي إيران الحالية.

بناءً على هذه المعلومات التاريخية قلت للأخوين المشاركين -بوضوح وصراحة- فإن وقائع التاريخ تثبت أنكم أنتم الإيرانيين لستم أبناء هذه الأرض أصلا، وليس لكم جدود فيها. ومن ثمَّ فإنّ كلّ دعاوى وجود حقوق تاريخية تبرّر تسمية الخليج «الخليج الفارسي» هي ببساطة دعاوى خاطئة جملة وتفصيلا. إنّ العرب كانوا هنا في هذه المنطقة قبلكم بقرون.. هم أبناء هذه الأرض بالميلاد والأصل والوجود التاريخي.

وتعليقا على ما قلت، اتهمني الدكتور ميلاني بتحريف التاريخ بشكل غريب، وقال: «إنّ ما تقوله يساوي القول إن مانهاتن يجب إعادتها إلى الهنود الحمر».

رددت عليه قائلا: هذا منطقك أنت وليس منطقي.

لقد كان النقاش الذي دار في البرنامج حادا وساخنا. وقد أثبت النقاش أنّ المشاركَينِ الآخرَينِ من المستحيل أن يقبلا بأيّ وقائع أو حقائق تاريخية لا تتوافق مع موقفهم القومي المتطرّف والمتعصّب.

وبالإضافة إلى ما قلت، طلبت منهما أن يتأمّلا مليا الوضع في منطقة الخليج اليوم. قلت إن مطارات دول مجلس التعاون تستقبل يوميا آلاف الرحلات اليومية من كلّ أركان العالم. مطار دبي وحده يستقبل رحلات أكثر من التي يستقبلها مطار هيثرو. ونفس الشيء يقال عن الآلاف من السفن التجارية وناقلات النفط التي تدخل مياه الخليج وتتجه إلى موانئ مجلس التعاون. وملايين الناس من كلّ جنسيات العالم تقريبا يعيشون حياة كريمة في دول مجلس التعاون بفضل فرص العمل والتوظيف المتاحة، دول مجلس التعاون تؤَمِّن حياة كريمة، ليس لمواطنيها فقط وإنما لمواطنين من كلّ دول العالم.

قلت هذا وسألتهما: ما الذي لديكم أنتم في الضفة الفارسية من الخليج؟

هنا تدخّل مقدّم البرنامج دهقانبور وأبدى وجهة نظره الشخصية.

قال: أيها السادة، لا شكّ أنّ الإيرانيين الذين يعيشون في الضفة الأخرى من الخليج ينظرون إلى الضفاف العربية للخليج وتعتصرهم مشاعر الألم والحزن والحسد. لا شك أنّ الإيرانيين يتساءلون: لماذا تعجّ الحياة في الجانب العربي بكلّ هذه الحيوية والنشاط والأمل، ولا نعرف نحن إلا الحسرة والزيف والمعاناة والألم؟.

المشاركان الآخران في الحوار دافعا عن وجهة نظرهما وادّعاءاتهما بالإشارة إلى خرائط وإلى مقتطفات من كتب تحدثا عنها. العرب أيضا لديهم خرائط ووثائق تاريخية تؤكّد عروبة الخليج. في أواخر القرن التاسع عشر كان الأتراك في فترة الإمبراطورية العثمانية يطلقون على الخليج «خليج البصرة». وخرائط البرتغاليين كانت تطلق عليه «خليج عمان». وهناك خرائط أقدم من هذا كانت تطلق على الخليج «خليج القطيف، والخليج العربي».

من الغريب حقا أنّ التطرّف والتعصّب يعمي حتى أكثر الناس علمًا عن رؤية الحقيقة.

في نهاية الحوار كانت لي رسالة أوجّهها إليهما، قلت: إننا نرغب في إقامة علاقات طيبة مع إيران، وإنّ إيران بمقدورها أن تستفيد وتحقق إنجازات مثل التي حققناها.

الدكتور باواند علّق قائلا: أنت تقول هذا، فلماذا -إذن- تُجري السعودية مناورات عسكرية كبرى مثل التي أجرتها أمس؟

أجبته قائلا: السعودية وكلّ دول مجلس التعاون لديها أسلحة ولديها جيوش لأغراض دفاعية فقط. لا أحد في مجلس التعاون يفكر في التوسع أو العدوان.. إيران هي التي تحلم بإعادة بناء الإمبراطورية الفارسية.. إيران متورطة تماما في كلّ ما يجري في العراق، وفي اليمن أيضا. والكلّ يعرف ما تفعله إيران في سوريا ودعمها للنظام السوري وشنّها حربا على الشعب السوري بالإنابة عن بشار الأسد. و«حزب الله» في لبنان هو الآخر إحدى الأذرع الإرهابية لإيران.

ولم أندهش حين لم يعلق أيّ من المشاركين على ما قلت.

ومع ذلك، فقد اتفقا مع الملاحظات التي أبداها مقدم البرنامج دهقانبور حول المقارنة بين الوضعين في ضفتي الخليج. لقد اضطرا إلى الاعتراف بهذه الفروق الشاسعة على ضوء حقائق التجارة والصناعة ومستوى المعيشة في دول مجلس التعاون مقارنة بإيران.

لقد اضطرا إلى الاعتراف بأنّ دول مجلس التعاون هي دول تقدمية حققت الكثير، في حين أنّ هناك كثيرًا من أوجه القصور في إيران.

إقرأ أيضا لـ"أنـــور عبدالرحمــــــن"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news