العدد : ١٥٤١٦ - الأحد ٠٧ يونيو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٥ شوّال ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤١٦ - الأحد ٠٧ يونيو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٥ شوّال ١٤٤١هـ

شرق و غرب

كورونا والبحث عن أوروبا المفقودة

الأحد ٠٣ مايو ٢٠٢٠ - 11:03

بقلم: آلان ساليس

لقد تفشت جائحة فيروس كورونا في وقت يتخبط فيه الاتحاد الأوروبي منذ عشرة أعوام في أزمة متفاقمة مما تسبب في هشاشة الوضع الذي يوجد فيه اليوم، وخاصة بعد انسحاب بريطانيا رسميا من هذا الاتحاد. بلغ الاتحاد الأوروبي سنته الثالثة والستين، إذ إنه تأسس على دعائم السوق الأوروبية المشتركة التي أنشئت بمقتضى معاهدة روما التي أبرمت رسميا يوم 25 مارس 1975.

باتت دول الاتحاد الأوروبي في وضع لا تحسد عليه إذ تجلى غياب التضامن ما بين أعضائها، وخاصة إيطاليا التي تعتبر أكثر الدول تضررا من جائحة كورونا على مستوى أوروبا والعالم. قبل أن يشهد العالم تفشي جائحة فيروس كورونا في سنة 2020، اهتزت أركان الاتحاد الأوروبي على وقع أزمة الديون الخانقة التي غرقت فيها اليونان سنة 2010، الأمر الذي استدعى دول الاتحاد للتدخل وتمكين سلطات أثينا من حزمة مساعدات بالمليارات وهو ما حال دون انهيار الاقتصاد اليوناني. 

بعد ذلك اهتز البيت الأوروبي الموحد على وقع موجات الهجرة المتدفقة بسبب الحروب وانعدام الاستقرار في المنطقة العربية والشرق الأوسط، قبل أن تأتي بعد ذلك أزمة انسحاب بريطانيا (البريكست) وتنامي قوة التيارات والأحزاب والحركات اليمينية ذات الخطاب السياسي الشعبوي، الذي يتغذى من الأزمات الأوروبية ويهدد الأحزاب التقليدية.

على غرار الولايات المتحدة الأمريكية، التي تعاني بدورها من حالة من «الإرهاق الديمقراطي»، اختارت دول الاتحاد الأوروبي في بداية الأمر تجاهل «الفيروس الصيني» وأشاحت بعيدا عنه من دون أن تسارع إلى اتخاذ الإجراءات الاحترازية، أو بناء مخزون من أدوات الكشف عن الفيروس، أو مراقبة وصول الطائرات القادمة من الدول الموبوءة، وفي مقدمتها الصين وإيران، أو متابعة الأشخاص المشتبه في إصابتهم.

 ولا غرابة أن بعض الدول الأوروبية قد تحولت إلى مناطق موبوءة وهي تدفع اليوم ثمنا باهظا مع عشرات الآلاف من المتوفين والمصابين. 

لا شك أن صور الموتى في بيرغامي، مدريد، ميلوز ونيويورك تعكس صورة كارثية للدول الأوروبية التي ظلت حتى الآن تجسد الأمن والحداثة في العالم، غير أن إيطاليا وإسبانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية تقف عاجزة في وجه هذه الجائحة واضطرت إلى وقف اقتصادها كما أنها تنتظر الكمامات وأجهزة الفحص والتنفس الاصطناعي من الصين. 

في الوقت نفسه تحقق النجاح في تنظيم الانتخابات في كوريا الجنوبية، كما أن مدينة يوهان، أول بؤرة انطلق منها فيروس كورونا، بدأت تستعيد حياتها اليومية الطبيعية. صحيح أن الشكوك تحوم بقوة حول العدد الحقيقي للضحايا في الصين، كما يخشى أن تتفشى موجة ثانية من هذه الجائحة، لكن من المؤكد أن هذه الدول الآسيوية كانت أفضل إدارة للأزمة من أوروبا العجوز أو من الولايات المتحدة الأمريكية التي شاخت والتي تقف اليوم عاجزة أمام الفيروس.

في الوقت الذي أعلنت فيه الولايات المتحدة الأمريكية أنها في حالة حرب ضد فيروس كورونا الذي أوقع بين سكانها آلاف الضحايا والمصابين برزت الخلافات ما بين دول شمال أوروبا ودول جنوبها المطلة على حوض البحر الأبيض المتوسط، وهو ما يذكرنا بتلك الخلافات الحادة التي نشبت بين الدول الأعضاء بسبب أزمة الديون اليونانية في سنة 2010. ثم في سنة 2015 مع تولي أليكسيس تسيبراس، عن اليسار الراديكالي، رئاسة الحكومة في أثينا. 

طالبت تسع دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي، من بينها فرنسا، بضرورة تقاسم الديون الضخمة القادمة، التي ستنجم بلا شك عن أزمة تفشي جائحة كورونا، التي شلت قطاعات واسعة من الاقتصاد الأوروبي والعالمي وأوقفت خطوط السفر. غير أن ألمانيا وهولندا رفضتا بشدة فكرة إصدار سندات أوروبية تتقاسم بمقتضاها الدول الأعضاء الديون التي ستتراكم مستقبلا من بعد هذه الأزمة الصحية. 

دار حديث عن وجود شرخ جغرافي في صلب الاتحاد الأوروبي غير أن مثل هذا الكلام مبالغ فيه. فإذا كانت إيطاليا وإسبانيا وفرنسا أكثر الأوروبية تضررا، وإذا كانت ألمانيا مؤهلة للتغلب على هذه الجائحة وحسن إدارة الأزمة فإن عدة دول أخرى تعاني من ارتفاع الخسائر البشرية الفادحة والفاتورة الاقتصادية الباهظة على غرار المملكة المتحدة وبلجيكا وهولندا على وجه الخصوص. أما اليونان والبرتغال، اللتان توجدان في قلب أزمة منطقة اليورو الحادة، فإنهما تعتبران حتى الآن الأقل تضررا. تعتبر بلجيكا ولوكسمبورغ من بين الدول التسع الأعضاء التي طالبت بإطلاق سندات أوروبية. 

تدور أحداث درامية على أرض الواقع وهي تحيلنا إلى عصر تاريخي خلناه قد ولى ومضى في أوروبا التي تبدو اليوم عاجزة عن التصدي معا لهذه الجائحة، وهو عجز ظلت أوروبا تعانيه على مدى الأعوام العشرة الماضية على وجه الخصوص. فمنذ أزمة الديون الحادة التي ضربت اليونان سنة 2010 ظلت أوروبا تعطي دائما الانطباع بأنها تتحرك دائما متأخرة وتسيء إدارة أزماتها الهيكلية والطارئة رغم وجود مؤسسات عديدة أنشئت ضمن مشروع الاتحاد الأوروبي.

لقد تجلى ذلك في فشل دول الاتحاد الأوروبي في إدارة أزمة موجات المهاجرين غير الشرعيين التي تسببت في إحداث انقسامات حادة بين الدول الأوروبية الأعضاء، وقد كانت أزمة بمثابة الوقود الذي زاد التيارات اليمينية المتطرفة سطوة وتمددا على الساحتين السياسية والفكرية في دول الاتحاد الأوروبي. 

تقول المفوضة السامية والمكلفة بالنهوض بأسلوب العيش في الاتحاد الأوروبي ماجريتا شيناس بلغة قد لا يصدقها اليوم الكثير من الأوروبيين المتشككين في المشروع الأوروبي الموحد: «أنا على قناعة تامة بأن أوروبا ستخرج من هذه الأزمة أكثر قوة. إن الاتحاد الأوروبي يتجدد من رحم الأزمات ومن خلال الحلول التي تعالج بها هذه الأزمات». 

هل ستظل هذه النغمة المتفائلة بمستقبل أوروبا ما بعد نهاية أزمة تفشي فيروس كورونا؟ يقول المؤرخ المختص في الاقتصاد آدام توز: «إن كل أزمة لا بد أن تترك جراحا غائرة تدوم طويلا وتخلف تشوهات كبيرة وأزمات كامنة قد تنفجر بعد عدة سنوات لاحقة». 

يمضي هذا الأكاديمي المختص في التاريخ الاقتصادي: «لقد تحولت الأزمة التي يتخبط فيها الاتحاد الأوروبي إلى ما يشبه الحرب الأهلية الأوروبية ولحظة قد تفرز قراءات أوروبية تاريخية متناقصة ومتصادمة إلى حد يصعب معه الخروج بقراءة توافقية في المستقبل»، مستدلا بالخلافات الكبيرة التي ظهرت ما بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بشأن المطالبة بإصدار سندات أوروبية لإدارة الديون المستقبلية.

لوبوان

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news